المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3659)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3659)]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ }
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاء. قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة فَإِنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَحْضُر ذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ عُمَر أَوْ عَنْ أَبِي بَكْر , فَفِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي زُمَيْل بِالزَّايِ مُصَغَّر وَاسْمه سِمَاك بْن الْوَلِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : "" حَدَّثَنِي عُمَر : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَةِ وَتِسْعَة عَشَر , فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة ثُمَّ مَدّ يَدَيْهِ , فَلَمْ يَزَلْ يَهْتِف بِرَبِّهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ "" الْحَدِيث , وَعَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة قَالَ : "" لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَتَكَاثُرهمْ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَقَلَّهُمْ , فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَقَامَ أَبُو بَكْر عَنْ يَمِينه , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي صَلَاته : اللَّهُمَّ لَا تُودِع مِنِّي , اللَّهُمَّ لَا تَخْذُلنِي , اللَّهُمَّ لَا تَتِرنِي , اللَّهُمَّ أَنْشُدك مَا وَعَدَّتْنِي "" , وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "" اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْش قَدْ أَتَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرهَا تُجَادِل وَتُكَذِّب رَسُولك , اللَّهُمَّ فَنَصْرك الَّذِي وَعَدَّتْنِي "". قَوْله : ( يَوْم بَدْر ) زَادَ فِي رِوَايَة وُهَيْب الْآتِيَة فِي التَّفْسِير عَنْ خَالِد "" وَهُوَ فِي قُبَّة "" وَالْمُرَاد بِهَا الْعَرِيش الَّذِي اِتَّخَذَهُ الصَّحَابَة لِجُلُوسِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ. قَوْله : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدك ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون النُّون وَالْمُعْجَمَة وَضَمّ الدَّال , أَيْ أَطْلُب مِنْك. وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : "" مَا سَمِعْنَا مُنَاشِدًا يَنْشُد ضَالَّة أَشَدّ مُنَاشَدَة مِنْ مُحَمَّد لِرَبِّهِ يَوْم بَدْر : "" اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدك مَا وَعَدَّتْنِي "" قَالَ السُّهَيْلِيّ : سَبَب شِدَّة اِجْتِهَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَبه فِي الدُّعَاء لِأَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَة تَنْصَبُّ فِي الْقِتَال , وَالْأَنْصَار يَخُوضُونَ غِمَار الْمَوْت , وَالْجِهَاد تَارَة يَكُون بِالسِّلَاحِ وَتَارَة بِالدُّعَاءِ , وَمِنْ السُّنَّة أَنْ يَكُون الْإِمَام وَرَاء الْجَيْش لِأَنَّهُ لَا يُقَاتِل مَعَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ لِيُرِيحَ نَفْسه , فَتَشَاغَلَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الدُّعَاء. قَوْله : ( اللَّهُمَّ إِنْ شِئْت لَمْ تُعْبَد ) فِي حَدِيث عُمَر "" اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِك هَذِهِ الْعِصَابَة مِنْ أَهْل الْإِسْلَام لَا تُعْبَد فِي الْأَرْض "". أَمَّا "" تَهْلِك "" فَبِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر اللَّام , وَ "" الْعِصَابَة "" بِالرَّفْعِ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ خَاتَم النَّبِيِّينَ فَلَوْ هَلَكَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُبْعَث أَحَد مِمَّنْ يَدْعُو إِلَى الْإِيمَان , وَلَاسْتَمَرَّ الْمُشْرِكُونَ يُعِيدُونَ غَيْر اللَّه , فَالْمَعْنَى لَا يُعْبَد فِي الْأَرْض بِهَذِهِ الشَّرِيعَة. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا الْكَلَام أَيْضًا يَوْم أُحُد , وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ : "" قَاتَلْت يَوْم بَدْر شَيْئًا مِنْ قِتَال , ثُمَّ جِئْت فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي سُجُوده : يَا حَيّ يَا قَيُّوم , فَرَجَعْت فَقَاتَلْت , ثُمَّ جِئْت فَوَجَدْته كَذَلِكَ "". قَوْله : ( فَأَخَذَ أَبُو بَكْر بِيَدِهِ فَقَالَ : حَسْبك ) زَادَ فِي رِوَايَة وُهَيْب عَنْ خَالِد كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير "" قَدْ أَلْحَحْت عَلَى رَبّك "" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُثْمَان عَنْ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَبِيهِ , زَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة "" فَأَتَاهُ أَبُو بَكْر فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ , ثُمَّ اِلْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه كَفَاك مُنَاشَدَتك رَبّك , فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعَدَك. فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) الْآيَة , فَأَمَدَّهُ اللَّه بِالْمَلَائِكَةِ "" ا ه. وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم "" كَذَاك "" وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِمَعْنَى كَفَاك , قَالَ قَاسِم بْن ثَابِت "" كَذَاك "" يُرَاد بِهَا الْإِغْرَاء وَالْأَمْر بِالْكَفِّ عَنْ الْفِعْل وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : كَذَاك الْقَوْل إِنَّ عَلَيْك عَيْبًا أَيْ حَسْبك مِنْ الْقَوْل فَاتْرُكْهُ ا ه وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ تَصْحِيف وَأَنَّ الْأَصْل كَفَاك. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا يَجُوز أَنْ يَتَوَهَّم أَحَد أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ أَوْثَق بِرَبِّهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَال ; بَلْ الْحَامِل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ شَفَقَته عَلَى أَصْحَابه وَتَقْوِيَة قُلُوبهمْ , لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَشْهَد شَهِدَهُ , فَبَالَغَ فِي التَّوَجُّه وَالدُّعَاء وَالِابْتِهَال لِتَسْكُنَ نُفُوسهمْ عِنْد ذَلِكَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَسِيلَته مُسْتَجَابَة , فَلَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْر مَا قَالَ كَفّ عَنْ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُ اُسْتُجِيبَ لَهُ لَمَّا وَجَدَ أَبُو بَكْر فِي نَفْسه مِنْ الْقُوَّة وَالطُّمَأْنِينَة , فَلِهَذَا عَقَّبَ بِقَوْلِهِ. "" سَيُهْزَمُ الْجَمْع "" اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ غَيْره : وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَة فِي مَقَام الْخَوْف , وَهُوَ أَكْمَل حَالَات الصَّلَاة , وَجَازَ عِنْده أَنْ لَا يَقَع النَّصْر يَوْمئِذٍ لِأَنَّ وَعْده بِالنَّصْرِ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لِتَلِك الْوَاقِعَة , وَإِنَّمَا كَانَ مُجْمَلًا. هَذَا الَّذِي يَظْهَر , وَزَلَّ مَنْ لَا عِلْم عِنْده مِمَّنْ يُنْسَب إِلَى الصُّوفِيَّة فِي هَذَا الْمَوْضِع زَلَلًا شَدِيدًا فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيُّ أَشَارَ إِلَيْهِ. قَوْله : ( فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُول : سَيُهْزَمُ الْجَمْع وَيُوَلُّونَ الدُّبُر ) وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس "" لَمَّا نَزَلَتْ ( سَيُهْزَمُ الْجَمْع وَيُوَلُّونَ الدُّبُر ) قَالَ عُمَر : أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ ؟ قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَثِب فِي الدُّرُوع وَيَقُول : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْع ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ عُمَر "" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ "" ؟ فَذَكَرَ نَحْوه , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد مَا قَدَّمْته أَنَّ اِبْن عَبَّاس حَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عُمَر , وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِير عَنْ عَائِشَة "" نَزَلَتْ بِمَكَّة وَأَنَا جَارِيَة أَلْعَب : ( بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ) الْآيَة "".



