تجاوز إلى المحتوى
✦ الفتوحات المكية

فى معرفة النفَس بفتح الفاء

فى معرفة النفَس بفتح الفاء · الجزء الثاني — الصفحة 441

۞ قراءة النص

الجزء الثاني • الصفحة 441 • الباب 198

فى معرفة النفَس بفتح الفاء

عرض صورة الطبعة الميمنية ↗الصفحات المقابلة في نسخة قونية: 5087 5088 5089 5090 5091

غابت إنسانيته في ربه فتكونت عنه الأشياء ولا تتكون إلا عن الله وغابت الربوبية في إنسانيته فالتذ بالأشياء وتنعم وأكل وشرب ونكح فهو خلق حق فجهل كما أن الفلك الأطلس مجهول فلهذا قلنا إن هذا الفلك قد حصل قوة ما فوقه لأنه مواد عنه وهكذا كل ما تحته أبدا المولد يجمع حقائق ما فوقه حتى ينتهي إلى الإنسان وهو آخر مولد فتجمع فيه قوى جميع العالم والأسماء الإلهية بكمالها فلا موجود أكمل من الإنسان الكامل ومن لم يكمل في هذه الدنيا من الأناسي فهو حيوان ناطق جزء من الصورة لا غير لا يلحق بدرجة الإنسان بل نسبته إلى الإنسان نسبة جسد الميت إلى الإنسان فهو إنسان بالشكل لا بالحقيقة لأن جسد الميت فاقد في نظر العين جميع القوي وكذلك هذا الذي لم يكمل وكماله بالخلافة فلا يكون خليفة إلا من له الأسماء الإلهية بطريق الاستحقاق أي هو على تركيب خاص يقبلها إذ ما كل تركيب يقبلها وهذا من الأسرار الإلهية التي تجوزها العقول وهي محال كونها ولما خلق الله هذا الفلك كون في سطحه الجنة فسطحه مسك وهو أرض الجنة وقسم الجنات على ثلاثة أقسام للثلاثة الوجوه التي لكل برج جنات الاختصاص وهي الأولى وجنات الميراث وهي الثانية وجنات الأعمال وهي الثالثة ثم جعل في كل قسم أربعة أنهار مضروبة في ثلاثة يكون منها اثنا عشر نهرا ومنها ظهر في حجر موسى اثنتا عشرة عينا لاثنتي عشرة سبطا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ النهر الواحد نهر الماء الذي هو غير آسن يقول غير متغير وهو علم الحياة ونهر الخمر وهو علم الأحوال ونهر العسل وهو علم الوحي على ضروبه ولهذا تصعق الملائكة عند ما تسمع الوحي كما يسكر شارب الخمر ونهر اللبن وهو علم الأسرار واللب الذي تنتجه الرياضات والتقوى فهذه أربعة علوم والإنسان مثلث النشأة نشأة باطنة معنوية روحانية ونشأة ظاهرة حسية طبيعية ونشأة متوسطة جسدية برزخية مثالية ولكل نشأة من هذه الأنهار نصيب كل نصيب نهر لها مستقل يختلف مطعمه باختلاف النشأة فيدرك منه بالحس ما لا يدركه بالخيال ويدرك منه بالخيال ما لا يدركه بالمعنى وهكذا كل نشأة فللإنسان اثنا عشر نهرا في جنة الاختصاص أربعة وفي جنة الميراث مثلها وفي جنة الأعمال مثلها لمن له جنة عمل إما من نفسه وإما ممن أهدى له من الأعمال شيئا فيحصل للإنسان من العلوم في كل جنة بحسب حقيقة تلك الجنة وبحسب مأخذ النشآت منه فإنها تختلف مأخذها وتختلف العلوم وتختلف الجنات فتختلف الأذواق ونفس الرحمن فيها دائم لا ينقطع تسوقه ريح تسمى المثيرة وفي الجنة شجرة ما يبقى بيت في الجنة إلا دخل فيه منها تسمى المؤنسة يجتمع إلى أصلها أهل الجنة في ظلها يتحدثون بما ينبغي لجلال الله بحسب مقاماتهم في ذلك بطريق الإفادة فيحصل بينهم لكل واحد علم لم يكن يعرفه فتعلو منزلته بعلو ذلك العلم فإذا قاموا من تحت تلك الشجرة وجدوا لهم درجات ومنازل لم يكونوا يعرفونها في جناتهم فيجدون من اللذة بها ما لا يقدر قدره فيتعجبون ولا يعرفون من أين ذلك فتهب عليهم الريح المثيرة من نفس الرحمن تخبرهم أن هذه الدرجات التي حصلتموها هي منازلكم في منازل العلم الذي اكتسبتموه تحت الشجرة المؤنسة في ناديكم هذه منازله فيحصل لكل واحد منزل يعلمه فلا يمر لهم نفس إلا ولهم فيه نعيم مقيم جديد فهذا ما يحوي عليه سطح هذا الفلك وأمثال هذا ووجدت هذه الجنان بطالع الأسد وهو برج ثابت فلها الدوام وله القهر فلهذا يقول أهله للشي‏ء كن فلا يأبى إلا أن يكون لأنه ليس في البروج من له السطوة مثله فله القهر على إبراز الأمور من العدم إلى الوجود وأما مقعر هذا الفلك فجعله الله محلا للكواكب الثابتة القاطعة في فلك البروج ولها من الصور فيه ألف صورة واحدي وعشرون صورة وصور السبعة الجواري في السموات السبع فمبلغ الجميع ألف وثمان وعشرون صورة كلها تقطع في فلك البروج بين سريع وبطي‏ء ويوم كل كوكب منها بقدر قطعه فلك البروج فأسرعها قطعا القمر فإن يومه ثمانية وعشرون يوما من أيام الدورة الكبرى التي تقدر بها هذه الأيام وهي الأيام المعهودة عند الناس كما أشار إلى ذلك تعالى في قوله وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ يعني‏

هذه الأيام المعروفة فأقصر أيام هذه الكواكب يوم القمر ومقداره ثمانية وعشرون يوما مما تعدون وأطول يوم لكوكب منه مقداره ست وثلاثون ألف سنة مما تعدون ويوم ذي المعارج من الأسماء الإلهية خمسون ألف سنة ويوم الاسم الرب كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ولكل اسم إلهي يوم فإذا أردت أن تعرف جميع أيام صور الكواكب أعني مقدارها من الأيام المعروفة فاضرب ألفا وأحدا وعشرين‏

الطبعة والمصدر

طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

شارك هذه الصفحة