تجاوز إلى المحتوى
✦ الفتوحات المكية

فى وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ومن وقف عليها إن شاء الله تعالى

فى وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ومن وقف عليها إن شاء الله تعالى · الجزء الرابع — الصفحة 468

۞ قراءة النص

الجزء الرابع • الصفحة 468 • الباب 560

فى وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ومن وقف عليها إن شاء الله تعالى

عرض صورة الطبعة الميمنية ↗الصفحات المقابلة في نسخة قونية: 10490 10491 10492 10493 10494

إيعادك ولكن سم إخلاف إيعادك تجاوزا حتى لا تتسمى بأنك مخلف ما أوعدت به من الشر وهذه شبهة المعتزلة وغاب عنها قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وما تواطئوا عليه أعني الأعراب إذا أوعدت أو وعدت بالشر التجاوز عنه وجعلت ذلك من مكارم الأخلاق فعاملهم الحق بما تواطئوا عليه فزلت هنا المعتزلة زلة عظيمة أوقعها في ذلك استحالة الكذب على الله تعالى في خبره وما علمت إن مثل هذا لا يسمى كذبا في العرف الذي نزل به الشرع فحجبهم دليل عقلي عن علم وضع حكمي وهذا من قصور بعض العقول ووقوفها في كل موطن مع أدلتها ولا ينبغي لها ذلك ولتنظر إلى المقاصد الشرعية في الخطاب ومن خاطب وبأي لسان خاطب وبأي عرف أوقع المعاملة في تلك الأمة المخصوصة يقول بعض الأعراب في كرم خلقه وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى ومنجز موعدي لكن لا ينبغي أن يقال مخلف بل ينبغي أن يقال إنه عفو متجاوز عن عبده‏

(وصية)

وعليك بالبذاذة فإنها من الايمان وهي عدم الترفه في الدنيا وقد ورد قوله اخشوشنوا وهي من صفات الحاج وصفة أهل يوم القيامة فإنهم شعث غير حفاة فإن ذلك كله أنفى للكبر وأبعد من العجب والزهو والخيلاء والصلف وهي أمور ذمها الشرع وكرهها وهي مذمومة في العرف عند الناس وعند الله ولذلك جعل النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم البذاذة من الايمان وألحقها بشعبه‏

فإن النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم يقول الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق‏

ولا شك أن الزهو والعجب والكبر أذى في طريق سعادة المؤمن ولا يماط هذا الأذى إلا بالبذاذة فلهذا جعلها رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم من الايمان‏

(وصية)

وعليك بالحياء فإن الله حيي والحياء من الايمان والحياء خير كله وإن الله يستحي من ذي الشيبة يوم القيامة فإن العبد إذا اتصف بالحياء من الله ترك كل ما لا يرضى الله وما يشينه عند الله تعالى وعند رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم والحياء معناه الترك قال الله تعالى إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي يقول إن الله لا يترك أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها في الصغر لقول من ضل بهذا المثل من المشركين الذين تكلموا فيه فإن الله قال يُضِلُّ به أي بهذا المثل كَثِيراً ويَهْدِي به كَثِيراً وما يُضِلُّ به إِلَّا الْفاسِقِينَ فإنهم حاروا فيه والضلالة الحيرة ورأوا عزة الله وجلاله وكبرياءه وحقارة البعوضة في المخلوقات فاستعظموا جلال الله أن ينزل في ضرب المثل لعباده هذا النزول وذلك لجهلهم بالأمور فإنه لا فرق بين أعظم المخلوقات وهو العرش المحيط وبين الذرة في الخلق والبعوضة وإخراجها من العدم إلى الوجود فما هي حقيرة إلا من صغر جسمها إذا أضفته إلى ذي الجسم الكبير بل الحكمة في البعوضة أتم والقدرة أنفذ فإن البعوضة على صغرها خلقها الله على صورة الفيل على عظمه فخلق البعوضة أعظم في الدلالة على قدرة خالقها من الفيل لأهل النظر والاعتبار ولهذا لم يصف نفسه بالحياء في ذلك لما فيها من الدلالة على تعظيم الحق ثم إن مواطن الحياء التي في الإنسان كثيرة فإن الحياء صفة يسرى نفعها ممن قامت به في أكثر الأشياء ولهذا قال الحياء خير كله والحيا لا يأتي إلا بخير وهو أن لا يفعل الإنسان ما يخجل فيه إذا عرف منه بأنه فعله وقد علم المؤمن أن الله يعلم ويرى كلما يتحرك فيه العبد فيلزمه الحياء منه لعلمه بذلك ولإيمانه أنه لا بد أن يقرره يوم القيامة على ما عمله فيخجل فيؤديه ذلك إلى ترك العمل فيه وذلك هو الحياء فمن هنا لا يأتي إلا بخير والله أحق أن يستحيي منه‏

(وصية)

وعليك بالنصيحة على الإطلاق فإنها الدين‏

خرج مسلم في الصحيح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم أنه قال الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم‏

واعلم أن النصاح الخيط والمنصحة الإبرة والناصح الخائط والخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصا أو ما كان فينتفع به بتأليفه إياه وما ألفه إلا بنصحه والناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله وبين ما فيه سعادتهم عند الله ويؤلف بين الله وبين خلقه وهو قوله النصيحة لله وفيه تنبيه في الشفاعة عند الله إذا رأى العبد الناصح أن الله يريد مؤاخذة العبد على جريمته فيقول لله يا رب إنك ندبت إلى العفو عبادك وجعلت ذلك من مكارم الأخلاق وهو أولى من جزاء المسي‏ء بما يسوؤه وذكرت للعبد أن أجر العافين عن الناس فيما أساءوا إليهم فيه مما توجهت عليهم به الحقوق على الله فأنت أحق بهذه الصفة لما أنت عليه من الجود والكرم والامتنان ولا مكره لك فأنت أهل العفو والتكرم بالتجاوز عن هذا العبد المسي‏ء المتعدي حدودك عن إساءته وإسبال ذيل الكرة عليه‏

الطبعة والمصدر

طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

شارك هذه الصفحة