الجزء الثاني • الصفحة 669 • الباب 293
فى معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة وسبب ظهور عالم الغيب من الحضرة الموسوية
البدر خيف من اللصوص فينبغي إن يدخل الإنسان المدينة حذرا من اللصوص فكنت أفهم عنه من هذا الكلام أنه يريد أن النفوس إذا كان شهود الحق غالبا عليها محققة به وفيه عند من يدخل بساتين معرفة الله والكلام في جلاله على ضروبه وكثرة فنونه فشبه الحق بالبدر وشبه ما تحويه البساتين من ضروب الفواكه بما تحوي عليه الحضرة الإلهية من معارف الأسماء الإلهية وصفات الجلال والتعظيم وفهمت منه في المنام من قوله إذا غاب البدر وذلك شهود الحق في الأشياء والحضور معه والنية الخالصة فيه كان ظلام الجهل والغفلة عن الله والخطاء وخيف من اللصوص يريد الشبه المضلة الطارئة لأصحاب النظر الفكري وأصحاب الكشف الصوري فذكر ذلك خوفا على النفوس إذا اشتدت في الكلام على ما يستحقه جناب الحق فليدخل المدينة يريد فليتحصن من ذلك بالشرع الظاهر وليلزم الجماعة وهم أهل البلد فإن يد الله مع الجماعة ثم رأيته صلى الله عليه وسلم يتقلق قلقا عظيما بجميع أعضائه لعظيم ما هو فيه من السرور بما يتضمنه هذا المنزل من المعرفة وكانتا في الليل والبدر طالع حتى كان منه في النهار أرى البدر يضيء في كبد السماء وقائل يقول لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلق عظيم لما يرد عليه من الله ويشهده واستيقظت فقيدت الرؤيا في هذا المنزل واستبشرت بما رأيته لله الحمد على ذلك ويتضمن هذا المنزل علوما جمة وما من منزل إلا ويحتمل ما يحوي عليه من المعارف مجلدات كثيرة فقلت لأصحابى في هذه الليلة إنما أجعل من المنزل بعض ما يحوي عليه من المعارف مسألة من مسائله فسألني بعض أصحابي قال إذا كان الأمر على هذا فنبهنا على عدد ما يحويه من المسائل بذكر رءوس أصولها خاصة لنعرفها من غير تفصيل مخافة التطويل فقلت إن شاء الله ربما أفعل ذلك فبما بقي علينا من هذه المنازل في هذا الكتاب فكانت على هذه الليلة ليلة مباركة
[علم التجلي في النجوم]
فاعلم إن هذا المنزل يتضمن علم التجلي في النجوم على كثرتها في كل نجم منها في آن واحد برؤية واحدة وعلم تداخل التجليات وعلم تجلى التابع والمتبوع وهل يحصل للتابع ذوق من تجلى المتبوع أم لا فإن المتبوع إنما جاء يدعو إلى الله ما جاء يدعو إلى نفسه فقال تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله ولا نُشْرِكَ به شَيْئاً ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً من دُونِ الله وقال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا ومن اتَّبَعَنِي فجعل للتابع نصيبا في الدعاء إلى الله فكل علم يستقل به الإنسان من كونه عاقلا لا يحتاج فيه إلى غيره من رسول ولا دل عليه كالعلم بتوحيد الله وما يجب له وكذلك ما يحصل له من الفيض الإلهي في الكشف في خلواته وطهارة نفسه بمكارم الأخلاق فمثل هذا يكون له من التجلي مثل ما للمتبوع لأنه ليس بتابع إنما هو ذو بصيرة إما لدليل عقل سار أو لكشف محقق هو فيه مثل المتبوع وكل إنسان ما له هذا المقام وكان الذي عنده من العلم بالله أخذه إيمانا من المتبوع ومشى عليه ويكون ذلك العلم مما لا يمكن أن يحصل إلا على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو علم التقرب إلى الله من كونه قربة لا من كونه علما وكذلك الأعمال البدنية والقلبية على طريق القربة لا تعلم إلا من المتبوع فإذا كان التجلي في هذا المقام لصاحب هذا العلم فلا يلحق فيه التابع المتبوع أبدا فهو للمتبوع تجل شمسي وهو للتابع تجل قمري ونجومي فاعلم ذلك
[تجلى الحق لأهل الشقاء في غير الاسم الرب]
ومما يتضمنه هذا المنزل تجلى الحق لأهل الشقاء في غير الاسم الرب مع أن الله ما جعل الحجاب إلا في يومئذ مخصوصا وفي اسم الرب المضاف إليهم لا في إطلاق الاسم فهم في الحجاب في زمان مختص من اسم مضاف خاص بهم فلا يمنع تجليه في هذا الاسم الخاص لهم في غير ذلك الزمان وفي اسم الرب المطلق وفي غيره من الأسماء قال تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ فأضافه إليهم يومئذ لَمَحْجُوبُونَ فجعله زمانا معينا فافهم
[النعيم بالتجلي إنما يقع للمحبين المشتاقين]
ويتضمن هذا المنزل أنه ليس كل تجل يقع به النعيم وأن النعيم بالتجلي إنما يقع للمحبين المشتاقين الذين وفوا بشروط المحبة ويتضمن هذا المنزل بطون عالم الشهادة في الغيب فيرجع ما كان شهادة غيبا وما كان غيبا شهادة وهكذا ذهب إليه بعض العارفين في نشأة الآخرة إن الأجسام تكون مبطونة في الأرواح وأن الأرواح تكون لها ظروفا ظاهرة بعكس ما هي في الدنيا فيكون الظاهر في الدار الآخرة والحكم للروح لا للجسم ولهذا يتحولون في أية صورة شاءوا لغلبة الروحية عليهم وغيبية الجسم فيها كما هم اليوم عندنا الملائكة وعالم الأرواح يظهرون في أية صورة شاءوا ومن منازل أصحاب الكشف الذين أنكروا حشر الأجسام فإنهم أبصروا في كشفهم الأمر الواقع في الدار الآخرة ورأوا أرواحا تتحول في الصور كما يريدون وغيب عنهم ما تحوي عليه تلك الأرواح
طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

