تجاوز إلى المحتوى
✦ الفتوحات المكية

[كلما أضاء النهار للحركة وقعت الولادة للأشياء]

فى معرفة منزل صدر الزمان وهو الفلك الرابع من الحضرة المحمدية · الجزء الثاني — الصفحة 653

۞ قراءة النص

الجزء الثاني • الصفحة 653 • الباب 291

فى معرفة منزل صدر الزمان وهو الفلك الرابع من الحضرة المحمدية

عرض صورة الطبعة الميمنية ↗الصفحات المقابلة في نسخة قونية: 5966 5967 5968 5969 5970

بصيرا خرج عن صدره فرأى فالأسباب صدور الموجودات والموجودات كالقلوب فما دام الموجود ناظرا إلى السبب الذي صدر عنه كان أعمى عن شهود الله الذي أوجده فإذا أراد الله أن يجعله بصيرا ترك النظر إلى السبب الذي أوجده الله عنده ونظر من الوجه الخاص الذي من ربه إليه في إيجاده جعله الله بصيرا فالأسباب كلها ظلمات على عيون المسببات وفيها هلك من هلك من الناس فالعارفون يثبتونها ولا يشهدونها ويعطونها حقها ولا يعبدونها وما سوى العارفين يعاملونها بالعكس يعبدونها ولا يعطون حقها بل يغصبونها فيما تستحقه من العبودية التي هي حقها ويشهدونها ولا يثبتونها فما تسمع أحدا من الناس إلا وهو يقول ما ثم إلا الله وينفي الأسباب فإذا أخذته بقوله أو نزلت به نازلة شاهد السبب وعمي عمن أثبته وكفر به وآمن بما نفاه فإذا اتفق لبعض الناس أن تلك النازلة ما ارتفعت بهذا السبب الذي استند إليه وانقطعت به الأسباب حينئذ يكفر بها ويرجع إلى الله خالق الأسباب فلم يدر بما ذا كفر ولا بما به آمن ولم يدر ما معنى السبب ولا غيره إذ لو علم إن السبب لا يصح إلا أن يكون عنه المسبب لعلم أن السبب الذي استند إليه في رفعه لهذه النازلة لم يكن سببها بوجه من الوجوه إذ لو كان سببها لرفعها وإنما كان ذلك السبب في منعه رفع النازلة سببا في رجوعه إلى الله في رفعها فلم يزل في المعنى تحت تأثير الأسباب فإن الأسباب محال رفعها وكيف يرفع العبد ما أثبته الله ليس له ذلك ولكن الجهل عم الناس فأعماهم وحيرهم وما هداهم والله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بالروح الموحى من أمر الله ف يَهْدِي به من يَشاءُ من عِبادِهِ فقد أثبت الهداية بالروح وهذا وضع السبب في العالم فالوقوف عند الأسباب لا ينافي الاعتماد على الله ولهذا جعل سبحانه الأسباب مسببات لأسباب غيرها من الأدنى حتى ينتهي فيها إلى الله سبحانه فهو السبب الأول لا عن سبب كان به نعم سبب الكون المرتبة لا الذات وسبب المرتبة الكون فسبب الكون في الإيجاد المرتبة وسبب المرتبة في المعرفة الكون فافهم‏

[كلما أضاء النهار للحركة وقعت الولادة للأشياء]

فلما أضاء النهار للحركة وقعت الولادة للأشياء بها بها فطهرت الأعيان في عالم الحس غالبا وهبت الرياح في البحار فتلاطمت الأمواج وجرت السفن ورمت البحار ما فيها لتلاطم الأمواج ولما أظلم الليل للسكون سكنت الرياح وسكنت الأمواج وأمسك البحر ما فيه غالبا وظهرت الولادة في البرزخ فكانت الأحلام ورؤيا المبشرات والمفزعات كالصورة القبيحة والجميلة في صور المولدات في الحس من الأفعال والنشآت وأغلب وقوع هذا في صدر الليل وفي صدر النهار لأن الرياح لا نهب إلا بعد طلوع الشمس حينئذ تكون الرياح كما إن رياح النصر لا تهب إلا في صدر العشي وهو بعد الزوال ولهذا يستحب فيه القتال ولما كان الليل محلا للسكون والمسامرة ولا يبيت شخص إلا مع من يحبه ويسكن إليه غالبا ولا يسامر إلا من يأنس به لذلك كان الليل أصل المودة والرحمة حتى إن الذين تعذبهم الملوك لا تعذبهم إلا بالنهار غالبا وأما الليل فلا لأن المعذب يتعذب بالليل إذا عذب للسهر وعدم النوم والذي يلحقه فالليل زمان السكون والراحة والمعذب لا يريد أن يعذب نفسه فيترك العذاب إلى النهار الذي هو محل الحركة فأصل الود والمحبة موجود من الليل وضده موجود بالنهار ثم إن الغيبة أعني غيبة المحبوب عن المحب غيبة تعليم وتأديب لما تعطيه المحبة فإن المحب إذا كان صادقا في دعواه وابتلاه الله بغيبة محبوبه ظهرت منه الحركة الشوقية إلى مشاهدته فيصدق دعواه في محبته فيعظم منزلته وتتضاعف جائزته من التنعيم بمحبوبه فإن اللذة التي يجدها عند اللقاء أعظم من لذة الاستصحاب كحلاوة ورود الأمن على الخائف لا يقوي قوتها حلاوة الأمن المستصحب فهو يزيد به تضاعف النعيم ولهذا أهل الجنة في نعيم متجدد مع الأنفاس في جميع حواسهم ومعانيهم وتجليهم فهم في طرب دائمون فلهذا نعيمهم أعظم النعيم لتوقع الفراق وتوهم عدم المصاحبة ولجهل الإنسان بهذه المرتبة يطلب الاستصحاب والعالم يطلب استصحاب تجديد النعيم والفرق بين النعيمين حتى يقع الالتذاذ بنعيم جديد كما هو في نفس الأمر وإن لم يعرفه كل إنسان ولا شاهدته كل عين ولا عقل فهو متجدد مع الآنات في نفس الأمر وللجهل القائم بهذا الشخص لعدم مشاهدته التجديد في النعيم يقع الملل فلو ارتفع عنه هذا الجهل ارتفع الملل من العالم فالملل أقوى دليل على جهل الإنسان بالله في حفظ وجوده عليه وتجديد آلائه مع الأنفاس فالله يحققنا بالكشف الأتم والمشهد الأعم فما أشرف عين اليقين وما أسعد صاحب مشاهدة الأمور على ما هي عليه ولكن راعى‏

الطبعة والمصدر

طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

شارك هذه الصفحة