المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3222)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3222)]
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ
قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) هُوَ اِبْن يُوسُف. قَوْله : ( كَانَ رَجُل يُسْرِف عَلَى نَفْسه ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الرِّقَاق أَنَّهُ كَانَ يُسِيء الظَّنّ بِعَمَلِهِ , وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَئِر خَيْرًا , وَسَيَأْتِي نَقْل الْخِلَاف فِي تَحْرِيرهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد "" أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلكُمْ "". قَوْله : ( إِذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اِطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء , فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد "" فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْت - أَيُّ أَب كُنْت لَكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْر أَب , قَالَ : فَإِنِّي لَمْ أَعْمَل خَيْرًا قَطُّ , فَإِذَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اِسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُونِي "" بِفَتْحِ أَوَّله وَالتَّخْفِيف , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ "" ثُمَّ أَذْرُونِي "" بِزِيَادَةِ هَمْزَة مَفْتُوحَة فِي أَوَّله , فَالْأَوَّل بِمَعْنَى دَعُونِي أَيْ اُتْرُكُونِي , وَالثَّانِي مِنْ قَوْله أَذْرَتْ الرِّيح الشَّيْء إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة. قَوْله : ( فِي الرِّيح ) تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَة حُذَيْفَة مِنْ الْخِلَاف فِي هَذِهِ اللَّفْظَة , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد "" فِي يَوْم عَاصِف "" أَيْ عَاصِف رِيحه , وَفِي حَدِيث مُعَاذ عَنْ شُعْبَة عِنْد مُسْلِم "" فِي رِيح عَاصِف "" وَوَقَعَ فِي حَدِيث مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل فِي أَوَّل الْبَاب "" حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي وَامْتُحِشْت , وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة أَيْ وَصَلَ الْحَرْق الْعِظَام , وَالْمَحْش إِحْرَاق النَّار الْجِلْد. قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ "" لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي "" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يُسْتَشْكَل هَذَا فَيُقَال كَيْف يُغْفَر لَهُ وَهُوَ مُنْكِر لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَة عَلَى إِحْيَاء الْمَوْتَى ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُنْكِر الْبَعْث وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَا يُعَاد فَلَا يُعَذَّب , وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانه بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَة اللَّه. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : قَدْ يَغْلَط فِي بَعْض الصِّفَات قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ; وَرَدَّهُ اِبْن الْجَوْزِيّ وَقَالَ : جَحْده صِفَة الْقُدْرَة كُفْر اِتِّفَاقًا , وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْله "" لَئِنْ قَدَرَ اللَّه عَلَيَّ "" أَيْ ضَيَّقَ وَهِيَ قَوْله : ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقه ) أَيْ ضُيِّقَ , وَأَمَّا قَوْله "" لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ "" فَمَعْنَاهُ لَعَلِّي أَفُوتهُ , يُقَال ضَلَّ الشَّيْء إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُل قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّة جَزَعه وَخَوْفه كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الْآخَر فَقَالَ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبّك , وَيَكُون قَوْله "" لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ "" بِتَشْدِيدِ الدَّال أَيْ قَدَّرَ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبنِي لَيُعَذِّبنِي , أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ وَكَانَ فِي زَمَن الْفَتْرَة فَلَمْ تَبْلَعهُ شَرَائِط الْإِيمَان , وَأَظْهَر الْأَقْوَال أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَال دَهْشَته وَغَلَبَة الْخَوْف عَلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُول , وَلَمْ يَقُلْهُ قَاصِدًا لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ بَلْ فِي حَالَة كَانَ فِيهَا كَالْغَافِلِ وَالذَّاهِل وَالنَّاسِي الَّذِي لَا يُؤَاخَذ بِمَا يَصْدُر مِنْهُ , وَأَبْعَد الْأَقْوَال قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ فِي شَرْعهمْ جَوَاز الْمَغْفِرَة لِلْكَافِرِ. قَوْله : ( فَأَمَرَ اللَّه الْأَرْض فَقَالَ اِجْمَعِي مَا فِيك مِنْهُ فَفَعَلَتْ ) وَفِي حَدِيث سَلْمَان الْفَارِسِيّ عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه "" فَقَالَ اللَّه لَهُ كُنْ فَكَانَ كَأَسْرَع مِنْ طَرْفَة الْعَيْن "" وَهَذَا جَمِيعه كَمَا قَالَ اِبْن عَقِيل إِخْبَار عَمَّا سَيَقَعُ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضهمْ إِنَّهُ خَاطَبَ رُوحه , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِب قَوْله "" فَجَمَعَهُ اللَّه "" لِأَنَّ التَّحْرِيق وَالتَّفْرِيق إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَسَد وَهُوَ الَّذِي يُجْمَع وَيُعَاد عِنْد الْبَعْث. قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره خَشْيَتك ) الْغَيْر الْمَذْكُور هُوَ عَبْد الرَّزَّاق , كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَعْمَر بِلَفْظِ "" خَشْيَتك "" بَدَل مَخَافَتك , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِهَذَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبَى سَعِيد "" مَخَافَتك , وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة "" خَشْيَتك "". قَوْله فِي آخِر حَدِيث أَبِي سَعِيد ( فَتَلْقَاهُ رَحْمَته ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَلَافَاهُ قَالَ اِبْن التِّين : أَمَّا تَلَقَّاهُ بِالْقَافِ فَوَاضِح. لَكِنْ الْمَشْهُور تَعْدِيَته بِالْبَاءِ وَقَدْ جَاءَ هُنَا بِغَيْرِ تَعْدِيَة , وَعَلَى هَذَا فَالرَّحْمَة مَنْصُوبَة عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذِكْر الرَّحْمَة وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ , قَالَ وَأَمَّا "" تَلَافَاهُ "" بِالْفَاءِ فَلَا أَعْرِف لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يَكُون أَصْله فَتَلَفَّفَهُ أَيْ غَشَّاهُ , فَلَمَّا اِجْتَمَعَتْ ثَلَاث فَاءَات أُبْدِلَتْ الْأَخِيرَة أَلِفًا مِثْل "" دَسَّاهَا "" كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَالْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّلَقِّي. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث سَلْمَان "" مِمَّا تَلَافَاهُ عِنْدهَا أَنْ غُفِرَ لَهُ "".



