المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3531)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3531)]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ح حَدَّثَنِي صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ
قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) هُوَ اِبْن سَلَّام كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن السَّكَن , وَعَبْدَة هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. قَوْله : ( سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر ) هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب , وَوَقَعَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ "" عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر "" وَهُوَ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد لِتَصْرِيحِ عَبْدَة فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِسَمَاعِ عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر. : ( سَمِعْت عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ) زَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام "" بِالْكُوفَةِ "" وَاتَّفَقَ أَصْحَاب هِشَام عَلَى ذِكْر عَلِيّ فِيهِ "" , وَقَصَرَ بِهِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فَرَوَاهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم لَكِنْ بِلَفْظٍ مُغَايِر لِهَذَا اللَّفْظ , فَالظَّاهِر أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ , وَفِي الْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَنْ عَمّه. قَوْله : ( خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَم وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَة ) قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الضَّمِير عَائِد عَلَى غَيْر مَذْكُور , لَكِنَّهُ يُفَسِّرهُ الْحَال وَالْمُشَاهَدَة , يَعْنِي بِهِ الدُّنْيَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الضَّمِير الْأَوَّل يَعُود عَلَى الْأُمَّة الَّتِي كَانَتْ فِيهَا مَرْيَم وَالثَّانِي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة. قَالَ وَلِهَذَا كَرَّرَ الْكَلَام تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ حُكْم كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا غَيْر حُكْم الْأُخْرَى. قُلْت : وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَكِيع عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث "" وَأَشَارَ وَكِيع إِلَى السَّمَاء وَالْأَرْض "" فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الْمُرَاد نِسَاء الدُّنْيَا , وَأَنَّ الضَّمِيرَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى الدُّنْيَا , وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ أَيْضًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَرَادَ أَنَّهُمَا خَيْر مِنْ تَحْت السَّمَاء وَفَوْق الْأَرْض مِنْ النِّسَاء , قَالَ : وَلَا يَسْتَقِيم أَنْ يَكُون تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ نِسَائِهَا لِأَنَّ هَذَا الضَّمِير لَا يَصْلُح أَنْ يَعُود إِلَى السَّمَاء , كَذَا قَالَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ الضَّمِير الْأَوَّل يَرْجِع إِلَى السَّمَاء وَالثَّانِي إِلَى الْأَرْض إِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ فِي حَيَاة خَدِيجَة وَتَكُون النُّكْتَة فِي ذَلِكَ أَنَّ مَرْيَم مَاتَتْ فَعُرِجَ بِرُوحِهَا إِلَى السَّمَاء , فَلَمَّا ذَكَرَهَا أَشَارَ إِلَى السَّمَاء , وَكَانَتْ خَدِيجَة إِذْ ذَاكَ فِي الْحَيَاة فَكَانَتْ فِي الْأَرْض فَلَمَّا ذَكَرَهَا أَشَارَ إِلَى الْأَرْض , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون بَعْد مَوْت خَدِيجَة فَالْمُرَاد أَنَّهُمَا خَيْر مَنْ صَعِدَ بِرُوحِهِنَّ إِلَى السَّمَاء وَخَيْر مَنْ دُفِنَ جَسَدهنَّ فِي الْأَرْض , وَتَكُون الْإِشَارَة عِنْد ذِكْر كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ قَوْله "" خَيْر نِسَائِهَا "" خَبَر مُقَدَّم وَالضَّمِير لِمَرْيَم فَكَأَنَّهُ قَالَ مَرْيَم خَيْر نِسَائِهَا أَيْ نِسَاء زَمَانهَا , وَكَذَا فِي خَدِيجَة. وَقَدْ جَزَمَ كَثِير مِنْ الشُّرَّاح أَنَّ الْمُرَاد نِسَاء زَمَانهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي قِصَّة مُوسَى وَذِكْر آسِيَة مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ "" كَمُلَ مِنْ الرِّجَال كَثِير وَلَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَرْيَم وَآسِيَة "" فَقَدْ أَثْبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث الْكَمَال لِآسِيَةَ كَمَا أَثْبَته لِمَرْيَم , فَامْتَنَعَ حَمْل الْخَيْرِيَّة فِي حَدِيث الْبَاب عَلَى الْإِطْلَاق , وَجَاءَ مَا يُفَسِّر الْمُرَاد صَرِيحًا , فَرَوَى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر رَفَعَهُ "" لَقَدْ فُضِّلَتْ خَدِيجَة عَلَى نِسَاء أُمَّتِي كَمَا فُضِّلَتْ مَرْيَم عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ "" وَهُوَ حَدِيث حَسَن الْإِسْنَاد , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ خَدِيجَة أَفْضَل مِنْ عَائِشَة. قَالَ اِبْن التِّين : وَيَحْتَمِل أَنْ لَا تَكُون عَائِشَة دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَ لَهَا عِنْد مَوْت خَدِيجَة ثَلَاث سِنِينَ , فَلَعَلَّ الْمُرَاد النِّسَاء الْبَوَالِغ. كَذَا قَالَ , وَهُوَ ضَعِيف , فَإِنَّ الْمُرَاد بِلَفْظِ النِّسَاء أَعَمّ مِنْ الْبَوَالِغ , وَمَنْ لَمْ تَبْلُغ أَعَمّ مِمَّنْ كَانَتْ مَوْجُودَة وَمِمَّنْ سَتُوجَدُ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا "" أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَمَرْيَم وَآسِيَة "" وَهَذَا نَصَّ صَرِيح لَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمْ يَثْبُت فِي حَقّ وَاحِدَة مِنْ الْأَرْبَع أَنَّهَا نَبِيَّة إِلَّا مَرْيَم. وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ "" سَيِّدَة نِسَاء الْعَالَمِينَ مَرْيَم ثُمَّ فَاطِمَة ثُمَّ خَدِيجَة ثُمَّ آسِيَة "" قَالَ : وَهَذَا حَدِيث حَسَن يَرْفَع الْإِشْكَال , قَالَ : وَمَنْ قَالَ إِنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره بِأَنَّ "" مِنْ "" وَإِنْ لَمْ تُذْكَر فِي الْخَبَر فَهِيَ مُرَادَة. قُلْت الْحَدِيث الثَّانِي الدَّالّ عَلَى التَّرْتِيب لَيْسَ بِثَابِتٍ , وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِم بِغَيْرِ صِيغَة تَرْتِيب , وَقَدْ يَتَمَسَّك بِحَدِيثِ الْبَاب مَنْ يَقُول إِنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ لِتَسْوِيَتِهَا فِي حَدِيث الْبَاب بِخَدِيجَة , وَلَيْسَتْ خَدِيجَة بِنَبِيَّةٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ التَّسْوِيَة فِي الْخَيْرِيَّة التَّسْوِيَة فِي جَمِيع الصِّفَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا قِيلَ فِي مَرْيَم فِي تَرْجَمَتهَا مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَاللَّهُ أَعْلَمُ.



