المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3314)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3314)]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ
حَدِيث عَبْد اللَّه - وَهُوَ اِبْن مَسْعُود - فِي نَبْع الْمَاء أَيْضًا وَتَسْبِيح الطَّعَام. قَوْله : ( كُنَّا نَعُدّ الْآيَات ) أَيْ الْأُمُور الْخَارِقَة لِلْعَادَاتِ. قَوْله : ( بَرَكَة وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا ) الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدّ جَمِيع الْخَوَارِق تَخْوِيفًا , وَإِلَّا فَلَيْسَ جَمِيع الْخَوَارِق بَرَكَة , فَإِنَّ التَّحْقِيق يَقْتَضِي عَدّ بَعْضهَا بَرَكَة مِنْ اللَّه كَشِبَعِ الْخَلْق الْكَثِير مِنْ الطَّعَام الْقَلِيل وَبَعْضهَا بِتَخْوِيفٍ مِنْ اللَّه كَكُسُوفِ الشَّمْس وَالْقَمَر , كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "" إِنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر آيَتَانِ مِنْ آيَات اللَّه يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده "" وَكَأَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِذَلِكَ تَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا نُرْسِل بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن الْقَاسِم عَنْ إِسْرَائِيل فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث "" سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِخَسْفٍ فَقَالَ : كُنَّا أَصْحَاب مُحَمَّد نَعُدّ الْآيَات بَرَكَة , الْحَدِيث. قَوْله : ( كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر ) هَذَا السَّفَر يُشْبِه أَنْ يَكُون غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة لِثُبُوتِ نَبْع الْمَاء فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ وَقَعَ مِثْل ذَلِكَ فِي تَبُوك. ثُمَّ وَجَدْت الْبَيْهَقِيَّ فِي "" الدَّلَائِل "" جَزَمَ بِالْأَوَّلِ لَكِنْ لَمْ يُخَرِّج مَا يَصِحّ بِهِ. ثُمَّ وَجَدْت فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي "" الدَّلَائِل "" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة خَيْبَر , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ : "" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر فَأَصَابَ النَّاس عَطَش شَدِيد , فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّه اِلْتَمِسْ لِي مَاء , فَأَتَيْته بِفَضْلِ مَاء فِي إِدَاوَة "" الْحَدِيث , فَهَذَا أَوْلَى , وَدَلَّ عَلَى تَكَرُّر وُقُوع ذَلِكَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا. قَوْله : ( فَقَالَ اُطْلُبُوا فَضْلَة مِنْ مَاء فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاء قَلِيل ) وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي "" الدَّلَائِل "" مِنْ طَرِيق أَبِي الضُّحَى عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : "" دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا بِمَاءٍ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدهُ , فَأَتَاهُ بِشَنٍّ فِيهِ مَاء "" الْحَدِيث وَفِي آخِره "" فَجَعَلَ اِبْن مَسْعُود يَشْرَب وَيُكْثِر "" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس حَمَلَهُ عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ اِبْن مَسْعُود وَبِلَال أَحْضَرَ الْإِدَاوَة , فَإِنَّ الشَّنّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَبِالنُّونِ هُوَ الْإِدَاوَة الْيَابِسَة. قَوْله : ( حَيَّ عَلَى الطَّهُور الْمُبَارَك ) أَيْ هَلُمُّوا إِلَى الطَّهُور , وَهُوَ بِفَتْحِ الطَّاء , وَالْمُرَاد بِهِ الْمَاء , وَيَجُوز ضَمّهَا وَالْمُرَاد الْفِعْل أَيْ تَطَهَّرُوا. قَوْله : ( وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ ) الْبَرَكَة مُبْتَدَأ وَالْخَبَر مِنْ اللَّه , وَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْإِيجَاد مِنْ اللَّه. