المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3599)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3599)]
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ } قَالَ هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ { وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ } قَالَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) هُوَ اِبْن دِينَار. قَوْله : ( فِي قَوْله ) أَيْ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إِلَّا فِتْنَة لِلنَّاسِ ) قَالَ : هِيَ رُؤْيَا أَعْيُن أُرِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ ) قُلْت : وَإِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي بَاب الْمِعْرَاج مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الْمُصَنِّف يَرَى اِتِّحَاد لَيْلَة الْإِسْرَاء وَالْمِعْرَاج , بِخِلَافِ مَا فُهِمَ عَنْهُ مِنْ إِفْرَاد التَّرْجَمَتَيْنِ , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ تَرْجَمَته فِي أَوَّل الصَّلَاة تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : "" فُرِضَتْ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْإِسْرَاء "" وَقَدْ تَمَسّك بِكَلَامِ اِبْن عَبَّاس هَذَا مَنْ قَالَ الْإِسْرَاء كَانَ فِي الْمَنَام وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ فِي الْيَقَظَة , فَالْأَوَّل أُخِذَ مِنْ لَفْظ الرُّؤْيَا قَالَ : لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظ مُخْتَصّ بِرُؤْيَا الْمَنَام , وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي فَمِنْ قَوْله أُرِيهَا لَيْلَة الْإِسْرَاء , وَالْإِسْرَاء إِنَّمَا كَانَ فِي الْيَقَظَة , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنَامًا مَا كَذَّبَهُ الْكُفَّار فِيهِ وَلَا فِيمَا هُوَ أَبْعَد مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَة وَكَانَ الْمِعْرَاج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة تَعَيَّنَ أَنْ يَكُون فِي الْيَقَظَة أَيْضًا إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَد إِنَّهُ نَامَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ وَهُوَ نَائِم , وَإِذَا كَانَ فِي الْيَقَظَة فَإِضَافَة الرُّؤْيَا إِلَى الْعَيْن لِلِاحْتِرَازِ عَنْ رُؤْيَا الْقَلْب , وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّه تَعَالَى رُؤْيَا الْقَلْب فِي الْقُرْآن فَقَالَ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى ) وَرُؤْيَا الْعَيْن فَقَالَ : ( مَا زَاغَ الْبَصَر وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : "" رَأَى مُحَمَّد رَبّه مَرَّتَيْنِ "" وَمِنْ وَجْه آخَر قَالَ : "" نَظَرَ مُحَمَّد إِلَى رَبّه "" جَعَلَ الْكَلَام لِمُوسَى وَالْخُلَّة لِإِبْرَاهِيم وَالنَّظَر لِمُحَمَّدِ , فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ مُرَاد اِبْن عَبَّاس هُنَا بِرُؤْيَةِ الْعَيْن الْمَذْكُورَة جَمِيع مَا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا , وَفِي ذَلِكَ رَدّ لِمَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالرُّؤْيَا فِي هَذِهِ الْآيَة رُؤْيَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِد الْحَرَام الْمُشَار إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ , لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام ) قَالَ الْقَائِل : وَالْمُرَاد بِقَوْله : ( فِتْنَة لِلنَّاسِ ) مَا وَقَعَ مِنْ صَدّ الْمُشْرِكِينَ لَهُ فِي الْحُدَيْبِيَة عَنْ دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام اِنْتَهَى. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُمْكِن أَنْ يَكُون مُرَاد الْآيَة لَكِنْ الِاعْتِمَاد فِي تَفْسِيرهَا عَلَى تُرْجَمَانِ الْقُرْآن أَوْلَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ السَّلَف هَلْ رَأَى رَبّه فِي مِلْك اللَّيْلَة أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ , وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَطَائِفَة , وَأَثْبَتَهَا اِبْن عَبَّاس وَطَائِفَة. وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم مِنْ كِتَاب التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( وَالشَّجَرَة الْمَلْعُونَة فِي الْقُرْآن , قَالَ : هِيَ شَجَرَة الزَّقُّوم ) يُرِيد تَفْسِير الشَّجَرَة الْمَذْكُورَة فِي بَقِيَّة الْآيَةِ , وَقَدْ قِيلَ فِيهَا غَيْر ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.



