الجزء الرابع • الصفحة 462 • الباب 560
فى وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ومن وقف عليها إن شاء الله تعالى
معهم في رحمته فهم القوم الذين لا يشقى جليسهم فكيف يشقى من كان الحق جليسه وقد ورد في الحديث الثابت أن الجليس الصالح كصاحب المسك إن لم يصبك منه أصابك من ريحه والجليس السوء كصاحب الكير إن لم يصبك من شرره أصابك من دخانه
وهو أنه من خالط أصحاب الريب ارتيب فيه وذلك لما غلب على الناس من سوء الظن بالناس لخبث بواطنهم وهنا فائدة أنبهك عليها أغفلها الناس وهي تدعو إلى حسن الظن بالناس ليكون محلك طاهرا من السوء وذلك إنك إذا رأيت من يعاشر الأشرار وهو خير عندك فلا تسيء الظن به لصحبته الأشرار بل حسن الظن بالأشرار لصحبتهم ذلك الخير واجعل المناسبة في الخير لا في الشر فإن الله ما سأل أحدا قط يوم القيامة عن حسن الظن بالخلق ويسأله عن سوء الظن بالخلق ويكفيك هذا نصحا إن قبلت ووصية إن قلت بها والذاكر ربه حياته متصلة دائما لا تنقطع إلا بالموت فهو حي وإن مات بحياة هي خير وأتم من حياة المقتول في سبيل الله إلا أن يكون المقتول في سبيل الله من الذاكرين فهي حياة الشهيد وحياة الذاكر فالذاكر حي وإن مات والذي لا يذكر الله ميت وإن كان في الدنيا من الأحياء فإنه حي بالحياة الحيوانية وجميع العالم حي بحياة الذكر فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت كذا مثله رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم وأما ما ادعيته أن الذاكر أفضل من الشهيد الذي لا يذكر الله فلما
صح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم في قوله أ لا أنبئكم أو كما قال بخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضرب رقابكم وتضربون رقابهم ذكر الله
فذكر ضرب الرقاب وهو الشهادة وذكر العبد ربه أفضل من قتل الشهيد وثبت عنه إن الذاكر حي
فخرج من ذلك أن حياة الذاكر خير من حياة الشهيد إذا لم يكن ذاكرا ربه عز وجل
(وصية)
وعليك بإقامة حدود الله في نفسك وفيمن تملكه فإنك مسئول من الله عن ذلك فإن كنت ذا سلطان تعين عليك إقامة حدود الله فيمن ولاك الله عليه
فكلكم راع ومسئول عن رعيته
وليس سوى إقامة حدود الله فيهم وأقل الولايات ولايتك على نفسك وجوارحك فأقم فيها حدود الله إلى الخلافة الكبرى فإنك نائب الله على كل حال في نفسك فما فوقها وقد ورد الحديث الثابت في الذي يقيم حدود الله والواقع فيها فمثلهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم بقوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين أسفلها إذا استقوا مروا على من فوقهم فقالوا إنا نخرق في نصيبنا لا نؤذي من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا
فإذا خطر لك يا وليي خاطر يأمرك بالخير فذلك لمة الملك ثم يأتي بعد ذلك خاطر ينهاك عن ذلك الخير إن تفعله فذلك لمة الشيطان ولا تعرف الخير والشر إلا بتعريف الشرع وإذا خطر لك خاطر يأمرك بفعل الشر فذلك لمة الشيطان فإذا أعقبه خاطر ينهاك عن فعل ذلك الشر فذلك لمة الملك وأنت السفينة إن انخرقت هلكت وهلك جميع من فيك فعليك بعلم الشريعة فإنك لن تعلم حدود الله حتى تقوم بها أو تعرف من يقع فيها ممن قام بها إلا أن تعلم علم الشريعة فيتعين عليك طلب علم الشريعة لإقامة حدود الله
(وصية)
وعليك بالصدقة فإن الله قد ذكر الْمُتَصَدِّقِينَ والْمُتَصَدِّقاتِ وهي فرض ونفل فالفرض منها يسمى زكاة والنفل منها يسمى تطوعا وبالفرض منها يزول عنك اسم البخل وبصدقة التطوع منها تنال الدرجات العلى وتتصف بصفة الكرم والجود والإيثار والسخاء وإياك والبخل ثم إنه عليك في مالك حق زائد على الزكاة المفروضة وهو إذا رأيت أخاك المؤمن على حالة الهلاك بحيث إنك إذا لم تعطه من فضل مالك شيئا هلك هو وعائلته إن كانت له عائلة فيتعين عليك إن تواسيه إما بالهبة أو بالقرض فلا بد من العطاء وذلك العطاء صدقة حتى إني سمعت بعض علمائنا بإشبيلية يقول في حديث هل على غيرها يعني في الزكاة المفروضة قال لا إلا أن تطوع قال لي ذلك الفقيه فيجب عليك فاستحسنت ذلك منه رحمه الله وإنما سمي الله الإنسان متصدقا وسمي ذلك العطاء صدقة فرضا كان أو نفلا لأنه أعطى ذلك عن شدة لكونه مجبولا على البخل فإن الله يقول فيه وإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً فقال صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم في فضل الصدقة وزمانها إن تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وتأمل الحياة والغني يقول الله تعالى ومن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون لأن الإنسان إذا كان له مال ويأمل الحياة فإنه يخاف أن يفتقر ويذهب ما بيده من المال بطول حياته لنوائب الزمان وأمله بطول حياته فيؤديه ذلك إلى البخل
طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

