أجوبة الإمام محي الدين ابن العربي على بعض مسائل أئمة خراسان
تنسب للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
هذه الأجوبة منسوبة للإمام محي الدين ابن العربي لأسئلة وردت علىه من قبل أئمة خراسان
فأجاب عنها وقال: سألت رحمك الله وأيانا هذه الأسئلة وأنا إن شاء الله أجيب عن بعضها بما يفتح الله على حسب الإمكان.
السؤال الأول: ما الفرق بين الفترة والوقفة؟
الجواب وبالله التوفيق: الفترة: في الأعمال قال عليه الصلاة والسلام: (لكل عاملٍ فترة) والوقفة في الأحوال، وسبب الفترة الإهمال لأدب الوقت وتضييع حكمه والإهمال والتضييع موجبهما ظهور صفات النفس وسبب الوقفة الإهمال لحكم الحال والأخلال بشيء من شروط الحال وموجب الأخلال والإهمال نقصان علم الحال ونقصان علم الحال لنقصان علم القيام بمطالعة: سر (أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) وهذا النقصان هو الفتور عن المراقبة.
السؤال الثاني: قلت مع الأعمال يتداخل العجب ومع ترك الأعمال يخلد إلى البطالة.
الجواب لا يترك الأعمال ويداوي العجب بأن يعلم أن ظهوره من النفس وكلما ألم بباطنه خاطر العجب يستغفر الله ويكره الخاطر ويصير ذلك كفارة خاطر العجب ولا يدع العمل.
وأما السؤال الثالث:
الخلوة تصلح لمن ليس له نصيب من البطالة وأوقاته معمورة بالمعاملة والمراقبة والخدمة تصلح لمن عنده سعة للبطالة فيصرف هم بطالته إلى الخدمة ويبقى سهامه الأخر للمعاملة والذكر والمراقبة.
السؤال الرابع:
الخلوة محمودة والمريد إذا كان تحت حكم شيخ ذي بصيرة يكون خدمته جلوته وخلوته بحكم الشيخ فالشيخ يعلم قدر حاجته إلى الخلوة وقدر حاجته إلى الجلوة فالشيخ يعلم الاستعدادات فمن المريدين من يؤمر بالخلوة الدائمة ومنهم من لا يصلح إلا للخدمة ومنها تكون زيادته والأوضاع مختلفة ومعرفة تفاوتها للشيوخ الراسخين في العلم الذين يتصرفون بالحق لا بهوى نفوسهم ويريدون الخلق لله لا لمحبة الاستتباع ويكونون أمناء الله في أرضه.
السؤال الخامس:
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أستغنوا بملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخلوة وكانت ملازمتهم بحضرته والجهاد بين يديه أولى من كل خلوة والخلوة معينة على دفع آفات النفوس ومعرفة الزيادة والنقصان وقد يتربي المريد بنَفَس الشيخ وصحبته من غير أن يدخل الخلوة أو يحبس في بيت مظلم بل يسرى إليه من باطن الشيخ ما يستغني عن الخلوة ولكن الخلوة تصلح لبعض المريدين غير أني لا أحب للمريد أن يترك الصلوات جماعة بل يحضر الفرض ويرجع إلى خلوته حتى لا يكون خلوته رهبانية وأما من ترك الجمعة وزعم أنه في الخلوة وأنه إن خرج تتشوش جمعيته فهذا ضال يخطئ نعوذ بالله منه وممن يحسن له ذلك فهو عين الضلال.
السؤال السادس:
لبس الخرقة له أصل من السنة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسها خالدٍ حميصةً سوداء ذات علم وليس ذلك من لوازم الطريق بل هو من أستحسان الشيوخ وله أصل من السنة وإنما الاعتبار بالصحبة واقتباس العلوم والأحوال والمريد إذا لبس الخرقة من شيخ فكأنه حَكَمهُ في نفسه فشرطه أن يخرج من اختياره وإرادته في الأشياء ويكون تحت اختيار الشيخ وهذا يكون مريداً حقيقياً ومن لا يبلغ هذه الرتبة فخرقته مجرد تشبه بالقوم ومن تشبه بقومٍ فهو منهم ويكون مريداً رسمياً لا حقيقياً.
[السؤال السابع]:
المريد إذا علم من الأحكام ما لابد له منه فالأولى به الانقطاع على الله ودوام التبتل إلا أن يكون غير صابر على الحق الصرف ونفسه لا تجيب إلى الدؤوب في العمل والذكر وتطالبه بالبطالة فعند ذلك يصرف عن البطالة إلى الاشتغال بشيء من العلم من قبيل فروض الكفايات ليكون ---- عزيمة حاله واشتغاله رخصة حاله.
السؤال الثامن:
في هذا الزمان الأولى للمريد ترك التزوج إذا لم بخف العنت ويجتهد في نفي خواطر التزوج وكلما ألم به خاطر النساء يفر إلى الله من الخاطر ويستعين به فإنه إذا فعل ذلك ودام عليه سوف يسوف الحق إليه زوجة صالحة بعدم مؤنتها وكلفتها ويكون محمولاً فيها ومعناً من قبل الله تعالى فلا يقطعه إذ ذاك عن الله.
