الجزء الثاني • الصفحة 633 • الباب 286
فى معرفة منزل من قيل له كن وأبى ولم يكن من الحضرة المحمدية
من الوضوح لا يغيب عنه منها شيء في غاية الصفاء وفي هذا التجلي
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر
فمن بعض ما يريد بهذا التشبيه الذي وقع بالرؤية إدراك ذات القمر لضعف أشعة القمر أن يمنع البصر من إدراك ذاته والصحيح في ذلك أنه يريد به إذا كسف ليلة بدره فإنه عند ذلك يدرك البصر ذات القمر التي لا تقبل الزيادة ولا النقصان فهو إدراك محقق لذات القمر ثم قال في نفس الحديث أو كما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب وفي ذلك الوقت يكون نورها أقوى فتظهر الأشياء كلها بها فيدرك البصر كلما وقع عليه من الأشياء إدراكه حين كشفت له هذه الشمس وإذا أراد أن يحقق النظر إلى ذات الشمس في هذه الحالة لا يقدر فأوقع التشبيه أن هذا التجلي ليس يمنع أن يرى الناس بعضهم بعضا أي لا يفنى فلهذا أوقع التشبيه برؤية القمر ليلة البدر وبرؤية الشمس وما اقتصر على واحد منهما وأكد البقاء في هذا المشهد بقوله لا تضارون ولا تضامون من الضيم والضم الذي هو المزاحمة ومن الضير والإضرار ولما دخلت هذا المنزل وقع لي فيه التجلي في النور الذي لا شعاع له فرأيته علما ورأيت نفسي به ورأيت جميع الأشياء بنفسي وبما تحمله الأشياء في ذواتها من الأنوار التي تعطيها حقائقهم لا من نور زائد على ذلك فرأيت مشهدا عظيما حسيا لا عقليا وصورة حقية لا معنى ظهر في هذا التجلي اتساع الصغير لدخول الكبير فيه مع بقاء الصغير على صغره والكبير على كبره كالجمل يلج في سَمِّ الْخِياطِ يشاهد ذلك حسا لا خيالا وقد وسعه ولا تدري كيف ولا تنكر ما تراه فسبحان من تعالى عن إدراك ما تكيفه العقول وفضل إدراك البصر عليها لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فأظهر عجز العقول بهذا التجلي الذي أظهر به قوة الأبصار وفضلها على العقول وأظهر في تجليه في النور الشعشعاني عجز الأبصار وقوة العقول وفضلها على الأبصار ليتصف الكل
بالعجز وينفرد الحق بالكمال الذاتي فمن عاين هذا المنزل يرى من العجائب والآيات ما لا يمكن أن يحويه غيره وأول هذا المنزل عند دخولك فيه ترى نفسك مظهرا للحق فإذا رأيته تتحقق من نفسك أنه ليس هو وهو آخر هذا المنزل فيتضمن أوله هو مشاهدة ويخاطبك في هذا التجلي بأنه ليس هو فإنه من التجليات التي لا تفني عين المشاهدة فتجمع بين الرؤية والخطاب وآخر هذا المنزل يتضمن الهو وهو في الغيب من غير رؤية وهو متعلق نظر العقل فأول هذا المنزل بصري وآخره عقلي وما بينهما وهذا منزل يتضمن أيضا ما نذكره
[الأسرار التي منحه الله على العبد]
فاعلم إن الأسرار التي يمنحها الحق عبده من أهل هذه الطريقة على قسمين منها أسرار تعطيك بذاتها إن تظهرها في الأكوان من غير حرج في ذلك عليك ولا تحتاج في إظهارها للغير إلى إذن إلهي وأسرار لا تعطيك بذاتها هذا الحكم وهي على قسمين قسم منها تحتاج في إظهاره إلى إذن إلهي فإن أظهرته عن غير إذن قوبلت ووقع الحرج والجناح عليك في إظهاره وقد وقع لي مثل هذا ولكن بحمد الله قوبلت بالعتاب لا بالعقاب رحمة من الله بي وعناية وأسرار أخر لا يعطيها الحق لأحد بواسطة فلو طلبت الأذن فيها إذا أطلعك الحق عليها أن توصلها ما أذن لك فإنها أذواق لا تعرفها من غيرك بمجرد العبارة عنها فإنها مما ينفرد الحق بإيصالها من الحق إلى العبد كما يفعل بالأحوال فلو رام أحد أن يعبر عن الشوق الذي يجده إلى من اشتاق إليه ما أطاق ذلك ولا وصل إلى فهم الآخر منه شيء إلا أن يقوم الشوق به مثل ما قام بصاحبه فيعرف عند ذلك حقيقة مسمى هذا اللفظ وكذلك ما في معناه وكلذة الجماع التي حرمها العنين لا يتمكن لمن قامت به أن يوصلها بالتعريف إلى العنين وكذلك كل علم يتعلق بالحواس لا يمكن للعقل أن يصل إلى معرفته بنفسه ولا بالعبارة عنه إلا أن يحس به الآخر فالذي يختص بهذا المنزل معرفة الأسرار التي يتوقف إظهارها ممن قامت به وأعطيته على الأذن الإلهي ومعرفة الأسرار الإلهية المستورة خلف حجاب الصور التي لا تظهر إلا لمن كان على بينة من ربه في ذلك فإذا شهدت البينة لها عند العبد قبلها فلا يحتاج إلى شاهد مثل ما يحتاج في غيرها فإذا حصل العبد في هذا المقام ووهبه الحق من هذه الأسرار وهب تجل واطلع على أمور غامضة من العلم بالله سترها في نفسه وكتمها عن غيره وفاء بحق الأمانة وحفظها ومعرفة بقدرها ومنزلتها ويطلع على هذه الأسرار معنا من ينسب بعض الأفعال إلى غير الله من المعتزلة والفلاسفة وأهل الشرك الذين عبدوا غير الله مع عبادة الله فقد ينفردون في أوقات مع الله دون الشريك وذلك في أوقات الضرورات المهلكة التي يقطعون فيها إن آلهتهم لا تغني
طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

