المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3296)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3296)]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا
حَدِيث عَائِشَة : قَوْله : ( بَيْن أَمْرَيْنِ ) أَيْ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا , يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله "" مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا "" لِأَنَّ أُمُور الدِّين لَا إِثْم فِيهَا , وَأَبْهَمَ فَاعِل "" خَيْر "" لِيَكُونَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون مِنْ قِبَل اللَّه أَوْ مِنْ قِبَل الْمَخْلُوقِينَ , وَقَوْله "" إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرهمَا "" أَيْ أَسْهَلَهُمَا. وَقَوْله "" مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا "" أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْأَسْهَل مُقْتَضِيًا لِلْإِثْمِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَخْتَار الْأَشَدّ. وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط "" إِلَّا اِخْتَارَ أَيْسَرهمَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ سَخَط "" وَوُقُوع التَّخْيِير بَيْن مَا فِيهِ إِثْم وَمَا لَا إِثْم فِيهِ مِنْ قِبَل الْمَخْلُوق وَاضِح , وَأَمَّا مِنْ قِبَل اللَّه فَفِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ التَّخْيِير إِنَّمَا يَكُون بَيْن جَائِزَيْنِ , لَكِنْ إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا يُفْضِي إِلَى الْإِثْم أَمْكَنَ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَيِّرهُ بَيْن أَنْ يَفْتَح عَلَيْهِ مِنْ كُنُوز الْأَرْض مَا يَخْشَى مِنْ الِاشْتِغَال بِهِ أَنْ لَا يَتَفَرَّغ لِلْعِبَادَةِ مَثَلًا وَبَيْن أَنْ لَا يُؤْتِيه مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا الْكَفَاف فَيَخْتَار الْكَفَاف وَإِنْ كَانَتْ السَّعَة أَمْهَلَ مِنْهُ , وَالْإِثْم عَلَى هَذَا أَمْر نِسْبِيّ لَا يُرَاد مِنْهُ مَعْنَى الْخَطِيئَة لِثُبُوتِ الْعِصْمَة لَهُ. قَوْله : ( وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ ) أَيْ خَاصَّة , فَلَا يَرِد أَمْره بِقَتْلِ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَعَبْد اللَّه بْن خَطَل وَغَيْرهمَا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيه لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَات اللَّه , وَقِيلَ أَرَادَتْ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِم إِذَا أُوذِيَ فِي غَيْر السَّبَب الَّذِي يُخْرِج إِلَى الْكُفْر , كَمَا عَفَا عَنْ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي جَفَا فِي رَفْع صَوْته عَلَيْهِ , وَعَنْ الْآخَر الَّذِي جَبَذَ بِرِدَائِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي كَتِفه , وَحَمَلَ الدَّاوُدِيُّ عَدَم الِانْتِقَام عَلَى مَا يَخْتَصّ بِالْمَالِ , قَالَ : وَأَمَّا الْعِرْض فَقَدْ اِقْتَصَّ مِمَّنْ نَالَ مِنْهُ , قَالَ : وَاقْتَصَّ مِمَّنْ لَدَّهُ فِي مَرَضه بَعْد نَهْيه عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَمْر بِلَدِّهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ تَأَوَّلُوا أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ عَادَة الْبَشَرِيَّة مِنْ كَرَاهَة النَّفْس لِلدَّوَاءِ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا وَأَوَّله "" مَا لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا بِذِكْرِ - أَيْ بِصَرِيحِ اِسْمه - وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يَضْرِب بِهَا فِي سَبِيل اللَّه , وَلَا سُئِلَ فِي شَيْء قَطُّ فَمَنَعَهُ إِلَّا أَنْ يَسْأَل مَأْثَمًا , وَلَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْء إِلَّا أَنْ تُنْتَهَك حُرُمَات اللَّه فَيَكُون لِلَّهِ يَنْتَقِم "" الْحَدِيث. وَهَذَا السِّيَاق سِوَى صَدْر الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ بِهِ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "" الْأَوْسَط "" مِنْ حَدِيث أَنَس وَفِيهِ "" وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَك حُرْمَة اللَّه , فَإِنْ اُنْتُهِكَتْ حُرْمَة اللَّه كَانَ أَشَدّ النَّاس غَضَبًا لِلَّهِ "" وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى تَرْك الْأَخْذ بِالشَّيْءِ الْعَسِر , وَالِاقْتِنَاع بِالْيُسْرِ , وَتَرْك الْإِلْحَاح فِيمَا لَا يُضْطَرّ إِلَيْهِ. وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ النَّدْب إِلَى الْأَخْذ بِالرُّخَصِ مَا لَمْ يَظْهَر الْخَطَأ , وَالْحَثّ عَلَى الْعَفْو إِلَّا فِي حُقُوق اللَّه تَعَالَى , وَالنَّدْب إِلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَمَحَلّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدّ مِنْهُ. وَفِيهِ تَرْك الْحُكْم لِلنَّفْسِ وَإِنْ كَانَ الْحَاكِم مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤْمَن مِنْهُ الْحَيْف عَلَى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ , لَكِنْ لِحَسْمِ الْمَادَّة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.



