المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (1741)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (1741)]
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِ يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا
قَوْله : ( تَتْرُكُونَ الْمَدِينَة ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَاءِ الْخِطَاب , وَالْمُرَاد بِذَلِكَ غَيْر الْمُخَاطَبِينَ , لَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْبَلَد أَوْ مِنْ نَسْل الْمُخَاطَبِينَ أَوْ مِنْ نَوْعهمْ , وَرُوِيَ "" يَتْرُكُونَ "" بِتَحْتَانِيَّةٍ وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ. قَوْله : ( عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ ) أَيْ عَلَى أَحْسَن حَال كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَيْثُ صَارَتْ مَعْدِن الْخِلَافَة وَمَقْصِد النَّاس وَمَلْجَأَهُمْ , وَحُمِلَتْ إِلَيْهَا خَيْرَات الْأَرْض وَصَارَتْ مِنْ أَعْمَر الْبِلَاد , فَلَمَّا اِنْتَقَلَتْ الْخِلَافَة عَنْهَا إِلَى الشَّام ثُمَّ إِلَى الْعِرَاق وَتَغَلَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَعْرَاب تَعَاوَرَتْهَا الْفِتَن وَخَلَتْ مِنْ أَهْلهَا فَقَصَدَتْهَا عَوَافِي الطَّيْر وَالسِّبَاع. وَالْعَوَافِي جَمْع عَافِيَة وَهِيَ الَّتِي تَطْلُب أَقْوَاتهَا , وَيُقَال لِلذَّكَرِ عَافٍ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : اِجْتَمَعَ فِي الْعَوَافِي شَيْئَانِ أَحَدهمَا أَنَّهَا طَالِبَة لِأَقْوَاتِهَا مِنْ قَوْلك عَفَوْت فُلَانًا أَعْفُوهُ فَأَنَا عَافٍ وَالْجَمْع عُفَاة , أَيْ أَتَيْت أَطْلُب مَعْرُوفه , وَالثَّانِي مِنْ الْعَفَاء وَهُوَ الْمَوْضِع الْخَالِي الَّذِي لَا أَنِيس بِهِ فَإِنَّ الطَّيْر وَالْوَحْش تَقْصِدهُ لِأَمْنِهَا عَلَى نَفْسهَا فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُخْتَار أَنَّ هَذَا التَّرْك يَكُون فِي آخِر الزَّمَان عِنْد قِيَام السَّاعَة , وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة الرَّاعِيَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ "" ثُمَّ يُحْشَر رَاعِيَانِ "" وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّهُمَا آخِر مَنْ يُحْشَر. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى مَالِك عَنْ اِبْن حَمَاس بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيف عَنْ عَمّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ "" لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَة عَلَى أَحْسَن مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُل الذِّئْب فَيَعْوِي عَلَى بَعْض سَوَارِي الْمَسْجِد أَوْ عَلَى الْمِنْبَر. قَالُوا : فَلِمَنْ تَكُون ثِمَارهَا ؟ قَالَ : لِلْعَوَافِي الطَّيْر وَالسِّبَاع "" أَخْرَجَهُ مَعْن بْن عِيسَى فِي "" الْمُوَطَّأ "" عَنْ مَالِك وَرَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ الثِّقَات خَارِج الْمُوَطَّإ , وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَد وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع الْأَسْلَمِيّ قَالَ "" بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ , ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِج مِنْ بَعْض طُرُق الْمَدِينَة فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَة فَقَالَ : وَيْلَ أُمّهَا قَرْيَة يَوْم يَدَعهَا أَهْلهَا كَأَيْنَع مَا يَكُون. قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَنْ يَأْكُل ثِمَارهَا ؟ قَالَ : عَافِيَة الطَّيْر وَالسِّبَاع "". وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة بِإسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَوْف بْن مَالِك قَالَ "" دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِد ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَمَا وَاللَّه لَيَدَعَنَّهَا أَهْلهَا مُذَلَّلَة أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي , أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي ؟ الطَّيْر وَالسِّبَاع "". قُلْت : وَهَذَا لَمْ يَقَع قَطْعًا. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمَدِينَة تُسْكَن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ خَلَتْ فِي بَعْض الْأَوْقَات لِقَصْدِ الرَّاعِيَيْنِ بِغَنَمِهِمَا إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله : ( وَآخِر مَنْ يُحْشَر رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة ) هَذَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون حَدِيثًا آخَر مُسْتَقِلًّا لَا تَعَلُّق لَهُ بِالَّذِي قَبْله , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ تَتِمَّة الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّب الِاخْتِلَاف الَّذِي حَكَيْته عَنْ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ , وَالثَّانِي أَظْهَر كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ. قَوْله : ( يَنْعِقَانِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا قَاف , النَّعِيق زَجْر الْغَنَم , يُقَال نَعَقَ يَنْعِق بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْحهَا نَعِيقًا وَنُعَاقًا وَنَعَقَانًا إِذَا صَاحَ بِالْغَنَمِ , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : مَعْنَاهُ يَطْلُب الْكَلَأ , وَكَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الزَّجْر لِأَنَّهُ يَزْجُرهَا عَنْ الْمَرْعَى الْوَبِيل إِلَى الْمَرْعَى الْوَسِيم. قَوْله : ( فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا ) أَوْ يَجِدَانِهَا