رسالة تهذيب الأخلاق
تنسب للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه الذي ألهم الصفوة من عباده اتخاذ الخلوات .
ونزه أسرارهم وخواطرهم فيها عن الجولان في ملكوت الأرض والسماوات .
ونصبها مثالا لاحديته من أكثر الوجوه والجهات .
وجعل نعتهم فيها نعته في وحدانيته من عدم الحركة والالتفات .
وقدسهم فيها عن صفات القدم تقديسه في وحدانيته عن صفات المحدثات .
فهم فيها طالبون وجودهم في عينه طلبه وجودهم في عينهم ، إذ “ كان ولا شيء “ 1 “ “ ،
فقابل سورا بسور ، وآيات بآيات ، ومنحهم فيها أمورا يقرعون بها أبواب أهل التجليات
المفنيات ، ويفتحون بها دروبا للتنزلات المنزهة عن حمل الملقيات المرسلات . خلع
عليهم فيها من الخلع ما يقتضيه استعدادهم فيما يطابقها من الحضرات ، فإن الأرواح
المنشئات بالنفخ الإلهي ، بين الآباء العلويات ، والأمهات السفليات ،
.................................
( 1 ) قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : “ كان اللّه ولا شيء معه “ رواه مسلم .
خرجت على صورة استعداد الأمهات ، وبه وقع التفاضل بين هذه الذوات ، فلا تجدها تكرر
على شخصين : لما ذكرناه من اختلاف هذه الهيئات .
فلا يزالون في خلواتهم من تخليص هذه القلوب من علل تجليات الألوهيات الخيالية ،
وإماطة ما يأتي به من الكشوفات الوهميات .
وهذا التجلي الوهمي ، هو الذي أدى بعض المخذولين ، المعدول بهم عن طريق الحق : أن
يقولوا بنفي الغير والسوى في توحيدهم ، ثم يجعلون له لسانا وكلمات “ 1 “ ، فناقضت
دعاويهم ، إذ كانوا : لا يدرون ، ولا يدرون أنهم لا يدرون ، وهذه أعظم الجهالات .
ومن هذا الموطن - بحكم هذا التجلي الخيالي - زل من زل أسفل الدركات .
ومنه : علا من علا : إلى الدرجات .
وهذه الألوهية الخيالية هي التي رأى ابن صياد “ 2 “ عرشها على البحور الزاخرات ،
مقابلا للعرش الحقيقي : الكائن على الماء - كما ورد في الآيات - ، فأخبر النبي صلى
الله عليه وسلم أن ذلك عرش إبليس : تقريرا للعرشين ، وبيانا للفرق بينهما عند أهل
الفطر السليمة المستقيمة والإدراكات “ 3 “ ،
......................................................
( 1 ) يعني - واللّه أعلم - كيف يقولون بنفي السوى ، مع أنهم يقولون : إن له لسانا
يتكلم به - سبحانه وتعالى - عن ذلك علوا كبيرا .
( 2 ) هو الدجال الذي ظهر في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وأراد سيدنا عمر
أن يقتله فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : “ أن يكنه فلن تسلط عليه ، وإن
لا يكنه ، فلا خير لك في قتله “ ، وأخباره واردة في الصحاح ، والحديث له شهرة تغني
عن تخريجه .
( 3 ) كل من كانت فطرته أسلم : كان إدراكه أكثر .
“ 427 “
فسبحان من فطر الإنسان على العالم وعليه “ 1 “ ، وجعل العين المقصورة غده “ 2 “ ،
فكانت الكائنات .
فمن ثبت قدمه في عبوديته ، بعد تحصيل هذه المعرفة من طريق الكشف ، فهو الخليفة :
صاحب الأسماء والنعوت والصفات .
ومن زلت قدمه عن عبوديته في هذا المقام حلت به المثلات .
فالحمد للّه : حمدا بعد حمد ، لما أسداه من جزيل المنح وجسيم الهبات العلويات [ . .
. وسلّم كثيرا ] “ 3 “ .
وبعد :
فإنك سألت أيها الولي العارف - عرفك اللّه تعالى مالا نهاية - [ له ] من المعارف :
أن أقيد لك صورة الاستعداد الجامع الكلي ، الذي لا يتقيد باسم معين ، ولا بحضرة
مخصوصة ، ولا بتجل مخصوص يوقف عنده ، ولا يتعدى لتلقي ما يناسب هذا الاستعداد الكلي
، من الأسماء المؤثرة وغير المؤثرة ، والحضرات المقيدة وغير المقيدة ، والتجليات
العامة والخاصة ، والتنزلات الإلهية ، والاستنزالات الروحانية ، والاطلاع على
الكائنات الغيبية ، في الحركات الدورية ، وتوالج العوالم ، ومشاهدة كل عالم في
مقامه المعلوم ، وشخصيات تجلي هذه العلوم في مراتبهم ، وصور المعارج والمدارج ،
والنسب الرابط بين العوالم ، والتأثيرات السفلية من الحركات العلوية والبرزخية ،
والتأثيرات العلوية من الحركات السفلية ، وخلق الملائكة والروحانيات العلى ، من
الأنفاس الآدمية ، والحركات البشرية ، وتولد الأرواح من الأجساد ،
....................................................................
( 1 ) هكذا هي في المخطوطة ، والفطر : الشق ، والخلق ، ومنه فاطر السماوات والأرض .
( 2 ) العين : بكسر العين ، ولعله ( رحمه اللّه تعالى ) يرمز إلى الحور المقصورات
في الخيام :
بدليل قوله “ فكانت الكائنات “ .
( 3 ) هكذا هي في المخطوطة .
“ 428 “
والأجساد من الأرواح ، ومشاهدة العالم المهيم والمسخر ، والمدبر ، والتحول والتبدل
في الصور على اختلافاتها ، والاستكشاف على توسع الذات الإلهية ، لتنوع هذه الصور
العرفانية الموقوفة على الجحد والإقرار ، وتنوع المشارب ، ونسبة الحق من العالم ،
والعالم من الحق ، ومن أين تعلق العلم القديم الإلهي بالعالم ، والعالم معدوم .
