المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3930)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (3930)]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ تَعْنِي مِنْ شَقِّ الْبَابِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ قَالَ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ قَالَ فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ قَالَ فَأَمَرَ أَيْضًا فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَنَاءِ
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ. قَوْله : ( لَمَّا جَاءَ قَتْلُ اِبْنِ رَوَاحَةَ ) يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَجِيء الْخَبَر عَلَى لِسَانِ الْقَاصِدِ الَّذِي حَضَرَ مِنْ عِنْدِ الْجَيْشِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد مَجِيء الْخَبَرِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْله : ( جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُقَدِّمِيّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي الْمَسْجِدِ. قَوْله : ( يُعْرَف فِيهِ الْحُزْن ) أَيْ لِمَا جَعَلَ اللَّه فِيهِ مِنْ الرَّحْمَةِ , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ ظُهُورَ الْحُزْنِ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا أُصِيب بِمُصِيبَةٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ صَابِرًا رَاضِيًا إِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا , بَلْ قَدْ يُقَالُ إِنْ مَنْ كَانَ يَنْزَعِجُ بِالْمُصِيبَةِ وَيُعَالِجُ نَفْسَهُ عَلَى الرِّضَا وَالصَّبْرِ أَرْفَع رُتْبَة مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْمُصِيبَةِ أَصْلًا , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ. قَوْله : ( وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ , تَعْنِي مِنْ شِقِّ الْبَابِ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ "" مِنْ صَائِرِ الْبَابِ بِشِقِّ الْبَابِ "" وَلِلنَّسَفِيّ "" شِقّ "" بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ وَالْأَوَّل أَصْوَبُ هُنَا , وَشِقّ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا , يُقَال بِالْفَتْحِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنْظَرُ مِنْهُ كَالْكَوَّةِ , وَبِالْكَسْرِ النَّاحِيَةِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ "" مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شِقّ الْبَابِ "" إِدْرَاجًا , وَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ. وَذَكَرَ اِبْن التِّين وَغَيْره أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ "" صَائِر "" تَغْيِير وَالصَّوَاب "" صِيرِ "" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ , قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الصِّيرُ شِقُّ الْبَابِ , وَفِي الْحَدِيثِ "" مَنْ نَظَرَ مِنْ صِيرِ بَابٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهِيَ هَدَرٌ "" قَالَ أَبُو عُبَيْد : لَمْ أَسْمَع هَذَا الْحَرْفَ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قَوْله : ( فَأَتَاهُ رَجُل ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ. قَوْله : ( إِنَّ نِسَاء جَعْفَر ) يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد زَوْجَاته , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد مَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ مِنْ النِّسَاء فِي الْجُمْلَة , وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد لِأَنَّا لَا نَعْرِف لِجَعْفَرٍ زَوْجَة غَيْر أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ. قَوْله : ( فَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ "" وَذَكَرَ "" بِوَاوٍ. قَوْله : ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ ) كَذَا رَأَيْت فِي أَصْلِ أَبِي ذَرّ , فَإِنْ كَانَ مَضْبُوطًا فَفِيهِ حَذْف تَقْدِيرُهُ فَنَهَاهُنَّ , وَأَظُنّهُ مُحَرَّفًا فَإِنَّ الَّذِي فِي سَائِر الرِّوَايَات "" فَأَمَرَهُ أَنَّ يَنْهَاهُنَّ "" وَهُوَ الْوَجْه , وَكَذَا وَقَعَ فِي الْجَنَائِزِ : قَوْله : ( وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَنهُ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ "" وَذَكَر أَنَّهُنَّ "" وَهُوَ أَوْجَهُ. قَوْله : ( لَقَدْ غَلَبْنَنَا ) أَيْ فِي عَدَمِ الِامْتِثَالِ لِقَوْلِهِ , وَذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح لَهُنَّ بِنَهْيِ الشَّارِع عَنْ ذَلِكَ فَحَمَلْنَ أَمْرَهُ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِنَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ , أَوْ حَمَلْنَ الْأَمْر عَلَى التَّنْزِيهِ فَتَمَادَيْنَ عَلَى مَا هُنَّ فِيهِ , أَوْ لِأَنَّهُنَّ لِشِدَّةِ الْمُصِيبَةِ لَمْ يَقْدِرْنَ عَلَى تَرْكِ الْبُكَاءِ. