المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3140)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3140)]
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ
قَوْلُهُ : ( بَيْنَا أَيُّوبُ ) أَصْلُ "" بَيْنَا "" بَيْنَ أُشْبِعَتْ الْفَتْحَةُ , وَيَغْتَسِلُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الْجَرِّ بِإِضَافَةِ بَيْنَ إِلَيْهِ وَالْعَامِلُ "" خَرَّ عَلَيْهِ "" أَوْ هُوَ مُقَدَّرٌ وَخَرَّ مُفَسِّرٌ لَهُ , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "" لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ "". قَوْلُهُ : ( عُرْيَانًا ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ. قَوْلُهُ : ( خَرَّ عَلَيْهِ ) أَيْ سَقَطَ عَلَيْهِ , وَقَوْلُهُ : ( رِجْلُ جَرَادٍ ) أَيْ جَمَاعَةُ جَرَادٍ , وَالْجَرَادُ اِسْمُ جَمْعٍ وَاحِدُهُ جَرَادَةٌ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ , وَحَكَى اِبْنُ سِيَدهْ أَنَّهُ يُقَالُ لِلذَّكَرِ جَرَادٌ وَلِلْأُنْثَى جَرَادَةٌ. قَوْلُهُ : ( يَحْثِي ) بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَأْخُذُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا , وَفِي رِوَايَةِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ "" يَلْتَقِطُ "". قَوْلُهُ : ( فِي ثَوْبِهِ ) فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ اِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ "" فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَنْشُرُ طَرَفَ ثَوْبِهِ فَيَأْخُذُ الْجَرَادَ فَيَجْعَلُهُ فِيهِ فَكُلَّمَا اِمْتَلَأَتْ نَاحِيَةٌ نَشَرَ نَاحِيَةً "". قَوْلُهُ : ( فَنَادَاهُ رَبُّهُ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِإِلْهَامٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. قَوْلُهُ : ( قَالَ بَلَى ) أَيْ أَغْنَيْتنِي. قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي ) بِالْقَصْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَخَبَرُ لَا قَوْلُهُ لِي أَوْ قَوْلُهُ عَنْ بَرَكَتِك , وَفِي رِوَايَةِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ "" فَقَالَ وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَتِك "" أَوْ قَالَ : "" مِنْ فَضْلِك "". وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الْحَلَالِ فِي حَقِّ مَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالشُّكْرِ عَلَيْهِ , وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَالِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَرَكَةً , وَفِيهِ فَضْلُ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْخَطَّابِيُّ جَوَازَ أَخْذِ النُّثَارِ فِي الْأَمْلَاكِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ التِّينِ فَقَالَ : هُوَ شَيْءٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ أَيُّوبَ , وَهُوَ بِخِلَافِ النُّثَارِ فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْآدَمِيِّ فَيُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ , وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أُذِنَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ , وَيُسْتَأْنَسُ فِيهِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ شَيْءٌ , فَاكْتَفَى بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِ. وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي قِصَّتِهِ مَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ "" أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اُبْتُلِيَ فَلَبِثَ فِي بَلَائِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً , فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ فَكَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا عَظِيمًا وَإِلَّا لَكُشِفَ عَنْهُ هَذَا الْبَلَاءُ , فَذَكَرَهُ الْآخَرُ لِأَيُّوبَ , يَعْنِي فَحَزِنَ وَدَعَا اللَّهَ حِينَئِذٍ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ وَأَمْسَكَتْ اِمْرَأَتُهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا فَرَغَ أَبْطَأَتْ عَلَيْهِ , فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ اُرْكُضْ بِرِجْلِك , فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا فَرَجَعَ صَحِيحًا , فَجَاءَتْ اِمْرَأَتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ , فَسَأَلْته عَنْ أَيُّوبَ فَقَالَ : إِنِّي أَنَا هُوَ , وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ : أَحَدُهُمَا : لِلْقَمْحِ وَالْآخَرُ : لِلشَّعِيرِ , فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ سَحَابَةً فَأَفْرَغَتْ فِي أَنْدَرِ الْقَمْحِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ , وَفِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْفِضَّةَ حَتَّى فَاضَ "". وَرَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ "" فَكَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ , فَجَاءَتْ اِمْرَأَتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ أَبْصَرْت الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هُنَا , فَلَعَلَّ الذِّئَابَ ذَهَبَتْ بِهِ ؟ فَقَالَ : وَيْحَك أَنَا هُوَ "" وَرَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ , وَفِي آخِرِهِ "" قَالَ فَسَجَدَ وَقَالَ : وَعِزَّتِك لَا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي فَكَشَفَ عَنْهُ "" وَعَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ "" رَدَّ اللَّهُ عَلَى اِمْرَأَتِهِ شَبَابَهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَلَدًا ذَكَرًا "" وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي "" الْمُبْتَدَأِ "" قِصَّةً مُطَوَّلَةً جِدًّا وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ كَانَ بِحُورَانَ , وَكَانَ لَهُ الْبَثْنِيَّةُ سَهْلُهَا وَجَبَلُهَا , وَلَهُ أَهْلٌ وَمَالٌ كَثِيرٌ وَوَلَدٌ , فَسُلِبَ ذَلِكَ كُلُّهُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُوَ يَصْبِرُ وَيَحْتَسِبُ , ثُمَّ اُبْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْبَلَاءِ حَتَّى أُلْقِيَ خَارِجًا مِنْ الْبَلَدِ , فَرَفَضَهُ النَّاسُ إِلَّا اِمْرَأَتَهُ , فَبَلَغَ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُ بِالْأُجْرَةِ وَتُطْعِمُهُ إِلَى أَنْ تَجَنَّبَهَا النَّاسُ خَشْيَةَ الْعَدْوَى فَبَاعَتْ إِحْدَى ضَفِيرَتِهَا مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ وَكَانَتْ طَوِيلَةً حَسَنَةً فَاشْتَرَتْ لَهُ بِهِ طَعَامًا طَيِّبًا , فَلَمَّا أَحْضَرَتْهُ لَهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ حَتَّى تُخْبِرَهُ مِنْ أَيْنَ لَهَا ذَلِكَ , فَكَشَفَتْ عَنْ رَأْسِهَا , فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ وَقَالَ حِينَئِذٍ : ( رَبِّ إِنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فَعَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى , وَرَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَوَّلُ مَنْ أَصَابَهُ الْجُدَرِيُّ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ إِبْلِيسَ أَتَى اِمْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا : إِنْ أَكَلَ أَيُّوبُ وَلَمْ يُسَمِّ عُوفِيَ فَعَرَضْت ذَلِكَ عَلَى أَيُّوبَ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةً , فَلَمَّا ) عُوفِيَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَ عُرْجُونًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً , وَقِيلَ : بَلْ قَعَدَ إِبْلِيسُ عَلَى الطَّرِيقِ فِي صُورَةِ طَبِيبٍ فَقَالَ لَهَا : إِذَا دَاوَيْته فَقَالَ أَنْتَ شَفَيْتنِي قَنَعْت بِذَلِكَ , فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَغَضِبَ وَكَانَ مَا كَانَ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ اِسْمَهَا لِيَا بِنْتُ يَعْقُوبَ , وَقِيلَ : رَحْمَةُ بِنْتُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ , وَقِيلَ : بِنْتُ إِفْرَائِيم أَوْ مِيشَا بْنِ يُوسُفَ , وَأَفَادَ اِبْنُ خَالَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهَا أُمُّ زَيْدٍ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ بَلَائِهِ فَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً كَمَا تَقَدَّمَ , وَقِيلَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَهَذَا قَوْلُ وَهْبٍ , وَقِيلَ : سَبْعُ سِنِينَ وَهُوَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ , وَقِيلَ : إِنَّ اِمْرَأَتَهُ قَالَتْ لَهُ : أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لِيُعَافِيَك فَقَالَ : قَدْ عِشْت صَحِيحًا سَبْعِينَ سَنَةً أَفَلَا أَصْبِرُ سَبْعَ سِنِينَ ؟ وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَبِثَ فِي بَلَائِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ مُدَّةَ عُمْرِهِ كَانَتْ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ أَنْ عُوفِيَ عَشْرَ سِنِينَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