ذَات وَحْش , أَوْ يَجِدَانِ أَهْلهَا قَدْ صَارُوا وُحُوشًا , وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْوَاو أَيْ يَجِدَانِهَا خَالِيَة وَفِي رِوَايَة مُسْلِم "" فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا "" أَيْ خَالِيَة لَيْسَ بِهَا أَحَد , وَالْوَحْش مِنْ الْأَرْض الْخَلَاء , أَوْ كَثْرَة الْوَحْش لَمَّا خَلَتْ مِنْ سُكَّانهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَات وُحُوش , قَالَ : وَقَدْ يَكُون وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوش , وَأَصْل الْوَحْش كُلّ شَيْء تَوَحَّشَ مِنْ الْحَيَوَان وَجَمْعه وُحُوش , وَقَدْ يُعَبَّر بِوَاحِدِهِ عَنْ جَمْعه. وَحُكِيَ عَنْ اِبْن الْمُرَابِط أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَم الرَّاعِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَصِير وُحُوشًا إِمَّا بِأَنْ تَنْقَلِب ذَاتهَا وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّش وَتَنْفِر مِنْهُمَا , وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي يَجِدَانِهَا يَعُود عَلَى الْغَنَم وَالظَّاهِر خِلَافه. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب الْأَوَّل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْقُدْرَة صَالِحَة لِذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث أَنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوههمَا إِذَا وَصَلَا إِلَى ثَنِيَّة الْوَدَاع , وَذَلِكَ قَبْل دُخُولهمَا الْمَدِينَة بِلَا شَكّ , فَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا وَجَدَا التَّوَحُّش الْمَذْكُور قَبْل دُخُول الْمَدِينَة فَيَقْوَى أَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى غَنَمهمَا وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَات قِيَام السَّاعَة. وَيُوَضِّح هَذَا رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة فِي "" أَخْبَار الْمَدِينَة "" مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ رَجُل مِنْ أَشْجَع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا قَالَ "" آخِر مَنْ يُحْشَر رَجُلَانِ رَجُل مِنْ مُزَيْنَة وَآخَر مِنْ جُهَيْنَة , فَيَقُولَانِ : أَيْنَ النَّاس ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَة فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِب , فَيَنْزِل إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوههمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ "". قَوْله "" وَآخِر مَنْ يُحْشَر "" فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ "" ثُمَّ يَخْرُج رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة يُرِيدَانِ الْمَدِينَة "" لَمْ يَذْكُر فِي الْحَدِيث حَشْرهمَا , وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُقَدِّمَته , لِأَنَّ الْحَشْر إِنَّمَا يَقَع بَعْد الْمَوْت , فَذِكْر سَبَب مَوْتهمَا وَالْحَشْر يَعْقُبهُ. وَقَوْله عَلَى هَذَا "" خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا "" أَيْ سَقَطَا مَيِّتَيْنِ , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا أَيْ سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا , وَهُوَ الْمَلَك كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة. وَفِي رِوَايَة لِلْعُقَيْلِيِّ "" أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَان "" , وَلَهُ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد "" أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاس فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى بَنِي فُلَان , فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة , فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا , فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيع فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاع وَالثَّعَالِب "" وَهَذَا يُوَضِّح أَحَد الِاحْتِمَالَات الْمُتَقَدِّمَة , وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ "" آخِر قَرْيَة فِي الْإِسْلَام خَرَابًا الْمَدِينَة "" , وَهُوَ يُنَاسِب كَوْن آخِر مَنْ يُحْشَر يَكُون مِنْهَا. ( تَنْبِيه ) : أَنْكَرَ اِبْن عُمَر عَلَى أَبِي هُرَيْرَة تَعْبِيره فِي هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِهِ "" خَيْر مَا كَانَتْ "" وَقَالَ : إِنَّ الصَّوَاب أَعْمَرَ مَا كَانَتْ , أَخْرَجَ ذَلِكَ عُمَر بْن شَبَّة فِي "" أَخْبَار الْمَدِينَة "" مِنْ طَرِيق مُسَاحِق بْن عَمْرو أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْد اِبْن عُمَر "" فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ لَهُ : لِمَ تَرُدّ عَلَيَّ حَدِيثِي ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْت أَنَا وَأَنْتَ فِي بَيْت حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُج مِنْهَا أَهْلهَا خَيْر مَا كَانَتْ. فَقَالَ اِبْن عُمَر : أَجَل وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ خَيْر مَا كَانَتْ , إِنَّمَا قَالَ أَعْمَرَ مَا كَانَتْ , وَلَوْ قَالَ خَيْر مَا كَانَتْ لَكَانَ ذَلِكَ وَهُوَ حَيّ وَأَصْحَابه , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : صَدَقْت وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ "". وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ يُخْرِج أَهْل الْمَدِينَة مِنْ الْمَدِينَة , وَلِعُمَر بْن شَبَّة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة "" قِيلَ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَنْ يُخْرِجهُمْ ؟ قَالَ أُمَرَاء السُّوء "".



