موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (4859)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (4859)]

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ الْخِيَرَةِ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفَكَانَ طَلَاقًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَسْرُوقٌ ‏ ‏لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي ‏


‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ أَبِي خَالِدٍ. ‏ ‏قَوْله ( سَأَلْت عَائِشَة عَنْ الْخِيَرَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة بِمَعْنَى الْخِيَار. ‏ ‏قَوْله ( أَفَكَانَ طَلَاقًا ؟ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ , وَلِأَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ إِسْمَاعِيل "" فَهَلْ كَانَ طَلَاقًا ؟ "" وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مَسْرُوق : لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتهَا وَاحِدَة أَوْ مِائَة بَعْد أَنْ تَخْتَارنِي ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ إِسْمَاعِيل فَقَدَّمَ كَلَام مَسْرُوق الْمَذْكُور وَلَفْظه عَنْ مَسْرُوق "" قَالَ مَا أُبَالِي "" فَذَكَرَ مِثْله وَزَادَ "" أَوْ أَلْفًا , وَلَقَدْ سَأَلْت عَائِشَة "" فَذَكَرَ حَدِيثهَا , وَبِقَوْلِ عَائِشَة الْمَذْكُور يَقُول جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاء الْأَمْصَار , وَهُوَ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَته فَاخْتَارَتْهُ لَا يَقَع عَلَيْهِ بِذَلِكَ طَلَاقٌ , لَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا هَلْ يَقَع طَلْقَة وَاحِدَة رَجْعِيَّة أَوْ بَائِنًا أَوْ يَقَع ثَلَاثًا ؟ وَحَكَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة , وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة , وَعَنْ زَيْد بْن ثَابِت : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَثَلَاث وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة , وَعَنْ عُمَر وَابْن مَسْعُود : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة , وَعَنْهُمَا رَجْعِيَّة , وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَلَا شَيْء. وَيُؤَيِّد قَوْل الْجُمْهُور مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ التَّخْيِير تَرْدِيد بَيْن شَيْئَيْنِ , فَلَوْ كَانَ اِخْتِيَارهَا لِزَوْجِهَا طَلَاقًا لَاتَّحَدَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اِخْتِيَارهَا لِنَفْسِهَا بِمَعْنَى الْفِرَاق وَاخْتِيَارهَا لِزَوْجِهَا بِمَعْنَى الْبَقَاء فِي الْعِصْمَة , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق زَاذَانَ قَالَ "" كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عَلِيّ فَسُئِلَ عَنْ الْخِيَار فَقَالَ : سَأَلَنِي عَنْهُ عُمَر فَقُلْت : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِن , وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة , قَالَ : لَيْسَ كَمَا قُلْت , إِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَلَا شَيْء , قَالَ : فَلَمْ أَجِد بُدًّا مِنْ مُتَابَعَته , فَلَمَّا وُلِّيت رَجَعْت إِلَى مَا كُنْت أَعْرِف , قَالَ عَلِيّ : وَأَرْسَلَ عُمَر إِلَى زَيْد بْن ثَابِت فَقَالَ "" فَذَكَرَ مِثْل مَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيّ , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طُرُق عَنْ عَلِيّ نَظِير مَا حَكَاهُ عَنْهُ زَاذَانَ مِنْ اِخْتِيَاره , وَأَخَذَ مَالِك بِقَوْلِ زَيْد بْن ثَابِت وَاحْتَجَّ بَعْض أَتْبَاعه لِكَوْنِهَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا يَقَع ثَلَاثًا بِأَنَّ مَعْنَى الْخِيَار بَتُّ أَحَد الْأَمْرَيْنِ : إِمَّا الْأَخْذ , وَإِمَّا التَّرْك , فَلَوْ قُلْنَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا تَكُون طَلْقَة رَجْعِيَّة لَمْ يُعْمَل بِمُقْتَضَى اللَّفْظ لِأَنَّهَا تَكُون بَعْدُ فِي أَسْر الزَّوْج وَتَكُون كَمَنْ خُيِّرَ بَيْن شَيْئَيْنِ فَاخْتَارَ غَيْرهمَا , وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَة بِقَوْلِ عُمَر وَابْن مَسْعُود فِيمَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِيرَادُ السَّابِقُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : التَّخْيِير كِنَايَة , فَإِذَا خَيَّرَ الزَّوْج اِمْرَأَته وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَخْيِيرهَا بَيْن أَنْ تَطْلُق مِنْهُ وَبَيْن أَنْ تَسْتَمِرّ فِي عِصْمَته فَاخْتَارَتْ نَفْسهَا وَأَرَادَتْ بِذَلِكَ الطَّلَاق طَلُقَتْ , فَلَوْ قَالَتْ : لَمْ أُرِدْ بِاخْتِيَارِ نَفْسِي الطَّلَاق صُدِّقَتْ , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي التَّخْيِير بِالتَّطْلِيقِ أَنَّ الطَّلَاق يَقَع جَزْمًا , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا حَافِظُ الْوَقْتِ أَبُو الْفَضْل الْعِرَاقِيُّ فِي "" شَرْح التِّرْمِذِيّ "" وَنَبَّهَ صَاحِبُ. "" الْهِدَايَة "" مِنْ الْحَنَفِيَّة عَلَى اِشْتِرَاط ذِكْر النَّفْس فِي التَّخْيِير , فَلَوْ قَالَ مَثَلًا اِخْتَارِي فَقَالَتْ اِخْتَرْت لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرًا بَيْن الطَّلَاق وَعَدَمه وَهُوَ ظَاهِر , لَكِنَّ مَحِلّه الْإِطْلَاق فَلَوْ قَصَدَ ذَلِكَ بِهَذَا اللَّفْظ سَاغَ , وَقَالَ صَاحِب "" الْهِدَايَة "" أَيْضًا إِنْ قَالَ "" اِخْتَارِي "" يَنْوِي بِهِ الطَّلَاق فَلَهَا أَنْ تُطَلِّق نَفْسهَا وَيَقَع بَائِنًا , فَلَوْ لَمْ يَنْوِ فَهُوَ بَاطِل , وَكَذَا لَوْ قَالَ اِخْتَارِي فَقَالَتْ اِخْتَرْت فَلَوْ نَوَى فَقَالَتْ اِخْتَرْت نَفْسِي وَقَعَتْ طَلْقَة رَجْعِيَّة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُؤْخَذ مِنْ قَوْل عَائِشَة "" فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا "" أَنَّهَا لَوْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا لَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا , وَوَافَقَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي "" الْمُفْهِم "" فَقَالَ : فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُخَيَّرَة إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا أَنَّ نَفْس ذَلِكَ الِاخْتِيَار يَكُون طَلَاقًا مِنْ غَيْر اِحْتِيَاج إِلَى نُطْق بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاق , قَالَ : وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ مَفْهُوم قَوْل عَائِشَة الْمَذْكُور. قُلْت : لَكِنَّ ظَاهِر الْآيَة أَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُون طَلَاقًا , بَلْ لَا بُدّ مِنْ إِنْشَاء الزَّوْج الطَّلَاق ; لِأَنَّ فِيهَا ( فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ ) أَيْ بَعْد الِاخْتِيَار , وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوق مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَلَالَة الْمَفْهُوم. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّخْيِير هَلْ بِمَعْنَى التَّمْلِيك أَوْ بِمَعْنَى التَّوْكِيل ؟ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ الْمُصَحَّح عِنْد أَصْحَابه أَنَّهُ تَمْلِيكٌ , وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة بِشَرْطِ مُبَادَرَتهَا لَهُ حَتَّى لَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِع الْقَبُول عَنْ الْإِيجَاب فِي الْعَقْد ثُمَّ طَلُقَتْ لَمْ يَقَع , وَفِي وَجْهٍ لَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِس وَبِهِ جَزَمَ اِبْن الْقَاصّ , وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الرَّاجِح أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّد وَلَا يُشْتَرَط فِيهِ الْفَوْر , بَلْ مَتَى طَلُقَتْ نَفَذَ , وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ , وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْد وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ الشَّافِعِيَّة وَالطَّحَاوِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّة , وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْبَاب حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ "" إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك "" الْحَدِيث , فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ فَسْخٌ لَهَا إِذْ أَخْبَرَهَا أَنْ لَا تَخْتَار شَيْئًا حَتَّى تَسْتَأْذِن أَبَوَيْهَا ثُمَّ تَفْعَل مَا يُشِيرَانِ بِهِ عَلَيْهَا , وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَم اِشْتِرَاط الْفَوْر فِي جَوَاب التَّخْيِير. قُلْت : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَال يُشْتَرَط الْفَوْر أَوْ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِس عِنْد الْإِطْلَاق , فَأَمَّا لَوْ صَرَّحَ الزَّوْج بِالْفُسْحَةِ فِي تَأْخِيره بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيَتَرَاخَى , وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي قِصَّة عَائِشَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون كُلُّ خِيَارٍ كَذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!