تجاوز إلى المحتوى
✦ المكتبة الإلكترونية

رسالة سعدالدین حمّويی إلى الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة النص كاملاً مع الهوامش والملاحق كما نُشر في الموقع.

۞ قراءة النص

رسالة سعدالدین حمّويی إلى الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

كتب هذه الرساله الشيخ الإمام سعد الملة والدين الحمّوي إلى الشيخ الإمام ابن العربي في دمشق رحمة الله عليهما:

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح بال و رشح حال

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

يُذكّرني وردي بفسيحة مُهجتي

إذا هيّجت في القلب شوقي وحُرقتي

إلى وجه أيامي وبيت قصيدتي

ومنبع أنواري ومطلع قُرّتي

ومعدن أسراري ومخزن عُدّتي

وآية راياتي وأبحُر دُرّتي

هو القِسْط من قُطب الحبيب بنُقطتي

هو السِّفر والقِطّ الذي فيه نُطقتي

هو السِّقط في الأطباق حالة نطفتي

هو البدر في الآفاق مَعلم فِطرتي

هو العين يا مولاي حامل قطرتي

هو الغين في بَلْواي كاشِف غُمّتي

هو الكاف والنون الذي منه كُنيتي

هو الطّاء والظّاء الذي منه بُنيتي

هو الرّاء والزّاء الذي منه همّتي

هو القاف والواو الذي منه قُوّتي

هو الميم والهاء الذي منه هيبتي

هو الصّاد والضّاد الذي منه حبّتي

هو الدّال والذّال الذي منه دَوْلتي

هو السّين والشّين الذي منه كَرّتي

هو الجيم والحاء الذي منه نَظْرتي

هو الباء والتاء الذي منه تَوْبتي

هو الألف الوصل الذي منه نيّتي

هو الألف القطع الذي منه جَوبَتي

هو الألف الموصُوف أول مَرّتي

يُنادي ويَدعو صَحبَه ثم نُزوتي

هو الثاء والخاء الذي منه شُهرتي

يُخاطب إخواني بهو وبعُرضتي

هو الكاف والفاء الذي منه عزّتي

سلامي على من يدّعي فهم فكرتي

أنا المحو في الماحي ومُثبت مُثبتي

أنا الشرح في المشروح حاسِر حَسرتي

هو العاقب الباقي الذي منه بغيتي

بطَيٍّ ونشرٍ ثم منه تحيّتي

أنا الرّشّ في الشّرّ الذي منه سُرّتي

أنا السِّرّ في الرّسّ التي منه طَلْعَتي

أقول كما قال العزيز بعزّتي

فهذا تمام القول في شرح قصّتي

الحمد لله الذي جعل المسعود محموداً أو الشاهد مشهوداً، وأورد عباده على حوض عبده مودوداً، وأودع في القيام والقعود والسجود مزاجاً من كوثره يُشاهدون فيه معبوداً، جعل )اللاتَ والعُزّى * وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى( معنىً موروداً، وأصلّي على نبيّه الأكرم ورسوله الأعظم صلوة ساجدٍ ومسجودٍ ممدودة غير معدودة.

