المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (4394)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (4394)]
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ وَعَنْ { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } قَالَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ
قَوْله : ( عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) فَسَأَلْته فَقَالَ : لَمْ يَنْسَخهَا شَيْء , وَعَنْ ( وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر ) قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَهْل الشِّرْك ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسِيَاق مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه أَتَمّ , وَأَتَمّ مِنْهُمَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَبْعَث مِنْ رِوَايَة جَرِير بِلَفْظِ "" هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا أَمَرَهُمَا ؟ الَّتِي فِي سُورَة الْفُرْقَان ( وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر ) وَاَلَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ الَّتِي فِي سُورَة الْفُرْقَان قَالَ مُشْرِكُوا مَكَّة : قَدْ قَتَلْنَا النَّفْس وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِش , قَالَ : فَنَزَلَتْ ( إِلَّا مَنْ تَابَ ) الْآيَة , قَالَ : فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ , قَالَ : وَأَمَّا الَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء فَهُوَ الَّذِي قَدْ عَرَفَ الْإِسْلَام ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم لَا تَوْبَة لَهُ , قَالَ. فَذَكَرْت ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ : إِلَّا مَنْ نَدِمَ "" وَحَاصِل مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ تَارَة يَجْعَل الْآيَتَيْنِ فِي مَحَلّ وَاحِد فَلِذَلِكَ يَجْزِم بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا , وَتَارَةً يَجْعَل مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا. وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِأَنَّ عُمُوم الَّتِي فِي الْفُرْقَان خَصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةَ الْمُؤْمِن الْقَتْل مُتَعَمِّدًا , وَكَثِير مِنْ السَّلَف يُطْلِقُونَ النَّسْخ عَلَى التَّخْصِيص , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل كَلَامه عَلَى التَّنَاقُض , وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَوْل اِبْن عَبَّاس بِأَنَّ الْمُؤْمِن إِذَا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَة لَهُ مَشْهُور عَنْهُ , وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَح مِمَّا تَقَدَّمَ : فَرَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْجَابِر وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَمَّار الذَّهَبِيّ كِلَاهُمَا عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد قَالَ : "" كُنْت عِنْدَ اِبْن عَبَّاس بَعْدَمَا كُفَّ بَصَره , فَأَتَاهُ رَجُل فَقَالَ : مَا تَرَى فِي رَجُل قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ؟ قَالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا , وَسَاقَ الْآيَة إِلَى ( عَظِيمًا ) قَالَ : لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِر مَا نَزَلَ , وَمَا نَسَخَهَا شَيْء حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا نَزَلَ وَحْي بَعْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ : أَفَرَأَيْت إِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ثُمَّ اِهْتَدَى ؟ قَالَ : وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَة وَالْهُدَى "" لَفْظ يَحْيَى الْجَابِر , وَالْآخَر نَحْوه. وَجَاءَ عَلَى وَفْق مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ أَحَادِيث كَثِيرَة : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ عَنْ مُعَاوِيَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : "" كُلّ ذَنْب عَسَى اللَّه أَنْ يَغْفِرَهُ ; إِلَّا الرَّجُل يَمُوت كَافِرًا , وَالرَّجُل يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا "" وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُور السَّلَف وَجَمِيع أَهْل السُّنَّة مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظ , وَصَحَّحُوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ , وَقَالُوا : مَعْنَى قَوْله : ( فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم ) أَيْ إِنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء أَيْضًا : ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ) وَمِنْ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ حَدِيث الْإِسْرَائِيلِيّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ أَتَى تَمَام الْمِائَة فَقَالَ لَهُ : لَا تَوْبَةَ , فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ جَاءَ آخَر فَقَالَ : "" وَمَنْ يَحُول بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَة "" الْحَدِيث , وَهُوَ مَشْهُور , وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاق وَاضِحًا. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة فَمِثْله لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الْأَثْقَال الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ.