وإسترسال العالم الواحد على ما لا يتناهي من المعلوم من غير تصور ، العلم التصويري
، والمعلومات المقصورة ، والمعلومات التي لا تتصور ، والوقوف على مقام إحالة شهود
العقل ، ومشاهدة المرتبة التي تفني الإمكان .
والمحال عدم محض “ 1 “ ، فلم يبق إلّا الوجوب ، ومطالعة السريان الإلهي ، الذي يفني
حكم القدر ، وهو توحيد الوجود ، ونفي الاختراع والخلق والتدبير ، وجحود الأسماء
المؤثرة ، إلى أمثال هذا الكشف التام ، والأمر الذي كان به النظام ، مما يرى ولا
يقال .
وسألت في ذلك سؤال عارف بالمصادر والموارد والمواقف ، لما علمت أنه ليس كل استعداد
يعطي الأمر الكلي .
ورأيت أرباب هذه الطريقة قد أقاموا على استعدادات مخصوصة : أنتجت لهم أمورا معينة ،
يشار إليها ، ويقتصر عليها .
وأنفت همتك الشريفة عن الاقتصار على ما وقف عليه هؤلاء ، وإن كانوا سادات وملوكا ،
ولكن أمير المؤمنين : واحد .
..............................................................
( 1 ) لا يمكن وجوده ، لأن اللّه حكم بأنه محال وقضي فيه ، كما لو كان إنسان موجودا
فهو قابل للاعدام ، إلّا أنه وقت وجوده استحال عدمه ، لأنه موجود ، فلا يكون
المخلوق موجودا معدوما في وقت واحد .
“ 429 “
فاسمع يا أخي جواب ما سألت عنه وزيادة ، لينتفع بالزيادة غيرك إذا وقف على هذا
الكتاب ، ممن لا يقدر على استعمال ما سألت عنه .
ولا تأخذ علي في ذلك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مسألة واحدة فأجاب وزاد
.
فقيل له : يا رسول اللّه : أنتوضأ من ماء البحر ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : “ هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته “ “ 1 “ .
فزاد تحليل الميتة ببيان وإيضاح .
سألت عن الخلوة المطلقة ، ولم تسأل عن الخلوات المقيدة ؟
وأنا أجيبك على ما سألت ، وأزيدك من الخلوات المقيدة : ما تيسر ، فإنها كثيرة جدا ،
ولا أجعل للخلوة حدا زمانيا معلوما - كما وقفت عليه لبعضهم - إلّا الخلوة الصمدانية
خاصة في هذا الكتاب ، فإن حدها بالزمان لخاصية فيها “ 2 “ .
وما حد من حد الخلوات بالزمان إلّا على حسب ما وجد ، فأخباره عن وجد صحيح ، وهو
مخطىء في طرد الحد الزماني ، فإن الأمزجة تختلف ، وفراغ قلوب العباد من الكون ليس
على مرتبة واحدة ، وإنما هو على قدر الباعث والطبع المساعد .
فقد يفتح لواحد في يومين ما يفتح لآخر في شهرين ، ولآخر في سنتين ، ولا يفتح لآخر
أبدا .
……………………………
( 1 ) رواه البخاري ومسلم ، وأبو داود والنسائي ، والإمام أحمد وابن حبان والحاكم
عن أبي هريرة والإمام أحمد ، وابن حبان وابن ماجة والحاكم عن جابر ، ورواه ابن ماجة
عن الفراسي .
( 2 ) ذكر الشيخ ( رحمه اللّه ) أنها ثلاثون يوما ، وسيأتي كلامه عنها .
“ 430 “
وقد يؤهل واحد للإلقاء والتنزيل ، وآخر لكشف الحقائق ، وآخر ما يتعدى به الخيال ،
والمثال ، وكل له مقام معلوم ، وحد مرسوم ، تقتضيه جبلته .
والحد الزماني في الخلق : لا يتصور .
وكذلك الجوع والأغذية : تابعة للمزاج ، فلا تتغير تخصيصا .
ولكن يقال “ بأمر كلي “ فهو أمر يعطي صاحب الخلوة ما يلائم طبعه ، ويؤمن بالقليل
منه حتى يرد الفتح على الاعتدال ، ولا ينحرف المحل إلّا لسلطان الوارد ، فإن
الانحراف بغير وارد سبب قاطع لحصول الخيال والأوهام ، وشهود ما ليست له حقيقة .
وكذلك لا أذكر ما يكشف له من الخلوات ، لوجهين :
الواحد لتعلق النفس بما سمعته ، واستعدادها لتحصيله ، فقد يسيق له التجلي الخيالي
قبل الحقيقي ، فيقول : قد حصل المطلوب وما حصل على طائل ، فإن الخيال لا حقيقة له
في نفسه ، لأنه ليس بعالم مستقل .
والوجه الآخر : إن النفوس غير متساوية في أصل النشيء ، فإنها بحسب تركيب البدن ،
وقبوله للنفخ الإلهي ، من الروح الأقدس ، فقد تنقص نفس عن نفس ، وقد تزيد ، وقل أن
تتساوى ، بل هو محال ، لكن تقرب .
وإن كنت فطنا لما ذكرنا فانظر اختلاف الأغراض في الناس ، واختلاف الشرائع باختلاف
الأوقات لاختلاف الأشخاص ، [ لاختلاف الأحوال ] لاختلاف الحركات العلوية ، لاختلاف
التنزلات ، لاختلاف التجليات وفي الشريعة الواحدة من المشرع الواحد تجد ذلك ، فهو
الذي منعني من ذكر نتائج الخلوات ، فإني ما أصف سوى ما وجدت .
“ 431 “
ما من نبي إلّا واستعد ، وخلا مع ربه “ 1 “ .
و لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً “ 2 “ تقتضيه الحضرة الإلهية ،
فتقتضيه الفطرة التي خلق عليها .
فالواجب علينا : ذكر الداعي والاستعداد والتحصيل : لا ذكر ما يحصل .