أما بعد، فليعلم الأخ الكريم، والناصر للدين القويم، صاحب أهل سفينة نوح، المميّز بين البروج والسّنوح، المتوّج بوجه الإرادة إلى وجه الروح، أدام الله ظلاله على خاصّته، وجعله نقطاً في بياض أهل ولايته، أن الاستنطاق يُبيح مباشرة أسباب الإنطاق، ويرخّص في حَلّ النطاق، ويُقوّي داعية الاتّفاق المتضمّنة لسرّ الإنفاق، الموجب لانتشار إشراق الأزل والأبد في الآفاق، وأن من تمسّك بحبل القرآن وحاله ونسخته وسنّته، وتشبّث بذيل متابعته وسلك طريق مبايعته، وجدّد رقم هيبته وعظمته في جبين همّته، وآذناً من خير بريّته في شرح كتابه وسنّته؛ فبهذين الأمرين أعني بهما وجدان الرقم ونيل الأذن يصل إلى منتهى غايته وغاية نهايته، ثم يرجع من رُدّته إلى دُرّته ومن جِنّته إلى جُنّته، ثم يلحق بصورته بَعد الانفصال عن مَحَرَّته والاتصال بمَسَرَّته والخروج عن مَعَرَّته، ثم يفتح له باب الكبيرتين المستويتين على بصيرته، وعند ذلك يظهر النبأ العظيم في صاخته وطامته وقيامته، وعند ذلك يستوي على قُلّة مشاهدته وقُنه رؤيته ومكالمته بسلامته وعافيته، وإن عَجز عن وجدان ما تلوناه فله الوجدان في بيّنته، والنيل في آيته بسعة رحمته ومغفرته، وعند ذلك له الرجوع والعروج والخروج والولوج والإنباء والارتقاء والمشاهدة واللقاء، ويكون هو بين المدّ والجزر والطيّ والنشر، حتى يتخلّص من الشكل والهيئة والصورة والمثال، ثم بصورته هو )فِي الأرحامِ كَيْفَ يَشاءُ( على أي حال، فالأول موصوف صفاته، والثاني معروف آياته، فالهاء هاء وميم، والجاء جاء وجيم، فهي المحجّة الحاصلة للحجّة الإضافية والحجّة البالغة، ومن البلوغ إلى البلوغ أربعة آلاف منزل وأربعة آلاف منزل وأربعة آلاف وثلاثة آلاف منزل، في كلّ منزل سبعين ألف عالَم، في كلّ عالَم سبعين ألف كلمة، في كلّ كلمة خمسين عاماً، في كلّ عام أمام جزء من الأمّ، ثمّ يوجد بين الأجزاء النقطة البياضيّة التي هي في المرتبة الثالثة من النقط، والشروع في مثل هذا الكلام غير مشروع، ولكن الفرد يدخل تحت المجموع. هذا لمن تمسّك بحبل القرآن ونُسخته؛ أما من تمسّك بسنّته وربط ذيله على فتراك عترته، ظهر في الأرواح من الألواح سيماء عزّته، وعند ذلك )يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ( فطرته ويُقلّب الليل والنهار في حبلته، ويبدّل نطفته بنقطته ونُقطته بنطقته، وعند ذلك ينفتح عيون الأبصار في الأبصار، وينفجر منه ماء الحركة والسكون والقرار، الذي فيه عكسُ الجَبْر والقَدر، وسرّ السَفَر والحَضَر، لإزالة سَقر السفر الموجود في الأسفار، وهو الموجب لنقض الجدار المتضمّن لإقامة الدرج الموصل إلى الدرج الذي فيه خصائص الأنوار، وعند تلاطهما يُبدّل الله تعالى النطفة الموصوفة بالأمشاج، بالنطفة المستحبّة الموجبة للإدماج، وعند ذلك ينشد دُرج رداء الكبرياء، وانعطف إزار الياء لمصلحة القرار والفرار من الأغيار، اكتحلت عيني بمطالعة تصنيفك لطائف الأذكار، وانحرف خاطري عن إدراك ما ذكر الشيخ الكبير والبدر المنير في بعض مصنّفاته أن الحروف بعضها مُركّب مثل الياء من ذالين، وأن الباء وجود العقل الخاصّ وهو أول مرتبته، والذي تَراءى لهذا الضعيف أن الحروف كلّها مُركّبة، والياء مركّبة من دالين وحروف أخرى، والنقطتان عليها ظهرت بطريق العكس والانعكاس، والذي يشهد لذلك أن فيها عالم اليدين، وأن الباء أول مرتبة بالنسبة إلى الصورة الباطلة.

وأما بالنسبة إلى صورته تعالى وتقدّس فهو وجود المرتبة الأولى، وقد وجدنا بحمد الله ومنّه أن لكلّ حرفٍ روحاً وعقلاً وسرّاً وألسنةً وأزلاً وأبداً وميلاً وطاعةً وظهراً وبطناً وحدّاً ومطلعاً وأمزجةً، ولو شرحنا ذلك لطال الكلام، ولا يفي بشرحه الأقلام، وما رأيت في القرآن حرفاً متكرّراً ثم وجدنا علم البياض أقوى من علم الحروف وعلم النقطة. ثم وجدنا علم الإعراب وكيفية اجتماعها مع روح السائر الطائر على عرش الرحمن، وقابلنا أوائل السور مع النفوس الملكوتية فوجدناها زائدة عليها للفهم، ووجدنا بعد ذلك ثمانية عشر عالَماً من الفهم، والدراية أقوى من الفهم، فهذا كلّه في القوس الأول، وأما حروف القوس الثاني فتلك دُرّة لأماني، وفيها ما فيها من المعاني والسبع المثاني، ووجدنا المتوسّط بين القوسين وهو المسمّيان المندرج فيهما حقيقة المعنيين اللذين حاملهما الثقلان، والفرق واضحٌ بين الحقيقة والحقيقي.

