المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (2366)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (2366)]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي
حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَمُحَمَّد شَيْخ الْمُؤَلِّف فِيهِ لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات إِلَّا فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَة فَقَالَ : "" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَام "" وَكَذَا حَكَاهُ الْجَيَّانِيّ عَنْ رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن , وَحُكِيَ عَنْ الْحَاكِم أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ فِي الصَّحِيح أَيْضًا , وَكَلَام الطَّرْقِيّ يُشِيرُ إِلَيْهِ. قَوْله : ( لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ أَطْعِمْ رَبّك إِلَخْ ) هِيَ أَمْثِلَة , وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ دُون غَيْرهَا لِغَلَبَةِ اِسْتِعْمَالهَا فِي الْمُخَاطَبَات , وَيَجُوزُ فِي أَلِف "" اِسْقِ "" الْوَصْل وَالْقَطْع. وَفِيهِ نَهْي الْعَبْد أَنْ يَقُولَ لِسَيِّدِهِ رَبِّي , كَذَلِكَ نَهْي غَيْره فَلَا يَقُول لَهُ أَحَد رَبّك , وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسه فَإِنَّهُ قَدْ يَقُول لِعَبْدِهِ اِسْقِ رَبّك فَيَضَعُ الظَّاهِرَ مَوْضِع الضَّمِير عَلَى سَبِيل التَّعْظِيم لِنَفْسِهِ , وَالسَّبَب فِي النَّهْيِ أَنَّ حَقِيقَة الرُّبُوبِيَّة لِلَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّ الرَّبّ هُوَ الْمَالِك وَالْقَائِم بِالشَّيْءِ فَلَا تُوجَدُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : سَبَب الْمَنْع أَنَّ الْإِنْسَان مَرْبُوبٌ مُتَعَبِّدٌ بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيد لِلَّهِ وَتَرْك الْإِشْرَاك مَعَهُ , فَكَرِهَ لَهُ الْمُضَاهَاة فِي الِاسْم لِئَلَّا يَدْخُل فِي مَعْنَى الشِّرْك , وَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن الْحُرّ وَالْعَبْد , فَأَمَّا مَا لَا تَعَبُّد عَلَيْهِ مِنْ سَائِر الْحَيَوَانَات وَالْجَمَادَات فَلَا يُكْرَهُ إِطْلَاق ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة كَقَوْلِهِ رَبّ الدَّار وَرَبّ الثَّوْب , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال لِأَحَدٍ غَيْر اللَّه رَبّ , كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال لَهُ إِلَهُ ا ه. وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى إِطْلَاق الرَّبّ بِلَا إِضَافَةٍ , أَمَّا مَعَ الْإِضَافَة فَيَجُوزُ إِطْلَاقُهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ( اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) وَقَوْله : ( اِرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ) وَقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي أَشْرَاط السَّاعَة "" أَنْ تَلِدَ الْأَمَة رَبَّهَا "" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْي فِي ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى الْإِطْلَاق , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ , وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَلِبَيَانِ الْجَوَاز. وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوص بِغَيْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَرُدّ مَا فِي الْقُرْآن , أَوْ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْإِكْثَار مِنْ ذَلِكَ وَاِتِّخَاذ اِسْتِعْمَال هَذِهِ اللَّفْظَة عَادَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ذِكْرهَا فِي الْجُمْلَة. قَوْله : ( وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ ) فِيهِ جَوَاز إِطْلَاق الْعَبْد عَلَى مَالِكه سَيِّدِي , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن الرَّبّ وَالسَّيِّد لِأَنَّ الرَّبَّ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى اِتِّفَاقًا , وَاخْتُلِفَ فِي السَّيِّد , وَلَمْ يُرِد فِي الْقُرْآن أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى. فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إِذْ لَا اِلْتِبَاس وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ فَلَيْسَ فِي الشُّهْرَة وَالِاسْتِعْمَال كَلَفْظِ الرَّبّ فَيَحْصُلُ الْفَرْق بِذَلِكَ أَيْضًا , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَد وَالْمُصَنِّفُ فِي "" الْأَدَب الْمُفْرَد "" مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "" السَّيِّدُ اللَّه "" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا أَطْلَقَهُ لِأَنَّ مَرْجِعَ السِّيَادَة إِلَى مَعْنَى الرِّيَاسَة عَلَى مَنْ تَحْت يَده وَالسِّيَاسَة لَهُ وَحُسْنُ التَّدْبِير لِأَمْرِهِ , وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الزَّوْج سَيِّدًا , قَالَ : وَأَمَّا الْمَوْلَى فَكَثِير التَّصَرُّف فِي الْوُجُوهُ الْمُخْتَلِفَة مِنْ وَلِيّ وَنَاصِر وَغَيْر ذَلِكَ , وَلَكِنْ لَا يُقَالُ السَّيِّد وَلَا الْمَوْلَى عَلَى الْإِطْلَاق مِنْ غَيْر إِضَافَة إِلَّا فِي صِفَة اللَّه تَعَالَى اِنْتَهَى. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز إِطْلَاق مَوْلَايَ أَيْضًا , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث نَحْوه وَزَادَ "" وَلَا يَقُلْ أَحَدكُمْ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمْ اللَّه , وَلَكِنْ لِيَقُلْ سَيِّدِي "" فَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِم الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَش وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا , وَقَالَ عِيَاض : حَذْفُهَا أَصَحُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمَشْهُور حَذْفُهَا قَالَ : وَإِنَّمَا صِرْنَا إِلَى التَّرْجِيح لِلتَّعَارُضِ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْع وَعَدَم الْعِلْم بِالتَّارِيخِ اِنْتَهَى. وَمُقْتَضَى ظَاهِر هَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ إِطْلَاق السَّيِّد أَسْهَلُ مِنْ إِطْلَاق الْمَوْلَى , وَهُوَ خِلَاف الْمُتَعَارَف , فَإِنَّ الْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا الْأَسْفَل وَالْأَعْلَى , وَالسَّيِّد لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْأَعْلَى , فَكَانَ إِطْلَاق الْمَوْلَى أَسْهَلَ وَأَقْرَب إِلَى عَدَم الْكَرَاهَة وَاللَّه أَعْلَم. وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلَفْظِ الْمَوْلَى إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَالْمُصَنِّف فِي "" الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ "" بِلَفْظِ "" لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَلَا أَمَتِي وَلَا يَقُلْ الْمَمْلُوك رَبِّي وَرَبَّتِي , وَلَكِنْ لِيَقُلْ الْمَالِك فَتَايَ وَفَتَاتِي وَالْمَمْلُوك سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي , فَإِنَّكُمْ الْمَمْلُوكُونَ وَالرَّبُّ اللَّه تَعَالَى "" وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْإِطْلَاق كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام الْخَطَّابِيّ , وَيُؤَيِّدُ كَلَامه حَدِيث اِبْن الشِّخِّير الْمَذْكُور وَاللَّه أَعْلَم , وَعَنْ مَالِك تَخْصِيص الْكَرَاهَة بِالنِّدَاءِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ يَا سَيِّدِي وَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْر النِّدَاء. قَوْله : ( وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي ) زَادَ الْمُصَنِّف فِي "" الْأَدَب الْمُفْرَد "" وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة "" كُلُّكُمْ عَبِيد اللَّه وَكُلّ نِسَائِكُمْ إِمَاء اللَّه "" وَنَحْو مَا قَدَّمْته مِنْ رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ , فَأَرْشَدَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْعِلَّة فِي ذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا اللَّه تَعَالَى , وَلِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ اِسْتِعْمَاله لِنَفْسِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلّه رَاجِع إِلَى الْبَرَاءَة مِنْ الْكِبْر وَالْتِزَام الذُّلّ وَالْخُضُوع لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَهُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِالْمَرْبُوبِ. قَوْله : ( وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي ) زَادَ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة "" وَجَارِيَتِي "" إِلَى مَا يُؤَدِّي الْمَعْنَى مَعَ السَّلَامَة مِنْ التَّعَاظُم , لِأَنَّ لَفْظ الْفَتَى وَالْغُلَام لَيْسَ دَالًّا عَلَى مَحْض الْمِلْك كَدَلَالَةِ الْعَبْد , فَقَدْ كَثُرَ اِسْتِعْمَالُ الْفَتَى فِي الْحُرّ وَكَذَلِكَ الْغُلَام وَالْجَارِيَة , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِالنَّهْيِ مَنْ اِسْتَعْمَلَهُ عَلَى جِهَةِ التَّعَاظُمِ لَا مَنْ أَرَادَ التَّعْرِيف اِنْتَهَى. وَمَحَلّه مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّعْرِيف بِدُونِ ذَلِكَ اِسْتِعْمَالًا لِلْأَدَبِ فِي اللَّفْظ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث.