....................................................
( 1 ) ومن المشهور المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختلي قبل البعثة بغار
حراء الليالي ذوات العدد .
( 2 ) سورة المائدة ؛ الآية : 48 .
“ 432 “
باب فيما ينبغي أن يكون عليه صاحب الخلوة إن شاء اللّه -
ينبغي أن يكون : شجاعا ، مقداما ، لا يكون جبانا خوارا .
فإن كان حاكما على وهمه ، غير مقهور تحت سلطان تخيله ، زاهدا في كل ما سوى مطلوبه ،
عاشقا لما توجه إليه ، على ما يقويه من قوة الأمور القواطع ، التي بين يديه ، نافذ
الهمة ، مصدق الخاطر ، ثابتا عند زعقة عظيمة ، أو وقع جدار ، ومفاجئة أمر مهول ،
غير طائش ، كثير السكون ، دائم الفكر ، غائبا عن أكثر الحالات ، ساهيا عن لذة المدح
، وألم الذم ، صاحب قوت طيب “ 1 “ .
[ ومعنى قوت طيب : لا يجد في نفسه عند أكله أثر ريبة ] من باب الورع .
قال بعض أئمتنا : “ما رأيت أسهل من الورع : كلما حاك في نفسي له شيء : تركته".
وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم :
“ دع ما يريبك إلى ما يريبك “ “ 2 “ .
....................................................
( 1 ) يعني حلال ، ولذلك فسره بما بعده .
( 2 ) رواه الإمام أحمد عن سيدنا أنس ، والنسائي عن سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب
-
“ 433 “
قائما بما يحتاج إليه من أسباب خلوته : لا يتكلف له أحد ذلك “ 1 “ ، فحينئذ له أن
يدخل الخلوة .
وإن لم يكن على شيء من هذا ، فلا سبيل له إلى الخلوة ، لكنه يستعمل العزلة ، ويدرب
نفسه ، ويهذبها ويروضها بما ذكرنا ، إلى أن يعتاده ، فإن الخير عادة “ 2 “ .
فإذا حصل هذا الأمر : دخل الخلوة إن شاء اللّه تعالى - أي خلوة شاء - : عامة أو
خاصة .
وليقدم صاحب الخلوة بين يديه صدقة : إن كان له شيء .
ولو لم يكن له سوى ثوبين : يتصدق بأحدهما ، أو ثوب واحد ، يمكن أن يباع بثوبين :
يستبدل له بغيره “ 3 “ ، ويتصدق بما فضل .
- والطبراني عن وابصة بن معبد ، والخطيب عن عبد اللّه بن عمر ، والإمام أحمد
والترمذي وابن حبان عن الحسن ، وابن قانع ، وأبو نعيم في الحلية والخطيب عن عبد
اللّه بن عمر .
..........................................
( 1 ) يعني : لا يدخل الخلوة ، وهو متكل على أن الناس يطعموه ، فإن هذا مخالف للشرع
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل عن الرجل العابد “ من يعوله “ ؟ قالوا “
كلنا “ قال : “ كلكم أعبد منه “ .
( 2 ) يعني إذا فعلت الخير مرة ومرة ومرة ، ثم داومت عليه : أصبح طبعا عندك لا تكلف
فيه ، والخير الكبير : أن يصبح الخير عندك طبيعة .
( 3 ) كما لو كان عنده ثوب من الثياب الغالية الثمن مثلا ، من الممكن أن يبيعه
بثمنه ، ويشتري ثوبين : أحدهما له ، والآخر للصدقة ، وقد سئل رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم عن أفضل الصدقة فقال : “ جهد المقل “ رواه أبو داود والحاكم .
“ 434 “
باب الخلوة المطلقة
أيها السائل : هيأك اللّه سبحانه لاستعداد ما سألت عنه واستعماله .
لتعلم أنك لما سألت عن الاستعداد الكلي : لم يتمكن لي أن أخص به صاحب شرع التنزيل ،
من صاحب شرع الكون .
بل نمشي الاستعداد على حسب ما تعطيه النشأة الإنسانية القابلة عند صفائها ،
وتخليصها لما ذكرناه من هذا الأمر الكلي الذي يقع فيه التفصيل بالعوالم والأسماء ،
وعلى حسب ما تقيد به أيضا من الأمور الشرعية المنزلة عن الأمور والمشيئة ، فأقول :
إن لم يكن صاحب شريعة أمر منزل ، وكان صاحب شريعة :
مشيىء أو مطلق ، فلا بد من أن يلتزم موافقة ما تواطأت عليه النفوس من مكارم الأخلاق
، وترك ذميمها وسفسافها ، ويقيس ما يفعل هذا من فعله ، فقد دخل تحت هذا الأمر
الشرعي “ 1 “ المنزل ، فإنه “ بعث لتتميم مكارم الأخلاق “ .
..............................................................
( 1 ) الأمر الشرعي هنا - واللّه أعلم - قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : “ إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “ فالداخل تحت هذا الأمر الشرعي ملتزم يجب عليه الوفاء
بما التزم به .
“ 435 “
والحكم عندنا للأحوال “ 1 “ .
وحاله : ما ذكرناه .
فلا بد من الكشف : بلا ريب ولا شك ، لأن الأحوال تطلبه ، لا العقائد والأقوال .
فتفطن فيما ذكرناه ، ولا تقتصر في وجود الحكمة [ لدى ] “ 2 “ بعض الناس .
وإن كان فاعل هذه الخلوة قابلا بالشرع ، معتقدا له ، قائلا به ، فليعلم أنه منقسم
بين : أفعل ولا تفعل ، وإن شئت أفعل ، وإن شئت لا تفعل .
فأما قسم : لا تفعل : فامتثله مطلقا من غير توقف ولا حديث نفس ، ولا تردد “ 3 “ .
وأما قسم : إن شئت ، وهو المباح ، فانظر إن كان فعله يؤدي إلى أن يكون صاحب خلق
عظيم شرعا فافعله .
وإن كان يؤدي تركه إلى ذلك أيضا فاتركه .
وأما قسم : أفعل ، فامتثله امتثال سائس بنفسه ، خائف من شرورها “ 4 “ .
وذلك بأن تطمعها في نتائج ذلك الفعل ، بما يكون لها من
...................................................
( 1 ) يعني لكل حال يحكمه .
( 2 ) الكلمة مطموسة في المخطوطة .
( 3 ) لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : “ إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا “ .
( 4 ) من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : “ أن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ،
فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى “ ، رواه البزار عن سيدنا جابر ، والإمام
أحمد عن سيدنا أنس بن مالك ( رضي اللّه عنه وعن جميع الصحابة ) .
“ 436 “
الشفوف والاختصاص بدرجة الكمال على جنسها “ 1 “ .
ثم أعرف ما يستحق كل عالم من الحيوان الناطق ، والنبات ، والجماد ، مما ينبغي أن
يعامل به من الخلق الذي يوافق غرضه : إذا كان ذا غرض ، مع حفظ الشرع ، وهو كل
الحيوان ، أو ما يوافق الحكمة في عالم الأغراض ، كالنبات والجماد ، وهو ترك العبث
به .
فلا تقلع نبتا ، ولا تفسد نظامه وترتيبه عبثا لغير فائدة تعود منه على حيوان تجلب
بذلك منفعة له ، أو دفع مضرة عنه .
كذلك لا تسل حجرا عن موضعه عبثا .
والجامع في هذا كله : أن ترسل شيئا من حواسك عبثا .
هذا شرط لا بد منه ، فمهما زال انحل النظام .
ثم معرفة الذنوب ؛ صغيرها ، وكبيرها ، خفيها وجليها ، وإنسحاب التوبة عليها ، ورد
المظالم المقدور على ردها ، من عرض ، ومال ، لا من دم “ 2 “ .
وتطهير عالمك الباطني من كل مذموم : شرعا ، وغرضا ،
............................................................
( 1 ) يعني بذلك أن النفس كالفرس الجموح تحتاج إلى رياضة وتدريب ، حتى تعتاد مثل
هذه الأعمال .
( 2 ) روى الإمام أحمد ، والبيهقي والنسائي وابن ماجة قوله صلى الله عليه وسلم : “
لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبهم اللّه عزّ وجلّ في النار “ ورواه
الترمذي ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني والبيهقي : “ من استطاع منكم
أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امريء مسلم : أن يهريقه ، كما يذبح دجاجة
كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال اللّه بينه وبينه ، ومن استطاع منكم ألا يجعل في
بطنه إلّا طيبا ، فإن أول ما ينتن من الإنسان بطنه “ .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي والحاكم :
“ كل ذنب عسى اللّه أن يغفره ، إلّا الرجل يموت كافرا ، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا
“ ، والأحاديث في هذا كثيرة ، والمقصود بالعرض : الشتم والسب وما إلى ذلك فإن هذه
مقدور على ردها بالاسترضاء ، والمال يرده ، وأما استحلال الفرج الحرام فلا يستطاع
رده ، وإن تاب توبة نصوحا فأمره إلى اللّه تعالى .
وطبعا ، وتقييده عن الجولان في عالم الكون “ 1 “ ، وتفريغه عن الفكر ، فإن الفكر
أضر شيء في هذا الاستعداد ، وفي جميع الخلوات ، لا تصح به أبدا ، ولا يظهر لصاحبها
ثمرة صحيحة إلّا بحكم الاتفاق ، فاللّه اللّه .
احفظ نفسك منه “ 2 “ .
وكذلك حديث النفس ، وتصرفاتها في مراتب الكون ، لا تساعدها على ذلك فإنه تمزيج
وتخليط .
وليكن ذكرك الاسم الجامع الذي هو “ اللّه ، اللّه “ “ 3 “ ، وإن شئت “ هو ، هو “ “
4 “ لا تتعدا هذا الأمر ، وتحفظ أن يفوه به لسانك “ 5 “ ، وليكن قلبك هو القائل ،
ولتكن الأذن مصغية لذلك الذكر ، حتى ينبعث الناطق فيك بالذكر ، فلا تترك حالك التي
كنت عليها ، فإنها قوة عرضية ، إن أخللت بجمعيتك لم تلبث أن تزول سريعة .
وأما قدر ما تلبس من الثياب ، فهو : ما يكون به بدنك
.........................................................
( 1 ) كن مع المكون بكسر الواو المشددة .
( 2 ) الضمير راجع إلى الفكر ، لأن الكلام عنه ، ولفظ الجلالة المكرم : المكرر
مفعول لفعل محذوف ، تقديره : اتق اللّه ، اتق اللّه ، أو خف اللّه ، خف اللّه .
( 3 ) في كتاب “ الأعلام بأن التصوف من شريعة الإسلام “ للغماري ص 107 ما نصه : قال
الشيخ محي الدين : ومن أراد أن يفتح عليه بذكر هذا الاسم الشريف “ اللّه “ فليتخذ
خلوة ، وليترك سائر الأذكار والأوراد غيره ، ولا يذكره من حيث أنه يدل على العين
فقط ، بل لا بد أن يستحضر أنه يذكر من لا تحصره الأكوان ، ومن له الوجود المطلق
التام ، وهذا الشهود هو المعبر عنه بالبساط “ .
( 4 ) الذاكر بلفظ “ هو “ يضمر في نفسه “ اللّه “ فيكون ذكره : “ هو اللّه “ وإذا
رجعنا إلى القرآن الكريم وجدنا فيه - على سبيل المثال لا الحصر - هُوَ اللَّهُ
الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وعرفنا أن “ هو “ اسم إشارة ، واسم الإشارة في النحو
معروف حكمه ، فالذين يعترضون على الذكر ب “ هو “ اعتراضهم في غير محله ، وللّه
الأمر من قبل ومن بعد .
( 5 ) تحفظ بمعنى : احفظ : أي من أن تنطق به ، لأنه في هذه الحالة ذكر قلب : لا ذكر
لسان .