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَحْضِ الْبُكَاءِ كَالنَّوحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَلِذَلِكَ أَمَرَ الرَّجُل بِتَكْرَارِ النَّهْي. وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضهمْ مِنْ جِهَة أَنَّ الصَّحَابِيَّاتِ لَا يَتَمَادَيْنَ بَعْد تَكْرَار النَّهْي عَلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ , وَلَعَلَّهُنَّ تَرَكْنَ النَّوْحَ وَلَمْ يَتْرُكْنَ الْبُكَاءَ , وَكَانَ غَرَضُ الرَّجُلِ حَسْمَ الْمَادَّةِ وَلَمْ يَطْعَنهُ , لَكِنْ قَوْله : "" فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ "" يَدُلّ عَلَى أَنَّهُنَّ تَمَادَيْنَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَمْنُوعِ , وَيَجُوز فِي الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنْ قَوْلِهِ : "" فَاحْثُ "" الضَّمُّ وَالْكَسْرُ لِأَنَّهُ يُقَالُ حَثَى يَحْثُو وَيُحْثَى. قَوْله : ( مِنْ الْعَنَاءِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ وَالْمَدِّ هُوَ التَّعَبُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَذَرِيّ عِنْدَ مُسْلِمٍ "" مِنْ الْغَيّ "" بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِثْله لَكِنْ بِعَيْن مُهْمَلَة وَمُرَاد عَائِشَة أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ , فَإِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ فَقَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ وَمَنْ يُخَاطِبُهُ فِي شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ وَلَعَلَّ الرَّجُلَ لَمْ يَفْهَم مِنْ الْأَمْرِ الْمُحَتَّمِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ لِلرَّجُلِ بِذَلِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ , لَكِنَّ تَقْدِيرَهُ إِنْ أَمْكَنَك فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْكِنُهُنَّ إِنْ فَعَلْته وَأَمْكَنَك , وَإِلَّا فَالْمُلَاطَفَةُ أَوْلَى. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُعَاقَبَة مَنْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ فَتَمَادَى عَلَيْهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ , وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى كَلَام عَائِشَة إِنَّك قَاصِر عَنْ الْقِيَامِ بِمَا أَمَرْت بِهِ مِنْ الْإِنْكَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُخْبِرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُصُورِك عَنْ ذَلِكَ لِيُرْسِلَ غَيْرك وَتَسْتَرِيح أَنْتَ مِنْ الْعَنَاء. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي آخِرِهِ "" قَالَتْ عَائِشَة : وَعَرَفْت أَنَّهُ لَا يَقْدِر أَنْ يَحْثِيَ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. قَالَتْ : وَرُبَّمَا ضَرَّ التَّكَلُّفُ أَهْلَهُ "" وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ الْفَوَائِدِ بَيَانُ مَا هُوَ الْأَوْلَى بِالْمُصَابِ مِنْ الْهَيْئَاتِ , وَمَشْرُوعِيَّةُ الِانْتِصَابِ لِلْعَزَاءِ عَلَى هَيْئَتِهِ , وَمُلَازَمَةُ الْوَقَارِ وَالتَّثَبُّتِ. وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ مَنْ شَأْنه الِاحْتِجَاب مِنْ شَقِّ الْبَابِ , وَأَمَّا عَكْسه فَمَمْنُوع. وَفِيهِ إِطْلَاق الدُّعَاء بِلَفْظِ لَا يَقْصِد الدَّاعِي إِيقَاعه بِالْمَدْعُوِّ بِهِ , لِأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ "" أَرْغَمَ اللَّه أَنْفك "" أَيْ أَلْصَقَهُ بِالتُّرَابِ. وَلَمْ تُرِدْ حَقِيقَةَ هَذَا , وَإِنَّمَا جَرَتْ عَادَة الْعَرَب بِإِطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي مَوْضِع الشَّمَاتَة بِمِنْ يُقَال لَهُ , وَوَجْه الْمُنَاسَبَة فِي قَوْله : "" اُحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ "" دُون أَعْيُنِهِنَّ مَعَ أَنَّ الْأَعْيُنَ مَحَلُّ الْبُكَاءِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ النَّهْي لَمْ يَقَع عَنْ مُجَرَّدِ الْبُكَاءِ , بَلْ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِنْ صِيَاحٍ أَوْ نِيَاحَةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