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَمَّار بْن زُرَيْق عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الْحَدِيث "" فَجَعَلْت أُبَادِرهُمْ إِلَى الْمَاء أُدْخِلهُ فِي جَوْفِي لِقَوْلِهِ : "" الْبَرَكَة مِنْ اللَّه "" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس "" فَبَسَطَ كَفّه فِيهِ فَنَبَعَتْ تَحْت يَده عَيْن , فَجَعَلَ اِبْن مَسْعُود يَشْرَب وَيُكْثِر "" وَالْحِكْمَة فِي طَلَبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِن فَضْلَة الْمَاء لِئَلَّا يَظُنّ أَنَّهُ الْمُوجِد لِلْمَاءِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِشَارَة إِلَى أَنَّ اللَّه أَجْرَى الْعَادَة فِي الدُّنْيَا غَالِبًا بِالتَّوَالُدِ , وَأَنَّ بَعْض الْأَشْيَاء يَقَع بَيْنهَا التَّوَالُد وَبَعْضهَا لَا يَقَع , وَمِنْ جُمْلَة ذَلِكَ مَا نُشَاهِدهُ مِنْ فَوَرَان بَعْض الْمَائِعَات إِذَا خُمِّرَتْ وَتُرِكَتْ , وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَة فِي الْمَاء الصِّرْف بِذَلِكَ , فَكَانَتْ الْمُعْجِزَة بِذَلِكَ ظَاهِرَة جِدًّا. قَوْله : ( وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَع تَسْبِيح الطَّعَام وَهُوَ يُؤْكَل ) أَيْ فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبًا , وَوَقَعَ ذَلِكَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ بُنْدَار عَنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث "" كُنَّا نَأْكُل مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّعَام وَنَحْنُ نَسْمَع تَسْبِيح الطَّعَام "" وَلَهُ شَاهِد أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "" الدَّلَائِل "" مِنْ طَرِيق قَيْس بْن أَبِي حَازِم قَالَ : "" كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء وَسَلْمَان إِذَا كَتَبَ أَحَدهمَا إِلَى الْآخَر قَالَ لَهُ : بِآيَةِ الصَّحْفَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمَا بَيْنَا هُمَا يَأْكُلَانِ فِي صَحْفَة إِذْ سَبَّحَتْ وَمَا فِيهَا "" وَذَكَرَ عِيَاض عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : "" مَرِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيل بِطَبَقٍ فِيهِ عِنَب وَرُطَب فَأَكَلَ مِنْهُ فَسَبَّحَ "". قُلْت وَقَدْ اِشْتَهَرَ تَسْبِيح الْحَصَى , فَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ قَالَ "" تَنَاوَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع حَصَيَات فَسَبَّحْنَ فِي يَده حَتَّى سَمِعْت لَهُنَّ حَنِينًا , ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَد أَبِي بَكْر فَسَبَّحْنَ , ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَد عُمَر فَسَبَّحْنَ , ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَد عُثْمَان فَسَبَّحْنَ "" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "" الْأَوْسَط "" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ "" فَسَمِعَ تَسْبِيحهنَّ مِنْ فِي الْحَلْقَة "" وَفِيهِ "" ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيْنَا فَلَمْ يُسَبِّحْنَ "" مَعَ أَحَد مِنَّا "" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "" الدَّلَائِل "" كَذَا رَوَاهُ صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر - وَلَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ - عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سُوَيْد بْن يَزِيد السُّلَمِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ , وَالْمَحْفُوظ مَا رَوَاهُ شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : "" ذَكَرَ الْوَلِيد بْن سُوَيْدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ كَانَ كَبِير السِّنّ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَبَا ذَرّ بِالرَّبَذَة ذَكَرَ لَهُ عَنْ أَبِي ذَرّ بِهَذَا "". ( فَائِدَة ) : ذَكَرَ اِبْن الْحَاجِب عَنْ بَعْض الشِّيعَة أَنَّ اِنْشِقَاق الْقَمَر وَتَسْبِيح الْحَصَى وَحَنِين الْجِذْع وَتَسْلِيم الْغَزَالَة مِمَّا نُقِلَ آحَادًا مَعَ تَوَفُّر الدَّوَاعِي عَلَى نَقْله , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَذَّب رُوَاتهَا. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ اُسْتُغْنِيَ عَنْ نَقْلهَا تَوَاتُرًا بِالْقُرْآنِ. وَأَجَابَ غَيْره بِمَنْعِ نَقْلهَا آحَادًا , وَعَلَى تَسْلِيمه فَمَجْمُوعهَا يُفِيد الْقَطْع كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل هَذَا الْفَصْل وَالَّذِي أَقُول إِنَّهَا كُلّهَا مُشْتَهِرَة عِنْد النَّاس , وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة فَلَيْسَتْ عَلَى حَدّ سَوَاء , فَإِنَّ حَنِين الْجِذْع وَانْشِقَاق الْقَمَر نُقِلَ كُلّ مِنْهُمَا نَقْلًا مُسْتَفِيضًا يُفِيد الْقَطْع عِنْد مَنْ يَطَّلِع عَلَى طُرُق ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث دُون غَيْرهمْ مِمَّنْ لَا مُمَارَسَة لَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا تَسْبِيح الْحَصَى فَلَيْسَتْ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الطَّرِيق الْوَاحِدَة مَعَ ضَعْفهَا , وَأَمَّا تَسْلِيم الْغَزَالَة فَلَمْ نَجِد لَهُ إِسْنَادًا لَا مِنْ وَجْه قَوِيّ وَلَا مِنْ وَجْه ضَعِيف , وَاَللَّه أَعْلَم.


