تجاوز إلى المحتوى
✦ الفتوحات المكية

فى معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية

فى معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية · الجزء الثاني — الصفحة 650

۞ قراءة النص

الجزء الثاني • الصفحة 650 • الباب 290

فى معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية

عرض صورة الطبعة الميمنية ↗الصفحات المقابلة في نسخة قونية: 5954 5955 5956 5957 5958

وهو مما يشق على النفس وإذا أقيمت هذه الحضرة التي في هذا المنزل ممثلة في صور حسية يقام له توابيت على يمينه وتوابيت على يساره فالتوابيت التي على يمينه مملوءة درا وياقوتا وأحجارا نفيسة وحللا ومسكا وطيبا ومنها توابيت كبار وصغار وقيل له لا بد لك من حمل هذا إلى موضع معين إلى دار حسنة وروضة مورقة وقيل له إذا أوصلت هذه الأحمال إلى هذه الروضة كان أجرك عليها وعلى ما آلمك من ثقلها ما تحوي عليه هذه التوابيت كلها ولك هذه الدار التي وصلتها بجميع ما تحوي عليه من الملك وهي خمسة أنواع من التوابيت منها توابيت الأمر الواجب وتوابيت الأمر المندوب وتوابيت الأمر المبيح من حيث الايمان به وتوابيت النهي الواجب وتوابيت النهي المكروه ومن هذه التوابيت ما يختص بك ومنها توابيت تتعلق بغيرك وكلفت أنت حملها فكل خطاب شرعي يختص بذاتك لا تتعدى بالعمل فيه إلى غيرك فهو المختص بك وكل خطاب شرعي يختص بذاتك وتتعدى في العمل به إلى غيرك فذلك الذي يتعلق بغيرك وكلفت أنت حمله كالسعي على العيال وتعليم الجاهل وإرشاد الضال والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فهذه توابيت أصحاب اليمين فكما حملت ما هو لك ولغيرك في الدنيا كان لك أجرك وأجر غيرك في الآخرة ولا ينقص الغير من أجره شيئا إن كان مؤمنا وإن لم يكن مؤمنا مثل التكليف الذي يتعلق بك في معاملة أهل الذمة فلك أجرهم لو كانوا مؤمنين ولا أجر لهم ولهذا قيد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالعمل‏

فقال من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة

فالمؤمن لا ينقصه من أجره الأخروي شي‏ء والذمي يعطى أجره في الدنيا إما بمنفعة معجلة أو دفع مضرة معجلة يكون ذلك لهذا العامل في الآخرة محققا وقد يجمع له بين الدنيا والآخرة فيرى العامل ما تحمل تلك التوابيت من الأشياء النفيسة ومالها وقد حصل له البشرى بأنها له ملك إذا حملها بحيث يفنى في حبها والتعشق بها فيهون عليه حملها ويخف لحمل الهمة إياها فلا يجد فيها مشقة وهو حال تلذذه بالأذى وبما يحسن لأهل الذمة وآخر ينظر إلى ثقلها وهو المؤمن الذي لا كشف عنده إلا مجرد تصديق الخبر فيجدها ثقيلة المحمل فمنهم من يحملها بمشقة وكلفة لغلبة التصديق بما فيها وللحرص الشديد والطمع في أخذها وملكها لكون الآمر يحملها قال له هي لك في أجر حملك ومنهم من ثقلت عليه فأخرج منها جملة طرحها في الأرض ليخف عنه الثقل الذي يجده فلما خف حمله ببعض ما طرح منها حمل ما بقي وكلما طرحه من ذلك عاد ذلك المطروح حديدا ورصاصا ونحاسا وزيد في التوابيت التي على شماله والتوابيت التي أقيمت له على شماله كلها مملوءة حديدا ونحاسا وقطرانا وآنكا وشبه ذلك مما يثقل وتكره رائحته وقيل له هذه التوابيت يحملها على ظهرك على ترتيب ما قررناه في توابيت اليمين وتوصلها إلى دار ذات لهب وزمهرير وما تحوي عليه هذه التوابيت ملكك وهذا قوله تعالى ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وقوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة

وإن لم يحضر للمكاشف في هذا المنزل صورا نزلت على قلبه معاني مجردة عن المواد وعرف تفاصيلها والحق كل شي‏ء منها بمقامه ومحله ولم يجد لذلك كلفة ولا مشقة لأنه لا غرض له مع إرادة سيده منه فهو في عالم الانفساح والانشراح وإن ضعفت أجسامهم عن حمل بعض ما كلفوه فقد أمر أن لا يحمل إلا وسع نفسه النفس هنا عبارة عن إكمال الحس لأن النفس المعنوية لا كلفة عليها إلا إذا كانت صاحبة غرض فكلفت بما لا غرض لها فيه فلهذا لم يعذر الإنسان من حيث نفسه ويعذر من حيث حسه لخروج ذلك عن طاقته في المعهود ويتعلق بهذا المنزل طرف من العلم بنش‏ء الملائكة وإنهم من عالم الطبيعة مخلوقون مثل الأناسي غير إنهم ألطف كما إن الجن ألطف من الإنسان مع كونهم من نار من مارجها والنار من عالم الطبيعة ومع هذا فهم روحانيون يتشكلون ويتمثلون فلو كانت الطبيعة لا تقبل ذلك لما قبله عالم الجن وكيف ينكر ذلك ومعلوم قطعا إن الإنسان من عالم الطبيعة الكثيفة وفيه منها خزانة الخيال في مقدم دماغه يتخيل بها ما شاء من المحالات فكيف من الممكنات فكذلك الملائكة عليهم السلام من عالم الطبيعة وهم عمار الأفلاك والسموات وقد عرفك الله أنه اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وجعل أهلها منها وهو قوله وأَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ولا خلاف إن الدخان من الطبيعة وإن كانت الملائكة أجساما نورية كما إن الجن أجسام نارية ولو لم يكن النور طبيعيا لما وصف بالإحراق كما توصف النار بالتجفيف والذهاب بالرطوبات وهذا كله‏

الطبعة والمصدر

طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

شارك هذه الصفحة