معتدلا ، وليكن من وجه لا يريبك “ 1 “ مثل الأكل سواء .
وليكن عندك حفاظ “ 2 “ نقي يباشر عورتك ، تغسله في أكثر الأوقات “ 3 “ .
ولا سبيل إلى الاضطجاع ، ولا إلى النوم إلّا عن غلبة .
ولتقدم أولا قبل دخولك إلى الخلوة الأولى - أية خلوة كانت :
مطلقة أو مقيدة - رياضة وعزلة عن الخلق ، وصمتا “ 4 “ ، وتقليلا من الطعام وترك شرب
الماء جملة : أجد فيه ، فإنه يسير المؤنة .
فإذا أنست النفس بالوحدة والعزلة : عند ذلك تدخل الخلوة .
.........................................................
( 1 ) بفتح الياء : أي ليس فيه ريبة ولا شبهة من حرام .
( 2 ) سراويل يحفظ فرجك ، وليس المطلوب هو ما يلبسه الناس الآن ، الذي لا يكاد
يواري شيئا ، فإن هذا من لباس الفرنجة ، ونسأل اللّه العافية ، وقد قال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم :
“ اتخذوا السراويلات ، فإنها من استر ثيابكم وحصنوا بها نساءكم “ رواه ابن عدي ،
والعقيلي .
( 3 ) كان النبي صلى الله عليه وسلم ينضح سراويله بعد الاستنجاء ، ويحض على هذا
مخافة أن يصيب السراويل من البول ما لم يكن الإنسان يعلمه .
( 4 ) أخذا من قوله تعالى : قولي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ
أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا قال في القاموس “ والصوم : الصمت “ .
مطلب في بيان كيفية الخلوة وما يختص بها
ومما يختص بهذه الخلوة وبعض الخلوات : ألا يقتل حيوانا أصلا : قملة ولا غيرها “ 1 “
.
وإذا خفت من الهوام في رأسك ، فاحلقه ، وليكن عند دخولك في الرياضة ، وقبل أن يتكون
فيه حيوان .
ولتستعد “ 2 “ ثيابا تستبدلها في أكثر الأوقات ، قبل أن يتعلق بها حيوان ، فيشغلك .
وذلك : ما دمت تحس بنفسك .
فإن شغلت عن هذا كله ، فهو : المطلوب .
ولا تقعد ساعة دون طهارة .
والأساس كله على : التوجه للّه تعالى بالتوحيد المطلق ، الذي
.....................................................
( 1 ) أخذه من مناسك الحج ، فإن الحاج مقبل على اللّه ، فلا يشتغل بشيء مطلقا ، وإن
خاف شيئا من ذلك فليدخل نظيفا تماما حتى لا يشغله شيء عن اللّه : دق أو جل .
وإلا فليس هو في خلوة ، بل هو في “ سهراية “ تحت أشعة الشمس : للتفلي ، وقد ذكر لك
العلاج من ذلك ( رحمه اللّه تعالى ) في الجملة التي بعد هذه .
( 2 ) بمعنى : أعد .
لا يشوبه شرك ، خفي ولا جلي “ 1 “ ، ونفي الأسباب والوسائط كلها جملة وتفصيلا ،
عقدا جزما ، فإنك إن حرمت هذا التوحيد ، فلا بد من الشرك ، فقد تتآدى من الشريك “ 2
“ وهو كون “ 3 “ ، فلا يلوح لك أمر كلي أصلا ، وينحل النظام .
وتحتفظ من الشرك والشك والتعطيل ، فإنه يناقض المطلوب .
ويكفيك ما سامحتك به من شرع الكون “ 4 “ ، وإن كنت عليه ، فهذا هو سبب دخولك في
الشرع المنزل “ 4 “ ، فإنك إذا كشفت الحقائق : لا تقدر على جهل ما علمت ، وانكار ما
شاهدت ، فلهذا سامحتك بشرع الكون ، لمعرفتي برجوعك إلى الحق ، ووقوفك عند الأذن
الإلهي ، فاشترطت التوحيد ، وهو الباب الأول الإيماني ، فإنه قال : “ قل لا إله
إلّا اللّه “ لأهل الشرك والشك “ 6 “ .
......................................................
( 1 ) فيه الرد الكامل على ما يزعمه بعض الذين دأبوا على تكفير عباد اللّه دون حياء
من اللّه تعالى .
( 2 ) في القاموس آدي فهو مؤد : قوي ولعله يقصد - أي يصيبك منه قوة فلا تصلح لما
أنت فيه ، هذا ما عن لي ، واللّه تعالى أعلم ، وقال ( رضي اللّه عنه ) في بعض كتبه
- عند الكلام على قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - إني لست كأحدكم ، إنما أبيت
عند ربي فيطعمني ويسقيني “ إذا كان محبوبي ليس كمثله شيء ، فأنا لست كأحدكم “
المركوب يقطع به المسافات ، والدليل يستدل به على الجهات ، منزه عن الحدثات ، لا
يوصل إليه بالحركات ، ولا يستدل عليه بالإشارات ، فمن عرف المعاني عرف ما أعاني “ .
( 3 ) أي تكون هذه الأشياء التي ذكرها ( رضي اللّه عنه ) من الشريك .
( 4 ) شرع الكون : ما يلزمك من أكل وشرب ولبس وغير ذلك مما لا بد منه .
والشرع المنزل هو : ما شرعه لك اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
( 6 ) فإن المؤمن قد شهد أن لا إله إلّا اللّه ، واستقرت في قلبه ، وأما المشرك
فإنه يجاهد - بضم الياء وفتح الهاء - حتى يقولها ويشهد بها ، ويؤدي مستلزماتها من
صلاة وصوم وحج وزكاة وغيرها .
وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم “ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا
اللّه “ دليل واضح على ذلك واللّه تعالى أعلم .
فإنه من لم يثبت غير اللّه تعالى : لم يقل له : أنفه ، فابتناء أساس استعدادك : على
أول الأبواب الإيمانية .
