تجاوز إلى المحتوى
✦ الفتوحات المكية

[أن العارفين يعاملون المواطن بحسب ما تقتضيه‏]

فى معرفة منزل المجارات الشريفة وأسرارها من الحضرة المحمدية · الجزء الثاني — الصفحة 626

۞ قراءة النص

الجزء الثاني • الصفحة 626 • الباب 284

فى معرفة منزل المجارات الشريفة وأسرارها من الحضرة المحمدية

عرض صورة الطبعة الميمنية ↗الصفحات المقابلة في نسخة قونية: 5849 5850 5851 5852 5853 5854

إنما هي عبارات أحوال ونطق حال لا نطق مقال كما تقول الأرض للوتد لم تشقني فيقول لها الوتد سل من يدقني يعني الدقاق الذي يدق به الوتد وهذا لسان حال معلوم يضرب مثلا معروفا بين الناس ثم لتعلم بعد أن بينت لك هذا أن المسارع إلى الخيرات السابق لها إن كان يريد المشاهد الإلهية والعلوم الربانية فليكثر سهر الليل وليكثر فيه الجمعية دائما فإن لاحت له أنوار متفرقة يتخللها ظلمة ما بين كل نور ونور ولا يكون لتلك الأنوار بقاء تكون سريعة الذهاب فتلك أول علامات القبول والفتح فلا يزال تظهر له تلك الأنوار الشريفة بالمجاهدات والمسارعة فيها وإليها إلى أن يطلع له نور أعظم فإنه يكشف به الموانع التي تمنع الناس من نيل هذه العلوم ويكشف أسرارا في مقاماتها ليس فيه منها شي‏ء ولا هو موصوف بها فيكشف له عن أعماله التي كان عليها من أذكاره ورياضاته ومجاهداته قد أنشأها الله خلقا روحانيا فتسابق إلى أخذ تلك الأسرار كما يسبق هو بها فيأخذها وتكسو عاملها بها جزاء وفاقا له حيث كان سببا لوجود أعيان ذلك الخلق الذين هم عين أفعاله البدنية من نطق وحركة وكان الحضور أرواح تلك الصور العملية فيتصف العامل عند ذلك بالعلم بتلك العلوم والأسرار هكذا يشاهدها إذا أشهدها وقد يجد تلك العلوم من خلف حجاب الغيب ولا يطلع على الأمر كيف كان وهو كما ذكرنا قال القائل‏

جيش إذا عطس الصباح على العدي *** كانت إغارة خيله تشميتا

ويشاهد موافقات بين صورتك العلوم وبين صور هذه الأعمال من أجل انتظار الأذن الإلهي في ذلك فإن كان العامل ممن قد أراد الله أن يفتح له في الدنيا في حصول هذه الأسرار ورد الأذن الإلهي بذلك ففتح على هذا العامل في باطنه بعلوم شتى فيقال فلان قد فتح عليه وإن كان الله يريد أن يخبأ له ذلك إلى الدار الآخرة لمصلحة يراه له في منع ذلك لم تمكن صور الأعمال من خلع تلك العلوم على العامل لكن تلبسها الأعمال إلى أن ينقلب العامل إلى الدار الآخرة فيجدها مخبوءة له في أعماله فيلبسها خلعا إلهية فيقال في هذا العامل في الدنيا إنه ما فتح له مع كثرة عمله ويتعجب المتعجبون من ذلك لأنهم يتخيلون أن الفتح أمر لازم وكذلك هو أمر لازم تطلبه الأعمال وتناله ولكن متى يكون ذلك صفة للعامل هل في الدنيا أو في الآخرة ذلك إلى الله فإذا رأيت عامل صدق أو عرفت ذلك من نفسك ولم تر يفتح لك في باطنك مثل ما فتح لمن تراه على صورتك من العمل فلا تتهم فإنه مدخر لك واطرح عن نفسك التهمة في ذلك فلا تتهم ولا تجعل نفسك من أهل التهم وقل كما قلت في ذلك‏

ما أنا من أهل التهم *** ولا أنا ممن اتهم‏

وإنني إن قلت لا *** أقول من بعد نعم‏

ولا أقول عكس ذا *** فإنني بحر خضم‏

وإنني ابن حاتم *** بيت السماح والكرم‏

فكم لنا مآثر *** منصوبة مثل العلم‏

ليهتدي بضوئها *** في عرب وفي عجم‏

معلومة مشهورة *** مذكورة بكل فم‏

محبوبة مشكورة *** سارية وكم وكم‏

وما أحسن قول القائل في مثل ما قلت‏

وإني إذا أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادى ومنجز موعدي‏

وهذا من الكرم الإلهي أنه جعل مانعا في مقابلة الوعيد وإنفاذه وهو العفو والتجاوز ولم يجعل للوعد بالخير مانعا من اسم إلهي وإذا كانت حالة العبد من الكرم بهذه المثابة فالجناب الإلهي أحق بهذه الصفة وإنما نبهت على إنني ابن حاتم من أجل الكرم الذي جبلت عليه ولي فيه الأصل المؤثل مثل ما قيل‏

إن الجياد على أعراقها تجري‏

والأعراق هي الأصول جمع عرق وهو الأصل في لسان العرب و

[أن العارفين يعاملون المواطن بحسب ما تقتضيه‏]

اعلم أن العارفين يعاملون المواطن بحسب ما تقتضيه وغير العارفين ليس كذلك فالعارف إن أظهر للناس ما منحه به ربه من المعارف والأسرار لا يظهر ذلك إلا من أجل ربه لا على طريق الفخر على أبناء جنسه فحاشاه من ذلك كما

قال صلى الله عليه وسلم حين أمر أن يعرف الناس بمنزلته أنا سيد ولد آدم هذا الذي قيل له قل ثم قال من نفسه ولا فخر

يقول إني ما قصدت بهذا الكلام الفخر ولكن عرفتكم بالمقام الإلهي عن الأذن وأما إذا كان تعريف العارف منزلته للناس عن غير أمر إلهي ولا إذن رباني فإنه هوى نفس بتأويل ظهر له‏

الطبعة والمصدر

طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

شارك هذه الصفحة