السؤال التاسع:
الفقير إذا تزوج ليكتسب لعياله إلا أن يفتح الحق عليه باب الفضل والمزيد على الصحة وهذا إنما يكون لمزيد تضيق أوقاته عن الكسب لكمال شغله بربه.
السؤال العاشر:
لا ينبغي للمريد أن يدع الأعمال للخلق ولا يأتي بها للخلق وإذا أتي بالأعمال واسترقت النفس الغرض بالالتفات إلى الخلق واستحلت نظرهم إليه فيستغفر من ذلك الاستجلاء ولا يدع العمل رأساً لأجل ذلك فببركة العمل يزول الرياء.
السؤال الحادي عشر:
لا ينبغي للمريد أن يتواضع للأغنياء لموضع غناهم ولا يرفع حاجته إليهم إلا أن دعت الضرورة وإذا علم أن المال حرام لا يجوز له التلبس به البتة ولا اعمله الغرور والاعتماد على الحال أن يأكل المال الحرام فإن المريد الصحيح لا يطفئ نور حاله نور ورعه سوأ كان متجرداً أو متأهلاً.
السؤال الثاني عشر:
يجوز للمريد أن يسكن الربط المبنية من أموال الولاة ولكن شرط المريد أن لا يأكل من مال الوقف إلا إذا كمل شغله بالله ولم يبق للبطالة عليه سبيل وإلا فالتكسب أولى وربما كان سكني الرباط أبعد له من الآفة والشهرة لأن أرباب الزوايا يشتهرون أعجل من أرباب الرباط ولكن بشرط أن لا يسترسل في الاختلاط فإنه الداء المهلك.
السؤال الثالث عشر:
إذا وجد مالا أقل شبهة لا ينبغي أن يأكل مما كان أكثر شبهة.
السؤال الرابع عشر:
إذا لم يبال مما يأكل ولا يتورع لا يبالى الله أن يهلكه.
السؤال الخامس عشر:
إذا قدر على إزالة منكر ينبغي أن يزيله وأن كان في نفسه مخلصاً فإن الأمر بالمعروف مأمور به ولكن ينبغي أن يكون أمره بالمعروف معروفاً ولا يسطوا على العصاة بصلاحه ولكن يزيل المنكر نيابة عن الشرع ويخلص النية ويتقي الرياء والسمعة.
السؤال السادس عشر:
يحتسب ويستغفر من رؤية نفسه.
السؤال السابع عشر:
تلقين الذكر تلقيح باطن المريد الصادق بنفس الشيخ الصديق وإنما يصح هذا التلقيح من شيخ كامل ذي قلب تام النور لأن الكلمة تكون على قدر نورانية القلب ونورانية القلب على قدر زوال هوى النفس فإذا زال الهوى تنور القلب كل التنور وزوال الهوى لا يكون بمعنى انعدامه ولكن يكون بمعنى ترك متابعته فلا يكون له هوى متبع لأن الهوى روح النفس والنفس لا تزول ولكن تزول متابعة الهوى فإذا لم يكن هناك هوى متبع يستكمل القلب التنور ويفيض منه إلى قلوب المريدين الصادقين بواسطة تلقين الكلمة.
[السؤال الثامن عشر]:
ومثل هذا يكون شيخاً ولا يحتاج أن يطلب الخلق فإن قلوب أهل الصدق تجد نفَس الرحمن عنده فتأوي إليه وتطلبه فإذا أقام الحق خلقه في طلبه وأوقع بمحبته في قلوب خلقه فحينئذ يجوز له أن يطلق لسان الدعوة إلى الله تعالى وتكون تسعة أعشاره عند الله تعالي وعشر عند الخلق؛ يريد الخلق لله تعالى لا لنفسه ويكون أمين الله في أرضه فكما أن جبريل أمين الوحي لرسول الله يكون الشيخ أمين العلم والإلهام للمريدين الصادقين. وهذا الجواب عن ]السؤال الثامن عشر].
وأما السؤال التاسع عشر: وهو أخر الأسئلة
ينبغي أن يعلم أن الحريص على الدنيا وجمعها وإقامة الجاه لا يصلح أن يكون شيخاً ومن يؤهل للمشيخة ذكرنا أنه لا يكون له هوى متبع فإذا رأى المريد من شيخه ذلك يراجع الله تعالى يكثر الجاء إليه أن يكشف له حال الشيخ هل هو شيخ حقيقة أم ادعى المشيخة من غير حقيقة ولا يعمل المريد بمجرد ظنه فإنه أن كان صادقاً سوف يكشف الحق سبحانه له عن الشيخ وحقيقة أمره.
تمت الأجوبة والحمد لله وحده.
أُبقي متن هذا الكتاب، وصوره وهوامشه وروابطه الداخلية، كما ورد في الصفحة الأصلية دون تصحيح آلي أو تغيير في نسبة الكتاب.
هذا نص إلكتروني من محفوظات الموقع، وليس بالضرورة نقلاً موثّقاً من طبعة محققة. راجع الأصل والمخطوطة عند الاستشهاد؛ وبعض العناوين تحتاج إلى تحقيق نسبة المؤلف.

