الجزء الثاني • الصفحة 520 • الباب 225
فى معرفة الزوائد
فهم مخبرون بالحال أنهم المصطفون الأخيار لا بالقصد ثم قد يقع منهم بعد ثبوت الرسالة قول خارج عن مقتضى الدلالة ولا يكون منهم إلا عن أمر إلهي يؤذن ذلك القول بمرتبة القائل عند الله مثل
قوله صلى الله عليه وسلم أنا سيد الناس يوم القيامة
فلما كان في قوة هذا اللفظ إظهار الخصوصية عند الله ومن هو مشغول بالله ما عنده فراغ لمثل هذا ومن شغل أهل الله بالله امتثال أمر الله فأخبر عليه السلام حين عم
فقال ولا فخر
أي ما قصدت الفخر أي هكذا أمرت أن أعرفكم فإن العارف كيف يفتخر والمعرفة تمنعه ومشاهدة الحق تشغله ولا يظهر مثل هذا ممن ليس بمأمور به إلا عن رعونة نفس أو فناء لغلبة حال يستغفر الله من ذلك إذا فارقه ذلك الحال الذي أفناه وقد يظهر مثل هذا من صاحب الغيرة خاصة وهو مذهب شيخنا أبي مدين وقد ظهر منه مثل ذلك من باب الغيرة فلا يدل على إظهار الخصوصية وذلك بأن يرى الإنسان دعوة الرسل ترد ويتوقف في تصديقها ولا سيما عند من ينفي النبوة التي نثبتها فيقوم هذا العبد مقام وجود الرسول فيدعي ما يدعيه الرسول من إقامة الدلالة على صدق الرسول في رسالته نيابة عنه فيأتي بالأمر المعجز على طريق التحدي للرسول لا لنفسه فيظهر منه ذلك وهذا لا يدل على مقام الخصوصية عند الله فهو خارج عن عين التحكم وليس بخارج من حيث ما هو تحكيم لكنه خارج من حيث ما هو تحكيم خاص وقد يكون عين التحكيم في رجل يكون له مقام الإدلال مع الحق ويكون عنده تعريف إلهي بمقامه المعلوم كالملائكة في قوله تعالى عنهم وما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ فأثنوا على أنفسهم بعد معرفتهم وتعريفهم بمقامهم فلا ينقصهم هذا الثناء ولا يحط مرتبتهم وإذا لم يؤثر عين التحكيم في المقام فلا بأس به وتركه أعلى لأنه على كل حال فراغ وما وقع مثل هذا من جبريل إلا لكونه معلما رسول الله صلوات الله عليهما والمعلم ينبه التلميذ بمرتبته لتعلو همته ليلحق بمعلمه ومنهم من يبلغ في التحكيم أن يقسم على الله في أمر فيبر الحق قسمه ومع هذا يستغفر الله فلو لا إن فيه رائحة ما استغفر والحكايات في التحكيم عن الصالحين كثيرة ولا سيما ما يحكى عن عبد القادر الجيلي رحمه الله كان ببغداد أدركناه بالسن وكالذي سجد وحلف أن لا يرفع رأسه من سجدته حتى ينزل الغيث فأبر الله قسمه وكالذي وقف على رأس بئر وقد عطش ولم يكن له حبل ولا ركوة فقال لئن لم تسقني لأغضبن ففاض الماء على فم البئر فسئل على من تغضب فقال على نفسي فامنعها الماء
[التحكم عند ابن العربي]
وأما عين التحكيم عندنا فأمر هين في شهود المعرفة فإن التحكيم للظاهر في المظهر فما تحكم إلا من له التحكم فمهما ظهر الظاهر به دل على إن استعداد المظهر أعطى هذا فيفرق بينه وبين ما يعطيه مظهر آخر من عدم التحكيم وهذه طريقة انفردنا بإظهارها في الوجود لأنها تقرب على أهل الله مأخذ الأمور ولا تستعظم شيئا مما ظهر فإنه ما ظهر إلا ممن له الْأَمْرُ من قَبْلُ ومن بَعْدُ والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس والعشرون ومائتان في معرفة الزوائد»
[الزوائد زيادات الايمان بالغيب واليقين]
اعلم أن الزوائد في اصطلاح الصوفية من أهل الله تعالى زيادات الايمان بالغيب واليقين
إذا ما أنزلت بالنور سورة *** يزيد المؤمنون بها سرورا
فعلم الغيب أنفس كل علم *** وكان العلم أجمعه حضورا
وإدراك الغيوب بلا دليل *** سوى الرحمن لا يعطي ثبورا
وما للغيب عند الحق عين *** ولو جلى لك الاسم الخبيرا
لقد حجب العباد وكل عقل *** بحتى نعلم الجلد الصبورا
قال الله تعالى وإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ من يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ فلا بد من الزوائد في الفريقين وهي الشئون التي الحق عليها وفيها في كل يوم أي في كل نفس الذي هو أصغر الأيام غير إن الزوائد التي اصطلح عليها أهل الله هي ما تعطي من ذلك سعادة خاصة وعلما بغيب يزيده يقينا مثل قوله رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ ولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي يقول بلى آمنت ولكن وجوه الأحياء كثيرة متنوعة كما كان وجود الخلق فمن الخلق من أوجدته عن كن
طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