فهذا معنى ما ترجمه البخاري “ 1 “ .
.....................................
( 1 ) قال البخاري في أول كتاب الإيمان : “ وهو قول وفعل ، ويزيد وينقص “ إلى آخر
ما قال ( رحمه اللّه تعالى ) .
باب ما جاء : أن الأنبياء دينهم واحد في هذا المقام وفي بعض الأحكام ، فقد حصلت في
الدائرة والحمد للّه
والصمت : شرط لازم ، لا بد منه .
وأما الأكل فحده : ما دمت تدبر نفسك : ألا تجوع الجوع المشغل “ 1 “ .
ولا تشبع الشبع المثقل “ 2 “ .
ولا تترك الطبيعة تتغذى “ 3 “ منك .
ولا تترك عندها فضلا عن الوقت ، حتى يكون آخر خلاء المعدة أول تحصيل الغداء ، وهو
قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :
“ حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه “ “ 4 “ .
...........................................................
( 1 ) أي الذي يشغلك عن العبادة والذكر .
( 2 ) الذي يثقلك فينيمك ، فإنك ما دخلت الخلوة لتنام .
( 3 ) ذلك أنك إن لم تأكل أكلتك .
( 4 ) ونص الحديث : “ ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن
صلبه ، وإن كان لا بد فاعلا ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه “ رواه
الترمذي وغيره .
ولكن من وجه لا يريبك “ 1 “ ولا يتضرر فيه مخلوق بكلفة “ 2 “ .
ولا سبيل إلى أكل حيوان البتة “ 3 “ ، ولا أن تسخر لك في غدائك سواك “ 4 “ ، بل
تستعد “ 5 “ غداءك لخلوتك بيدك “ 6 “ ، ولا يتصرف في تحصيله غيرك : البتة .
وإن جهلت مزاجك ، فاعرض نفسك على الأطباء ، فهم ينظرون في الغذاء الذي يلائم طبعك ،
ويصلح بمزاجك ، ولتقل لهم ما تريد أن تفعله في التقليل وعدم الفضول من أجل التصرف
والحركات والثقل المؤدي إلى النوم والكسل ، فهم يركبون لك غذاء تبقى عليه الأيام
الكثيرة لا تحتاج فيها لغذاء ولا لبراز .
وإنما لم نعين في هذه الأوراق غذاء مخصوصا لما ذكرناه من اختلاف الأمزجة .
...............................................................
( 1 ) أي وجه لا شبهة فيه ، وقد قال سيدنا عمر ( رضي اللّه عنه ) : “ كنا نترك تسعة
أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام “ .
وربما يقول إنسان : ما لهذا وذاك ، فأنا نقول : ترك الشبهة عند الصحابة إلى هذا
الحد ، وترك الشبهة عندنا نحن : أن نتقي ما يؤدي إلى الحرام ، والبون بيننا وبينهم
( رضي اللّه عنهم جميعا وأرضاهم ) : شاسع ، والفرق كبير ، فهم خيرة اللّه لخير خلق
اللّه تعالى صلى الله عليه وسلم وصحبه وسلّم .
( 2 ) فإنك إذا دخلت الخلوة ، وتصدق عليك الناس بالطعام : فهذا ضرر ، وربما كان في
نفس الذي أتاك بالطعام شيء ، فيكون تكلفا ، ويكفيك قوله تعالى :قُلْ ما
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ[ سورة ص ] ،
والتكلف هو : اصطناع الإنسان ما ليس من طبيعته .
( 3 ) لأن أكل اللحوم تؤدي إلى قوة شهوة الجماع .
والخلوة إذا جامع فيها المختلي فسدت ، فإن المعتكف لا يجامع النساء ولا يأكل إلّا
الضرور الذي يقيم الأود .
[ راجع باب الاعتكاف من كتب الفقه ]
( 4 ) حتى لا تنشغل بالغير ، فيشوش عليك ، واللّه يتولى هداك .
( 5 ) بمعنى : تعد طعامك بنفسك .
( 6 ) في المخطوطة - بعد “ بيدك “ : كلمة لا تقرأ .
والذين يقرؤون هذه الأوراق كثيرون “ 1 “ فربما يستعمل ذلك الغداء من لا يلائم طبعه
، فيعاقبه اللّه .
هذا ، وإن انحصرت الأمزجة في أمهات “ 2 “ ، ولكن فيها دقائق وتفضيل لا يعرف إلّا
بمشاهدة الشخص في الوقت ، ويحتاج الغذاء - بعد معرفة الشخص - إلى معرفة الزمان
والمكان ، فهذا منعني أن أعين غذاء .
لكن الذي لنا تبيين : الأمر الكلي ، وهو : أن لا تستعمل إلّا الغدا الخفيف ،
الملائم للطبع ، البطيء الهضم ، الشبع “ 3 “ : الذي لا تحتاج معه التصرف “ 4 “ .
....................................
( 1 ) يقصد أنهم قد يقرؤون ، ولا يفهمون ما فيها ، فيستعملون الأدوية خطأ ، فيحدث
الضرر ، ونسأل اللّه السلامة ، وقد قال اللّه تعالى :وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
إِلَى التَّهْلُكَةِ.
( 2 ) يعني : أصول .
( 3 ) بفتح الشين المشددة وكسر الباء : المشبع .
( 4 ) يكون مغذيا ، ومع ذلك : لا تحتاج معه إلى كثرة دخول الخلاء .
مطلب في بيان الأكل في الرياضة
وأما صورة الأكل في الرياضة “ 1 “ في أول العزلة ، وفي الخلوة ،
فهو : أن تأخذ اللقمة ، وتسمي اللّه سبحانه عليها بذلة وافتقار ، وخضوع وخشوع ،
فإذا ألقيتها في فمك فأكثر مضغها جيدا ، فإذا ابتلعتها ، فاحمد اللّه تعالى الذي
سوغكها حمدا تاما في [ حال : بحضور ] “ 2 “ ومراقبة وتربص
، حتى تعلم أنها قد استقرت في فم المعدة .
