تجاوز إلى المحتوى
✦ الفتوحات المكية

[إن من نتيجة الرجولة النصر على الأعداء]

فى معرفة منزل الأجل المسمى من العالم الموسوى · الجزء الثاني — الصفحة 588

۞ قراءة النص

الجزء الثاني • الصفحة 588 • الباب 274

فى معرفة منزل الأجل المسمى من العالم الموسوى

عرض صورة الطبعة الميمنية ↗الصفحات المقابلة في نسخة قونية: 5698 5699 5700 5701 5702

تعالى في حال اتصافها بالعدم لذاتها وهذا هو الوجود الأصلي الإضافي والعدم الإضافي فثبتت الأحوال للعالم ولكل ما سوى الله وأن الوجود ليس عين الموجود إلا في حق الحق سبحانه حتى لا يكون معلولا لوجوده فإنه لو كان معلولا لوجوده لكان حالا له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فإذا خلص الإنسان بعد خروجه من ظلمة طبعه وهواه إلى نور عقله وهداه أربعين صباحا ظهر عنه مثل ما ظهر له وأخذ عنه مثل ما أخذ وتلك أول درجة الدينار الثالث وأول قيراط منه ولا يزال فيه حتى يجب عليه أن يطلب على من يأخذ عنه فإذا وجب عليه ذلك وجوبا شرعيا كفروض الأعيان كلها كان ذلك أول قيراط من الدينار الرابع وسمي رجلا عند ذلك وإن لم يحصل له هذا الوجوب فليس برجل فكمال الرجولية فيما ذكرناه وسواء كان ذكرا أو أنثى وأما الكمال الذاتي وهو غير كمال الرجولية فهو أن لا يتخلل عبوديته في نفسه ربانية بوجه من الوجوه فيكون وجودا في عين عدم وثبوتا في عين نفي ولذلك أوجده الحق فكمال الرجولية عارض وكمال العبودة ذاتي فبين المقامين ما بين الكمالين وأما درجات منازل هذين الكمالين فمعلومة عندنا حيث هي فدرجة الكمال الذاتي في نفس الحق ودرجات الكمال العرضي في الجنان فلهؤلاء النور ولهؤلاء الأجور قال تعالى لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني من كمالهم العرضي وما يستحق الأجر من كل أمر عرضي ولهم نُورُهُمْ من كمالهم الذاتي الله نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ وتقول الرسل قاطبة وهم الكمل بلا خلاف إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فإن ذلك المقام يعطي الأجر ولا بد فيقع التفاضل في الكمال العرضي ولا يقع في الكمال الذاتي قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وقال هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ الله ولم يقل لهم درجات عند الله فجعلهم أعيان الدرجات لأنهم عين الكمال الذاتي وبالكمال العرضي لهم الدرجات الجنانية فاعلم ذلك جعلنا الله ممن جمع بين الكمالين فإن حرمنا الجمع فالله يجعلنا من أهل الكمال الذاتي بمنه وكرمه وأنا أرجو من الله إني قد حصلته تحصيلا لا يحال بي دونه بحسن ظني بربي فما أعلاه من مشهد فإذا حصل للعبد هذا الكمال العرضي ورأى الإجابة الكونية لندائه من غير طلب دليل ولا برهان علم قطعا إن الحق قد تجلى لقلوب عباده وأنه سبحانه قد رفع الوساطة في أمره بينه وبين قلوب عباده فإن أمره سبحانه برفع الوسائط لا يتصور أن يعصى لأنه بكن إذ كن لا تقال إلا لمن هو موصوف بلم يكن وما هو موصوف بلم يكن ما يتصور منه إباية وإذا كان الأمر الإلهي بالوساطة فلا يكون بكن فإنها من خصائص الأمر العدمي الذي لا يكون بواسطة وإنما يكون الأمر بما يدل على الفعل فيؤمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فيقال له أقم الصلاة وآت الزكاة فاشتق له من اسم الفعل اسم الأمر فيطيعه من شاء منهم ويعصيه من شاء منهم فإذا أطاعوه كما قد ذكرنا بهذا التجلي الإلهي لقلوب عباده الذي لا يحتاج فيه المأمور إلى دليل ولا برهان لوجود الإجابة من نفسه ضرورة لأن الضرورة إنما تصورت هنا لكون الإنسان لا يقدر على دفع ما تكون في نفسه فإن كن إنما تعلقت بما تكون في نفس الإنسان فكان الحكم لما تكون فيمن تكون فآمن ولا بد أو صلى ولا بد أو صام ولا بد على حسب ما تعطيه حقيقة الأمر الذي تعلق به كن وقد يرد أمر الواسطة ولا يرد الأمر الإلهي فلا يجد المخاطب آلة يفعل بها فيظهر كأنه عاص وإنما هو عاجز فاقد في الحقيقة لأنه ما تكون فيه ما أمر به أن يتكون عنه والله الغني الحميد

[إن من نتيجة الرجولة النصر على الأعداء]

واعلم أن الفتوح الإلهي الذي يتعلق بالكون مثل النصر على الأعداء والقهر لهم والرحمة بالأولياء والعطف عليهم إنما هو من نتائج الرجولة لا من غيرها فإذا حصل هذا المقام وأكمل نشأته ناداه الحق في سره من كماله سبحانه لكمال العبد الذاتي فنزه ذات موجدة عن الكمال العرضي وهو الكمال الإلهي فإن الكمال الإلهي بالفعل فهو في نفوذ الاقتدار في المقدورات ونفوذ الإرادة في المرادات وظهور أحكام الأسماء الإلهية والكمال الذاتي للذات الغني المطلق عن هذا كله فيكون العبد في هذا المقام لا يشهد ذات موجدة من كونها موصوفة بالألوهة وإنما مشهده غناها عما تستحقه الألوهة من الآثار الكونية فيفتقر إليها افتقارا ذاتيا فهو في عبادته تلك صاحب عبادة ذاتية من غير اقتران أمر بها لأن الأمر إنما متعلقة الأمور العارضة لا الذاتية فلا يقال للعبد كن عبدا فإنه عبد لذاته وإنما يقال له اعمل كذا أيها العبد وعمله أمر عرضي والعمل متعلق الأمر من العبد وقد يعمل وقد لا يعمل وهذا المنزل يعطي جميع ما ذكرناه ويكون تنزيهه لذات موجدة بما يستحقه من الثناء الذي يليق بالكمال الذاتي‏

الطبعة والمصدر

طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

شارك هذه الصفحة