وقد ذكر الشيخ في جواب سؤال الحكيم الترمذي قدّس الله روحه أن موضع القُربة بين النبوّة والصدّيقيّة، وقد مال خاطري إلى أنّ موضع القُربة بين الرسالة والفردية الناشئة من حقيقة الإخلاص، والمُشير إلى هذا المعنى قوله تعالى وتقدّس: )وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلِصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيّاً( والبرق صورة القربة في عالَم الشهادة، وهو خارج من بين الرّعد والسّحاب، وأما عدد منازل الأولياء فإنه أمرٌ يتعلّق بمعرفة عوالم حملة العرش وحملة الشريعة.

وقد بقي لهذا الضعيف إشكال آخر، وهو أن الشيخ قد ذكر في كتابه المسمّى بكتاب التجلّيات: «الحمد لله مُحكِم عقل الراسخ في عالَم البرازخ»، وقد نعرف بعلم الحروف أن الرّسوخ ليس من حروف العقل، وليس في البرزخ شيءٌ من تجلّيات الألوهية أصلاً، بل فيها شيءٌ من تجلّيات الربوبية، وقد ذكر الشيخ في تجلّي الإشارة من طريق السّر أن «الرقيم المُشار إليه ليس يُشار إليه من حيث هو موجود، لكن من حيث هو حامل لمحمول لا إليه كنزول العلم في صورة اللبن».

قُلت: لو كان الأمر كذلك لما صحّت المعرفة بالله حقيقة أصلاً، وعدم صحّة المعرفة بالله تعالى يناقِض صدق المُخبر فيما أخبر عنه حيث قال: )وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم(، ومن جملة ما لم تكن تعلم عدم صحّة المعرفة بالله حقيقة، ولو نظر الناظر بإذن الله إلى رقم الحقّ الموجود في اللبن وانشقّ الرقم حتّى يُثبته في كتاب مَرقوم، لعرف أن الإشارة إلى الحامل لا إلى المحمول، ولهذا المعنى قال تعالى: )قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً(، وقال تعالى: )إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ(، والغرض من ذلك كلّه ليس الإنكار والتخطئة والإثبات والدّعوى، لأنه لا منازعة بيننا في الحقيقة، بل الغرض شيء آخر وذلك لا يخفى على الشيخ إن شاء الله تعالى، ثم لما وجدتُ بتوفيق الله ذكر الشيخ في القرآن بوصفه وإسمه وحاله ووقته وذكر كل أحدٍ في كلامه القديم، فالمسؤول من كرمه العميم أن يُشير إلى ذكري وما يتضمّنه الذكر من المبدأ والمنتهى حتى يجمع الله بيننا بالحقّ، وصلّى الله على محمد وآله أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين.

والضّعيف ينتظر الجواب على وجه الصواب، ويكون هذا الكلام بيننا من وراء الحجاب، وإليه المرجع والمآب، ومن شاهد الإحياء والإماتة يكون له غِطاء في الاسم وعَطاء في المسمّى، فلا يموت من النفخة الثانية، ومن لم يشاهد الإحياء والإماتة يكون له غِطاء في المسمّى وعَطاء في الاسم، فيموت من النفختين، ومن الذي يموت في النفختين، ومن الذي لا يموت في النفخة الثانية، وهو يُوجد هذا السّرّ في قوله تعالى: )وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها(، ومن هو وليّه بالعدل. هذا تمام الاستنطاق في علم الإنطاق.

أُبقي متن هذا الكتاب، وصوره وهوامشه وروابطه الداخلية، كما ورد في الصفحة الأصلية دون تصحيح آلي أو تغيير في نسبة الكتاب.

الطبعة والمصدر

هذا نص إلكتروني من محفوظات الموقع، وليس بالضرورة نقلاً موثّقاً من طبعة محققة. راجع الأصل والمخطوطة عند الاستشهاد؛ وبعض العناوين تحتاج إلى تحقيق نسبة المؤلف.

شارك هذه الصفحة