ثم خذ بعد ذلك لقمة أخرى ، تفعل فيها مثل الأولة .
هكذا ، حتى تنتهي إلى القدر الذي فيه غداؤك .
وكذلك شربك الماء مصا “ 3 “ وتقطع من نفسك مراوا “ 4 “ .
..................................................
( 1 ) ما تريض به نفسك قبل دخول الخلوة .
( 2 ) هكذا في المخطوطة ، ولعل المقصود : في حال ملازمة لك بحضور قلب مع اللّه
تبارك وتعالى .
( 3 ) كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : “ مصوا الماء مصا ، ولا تعبوه عبا “
. [ رواه البيهقي في شعب الإيمان ] .
( 4 ) وفي قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الذي رواه سمويه في “ فوائده “ .
والبيهقي في شعب الإيمان ، “ ابن القدح عن فيك ، ثم تنفس “ إشارة إلى ذلك .
واعلم أن العطش من الشهوات الكاذبة : جربناه ، فوجدناه كذا ، وجربه غيرنا فوجده
كذلك .
فعود نفسك أن تمسكها عن الماء ، وإن عطشت ، فإنك إن جاهدتها قليلا : تنعمت بها
كثيرا ، وتقيم - واللّه - الشهور الكثيرة ، نعم والسنين : لا تشرب فيها ماء : البتة
، ولا تشتهيه ، ولا يؤثر في مزاجك ولا بدنك ، وتقنع الطبيعة بما تسهل من الرطوبات
التي في الغداء “ 1 “ .
ولهذا نستحب ، بل نوجب المجاهدة والرياضة في العزلة قبل الخلوة حتى يصير ذلك طبعا
وعادة ، ولا تحس النفس به ، كما لا تحس بالعادات ،
فتدخل الخلوة عقيب ذلك : مستريحا ، نشيطا ، طيب النفس ، فارغا من المجاهدة ، خالي
المحل من المكابدة ، مهيئا مفرغا لذكر المذكور ، والتجلي المطلوب ، والوارد الآتي
عليك ، فإن المجاهدة في الخلوة تذهب بجمعية الخلوة التي هي روحها “ 2 “ لأنها شغل
في الوقت ، فتحفظ من ذلك جهدك ، وقدم العزلة ولا بد ، واجعل مجاهدتك فيها حتى تأنس
بذلك ، واندرج منها إلى الخلوة المطلوبة يسرع إليك الفتح إن شاء اللّه تعالى .
ومهما تكلفت شيئا في خلوتك من : سهر ، أو جوع ، أو عطش ، أو برد ، أو حديث نفس ، أو
وحشة ، فأخرج منها إلى عزلتك حتى تستحكم .
........................................................................
( 1 ) يعني بإمتصاص ما في الأغذية من الماء .
( 2 ) يعني أن روح الخلوة : مجاهدة الشهوات ، وتكبد المشاق والمتاعب .
صورة بيت الخلوة وحاله فيها وشروطها
ثم ليكن بيت خلوتك على ما أذكره ، ولتكن أنت على حسب ما نحده لك .
فأما صفة البيت المخصوص بهذه الخلوة ، فينبغي أن يكون بكل خلوة إن أمكن ،
فهو : أن يكون ارتفاعه قدر قامتك ، وطوله قدر سجودك ، وعرضه قدر جلستك .
ولا يكن فيه ثقب ولا كوة أصلا .
ولا يدخل عليك ضوء رأسا .
ويكون بعيدا من أصوات الناس .
ويكون بابه قصيرا ، وثيقا في غلقه .
وليكن في دار معمورة فيها ناس .
وإن تمكن أن يبيت أحد بقرب باب الخلوة ، فهو أحسن .
وأما صورتك فيها ابتداء ، فهو أن تغتسل وتنظف ثيابك ، ولا بد من النية بالتقرب إلى
المتوجه إليه : “ لا إله إلّا هو العزيز الحكيم “ .
ولا سبيل لكثرة الحركة فيها .
ولا تزد على الفرائض والركعتين والرواتب .
والقعود على طهارة .
واستقبال القبلة دائما .
وإذا أردت الحاجة ، فليكن موضع خلائك بعيدا “ 1 “ : قريبا من خلوتك “ 2 “ .
وتحفظ عند خروجك من الهواء الغريب ، فإنه يؤثر فيك تفريقا “ 3 “ زمانا طويلا .
وليكن ماؤك لا يتغير عليك ، وإذا خرجت لحاجة : سد عينيك وأذنيك .
وليكن غداؤك معك في بيتك معدا ، وخلف باب بيتك محفوظا .
ومن شروط هذه الخلوة - بل كل خلوة - إن قدرت - أن لا يعرف أحد أنك في خلوة أصلا “ 4
“ .
وإن كان لا بد أن يعرف ، فلا يعرف ذلك منك إلّا أقرب الناس إليك “ 5 “ في خدمتك ،
ممن يجهل ما أنت عليه ، ولا يعرف ما تقصده .
وإنما يمنع من ذلك لتشوق نفسه إلى النفوس المتشوقة لخروجه : بماذا يخرج ؟
وهي علة كبيرة ، ونحن نحب تقريب الفتح
...............................................................
( 1 ) بمعنى : لا تتبرز في خلوتك .
( 2 ) حتى لا تكثر الحركة والمشي .
( 3 ) لأن الإنسان إذا كان في مكان ، فهو مجتمع على نفسه : محاصر لها في الذكر فقط
، فإذا ما خرج ورأى الدنيا تفرق قلبه وتوزع تفكيره ، واللّه أعلم .
( 4 ) كزوجتك مثلا أو خادمك .
( 5 ) حتى تكون السرية تامة بينك وبين ربك .
على الشخص ، وهذا يبعده ، فإنه لا سبيل إلى الفتح وفي النفس أثر .
فهذه صورة الخلوة المطلقة .
وجري فيها أشياء نبهنا عليها مما يحتاج إليها في الخلوات كلها : العامة والخاصة ،
فلا تحتاج إلى تكراره في خلوة مقيدة .
واللّه المرشد .
وقد ذكرنا صورة ترتيب الفتح في رسالة “ الأنوار “ فلينظر هناك إن شاء اللّه تعالى .
خلوة الهدهد
تدخل الخلوة ، كما أرسم لك ، وتستعمل في غذائك قلوب الهدهد تسحقها وتسفها سفا ،
فإنك ترى عجائب .
ويكون ذكرك لا إله إلّا اللّه رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ “ 1 “ .
........................................................................
( 1 ) وهي الآية التي حكى اللّه أن الهدهد قالها في سورة النمل ؛ الآية : 26 .
الخلوة الصمدانية
أيامها ثلاثون يوما ، لا نوم فيها : البتة .
ومهما نام في هذه الخلوة بليل أو [ فطر ] “ 1 “ بنهار ،
فليستأنف الخلوة من أولها : ينام فيها بالنهار ، ويفطر بالليل من غير شبع ، ولا
يفطر بالنهار .
وإن اتفق أن يكون في رمضان فهو أولى ، وإلّا ففي المحرم ، وذكرها : سورة الإخلاص “
2 “ .
..........................................................
( 1 ) في المخطوطة “ فطر “ .
( 2 ) وهي سورة “ صمد “ ومن معانيه : الذي لا يأكل ولا يشرب ، ولا يحتاج إلى أحد
ويحتاج إليه كل أحد ، ومن داوم عليها لزمه الشبع ، فلا يحتاج إلى كثير أكل ، ومن
شاء فليجرب .
خلوة القرين
“ ذكرها لي جماعة من إخواني ، وأما أنا فما عملت عليها ، من أجل الأسماء التي فيها
“ “ 1 “ .
قال القوم الذين أخبروني بها : يلبس لها كل يوم ثوبا جديدا ، أربعين يوما .
ويكفي الغداء : مرة خبزا بزيت ، ومرة خبزا بزبيب .
ولا يزال يذكر هذه الأسماء عقيب الصلوات الخمس ، وأكثر الحالات : وهي :
“ بهلطف ، سليطيع ، أسماطون ، أطون ، بهكش ، تهكش ، بوب “ .
واعلم : أن صورة الخلوة ، ما ذكرته لك : ثم أنه تختلف الحالات فيها على الإنسان
بحسب أذكاره ، فإن الذكر مع الاستعداد ، هو الداعي إلى الفتح ، ولكن بما يناسب
الذكر الذي يكون عليه صاحب الخلوة .
....................................................................
( 1 ) أعلمك بهذا أنها - واللّه أعلم - شيطانية لا رحمانية ، لأنه قال لك “ من أجل
الأسماء التي فيها “ .
وقد أدخلت مريدا لنا بذكر سهل بن عبد اللّه ، الذي أعطاه خاله ، وهو : “ اللّه معي
، اللّه ناظر إلي ، اللّه شاهد عليّ “ ففتح له به في أربعة أيام .
وأما أنا ففتح لي به في ربع ليلة .
وأدخلت شخصا بيته علي “ سبحان اللّه العظيم وبحمده “ فرفع من ليلته .
ودخل بعض الشيوخ بذكر :
“ لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي
لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير “ .
ولزمه مدة ، ففتح له في التوحيد والتوكل ، فكان واحد عصره فيهما .
ووقفت على أسماء ، وأنا بالمسجد الأقصى ، فعرفتها :
خوطبت بها .
وهي في الخلوة عجيبة ، وهي هذه :
“ عنت وجود الروحانيات العلى ، للسبحات العظمى ، التي فتق بها الرتق . يا علي يا
قيوم ، يا من أوجد الآباء العلويات متحركة ، والأمهات السفليات ساكنة ، بالصفة التي
هي عين الموصوف .
يا من أدار القمرين حول مراكز تداويرهما ، وأدار الدورة الكبرى للسكون والفضل
المبتغى ، المنطوق به على ألسنة الروحانيات العلى .
يا من نظر إلى من نظر إليه .
يا مذل الأعز ، يا قدوس يا أحد ، لك العز الأفخر ، والملك الأكرم ، والملكوت الأفخم
، أثر جلالك : الهيبة في القلوب ، وأنت
المحسان ، تنقل الأطوار والأدوار ، وتعلم ما سكن في الليل والنهار .
يا عظيم : لا أعظم “ 1 “ ، يا كبير ، لا أكبر “ 1 “ ، أنت المقصود بكل همة ،
والمسؤول بكل لسان .
وكذلك خلوة : “ يا حي يا قيوم “ عظيمة الفائدة .
وكذلك : “ يا علي يا عظيم ، يا عليم يا حكيم “ .
وما من ذكر إلّا وله نتيجة تخصه .
فإذا فهمت كيفية حالات الخلوة وصورتها ، فأدخلها بأي ذكر شئت ، فإنه يعطيك ما في
قوته “ 3 “ ولا بد .
ويكفي هذا القدر من التنبيه والحمد للّه وحده ، - .
وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم - .
تمت الخلوة المطلقة ، وهو حسبي ، وحفيي .
ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم .
..................................................
( 1 ) في القاعدة النحوية : أن حذف ما يعلم جائز ، لأنه معلوم بالضروة ، فقوله لا
أعظم و “ لا أكبر “ يعني : لا أعظم منك ، ولا أكبر منك ، وقد يكون يريد أن ينهاك عن
أن تذكر يا أعظم ويا أكبر ، وهذا هو المرجح ، واللّه أعلم .
( 3 ) أي ما في قوة الذكر ، واللّه تعالى أعلم .
أُبقي متن هذا الكتاب، وصوره وهوامشه وروابطه الداخلية، كما ورد في الصفحة الأصلية دون تصحيح آلي أو تغيير في نسبة الكتاب.
هذا نص إلكتروني من محفوظات الموقع، وليس بالضرورة نقلاً موثّقاً من طبعة محققة. راجع الأصل والمخطوطة عند الاستشهاد؛ وبعض العناوين تحتاج إلى تحقيق نسبة المؤلف.

