الفصل الثاني في البراهين العقلية على وجود الواجب
اعلم أن جمهور العارفين اقتصروا على الأدلة الكشفية ، أي الضرورية الوجدانية ؛ لرفع الحجب الظلمانية ، وبالمجاهدة التي مقدمة الهداية في قوله عزّ وجل : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، وبالتقوى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] ، وبكمال التوجه إلى اللّه تعالى ، ولم يرتبوا المقدمات النظرية ؛ لما أنها توقع أهلها في الحيرة المذمومة بإثارة الشبهات المظلمة ؛ إلا من عصمه اللّه بالقوة القدسية والملكات الملكية ، المؤيدة للقوة الحدسية ؛ إلا أن العامة لما بالغوا في الإنكار عليها ، وزعموا أن فيها القطع ببطلان جميع الأحكام - العقلية والحسية والفطرية الغريزية - عقيب المجاهدات الجزافية ؛ فمنشأها استحكام سوء المزاج في موضوعات القوة النفسانية ، وإحراق المواد الصالحة المثيرة للوساوس الخيالية ، واستيلاء المرّة السوداوية ، وغلبة الجنون والمياليخوليا ،
وكان ذلك موقعا لهم في الشرك الخفي ، وسببا لخوف سوء الخاتمة ، كما نقله الغزالي عن بعض العارفين ، ودل الحديث النبوي على أنهم أهل العزة باللّه ؛ وجب إيراد تلك المقدمات ورفع ما يستدرجهم من الشبهات ؛ لعلهم يقفون عن الإنكار ، أو ينقلبون إلى الإبصار .
فنقول : هاهنا مقامان : أحدهما في تحقق الوجود المطلق ، والثاني وجوبه بالذات .
المقام الأول :
اعلم أن تحقق الوجود عن الأفكار أظهر من تحقق النور الحسي عند الإبصار ؛ لكن شدة ظهوره عكست فيه الأمر إلى ضده ، كما أن نور الشمس لما بلغ غاية الإشراق ؛ ظن بعض الخلائق أنه ليس وراء الألوان شيء وراءه ؛ لكن غروب الشمس ظل ضروريا بين محل الظل وموقع الضياء ، وليس كذلك الوجود الذي هو نور الأنوار ؛ لدوام حضوره مع الأشياء على نسق واحد ، فأنكر كثير من مهرة النظار تحققه في الخارج ، وزعموا أن ليس فيه إلا الماهيات ، وإنما هو من المعقولات الثانية والاعتبارات العقلية المحضة ، وكل ذلك لكون النهاية تشبه البداية ؛ لا متناع التحقق ورائها وامتناعه دونها ، والامتناعان يتحدان في تحققه ويختلفان في النسبة ، فلم يكن بد من كشف ما اشتبه عليهم .
فنقول : لا شك أن لكل ماهية وجدت تحققا مطلقا ، فالتحقق إما عينه أو جزؤه ، فظاهر ؛ لأنه لا يكون مجرد أمر اعتباري ، وإما زائد ، فلا شك أن قوام التحقق المقيد ضرورة أن الضد وصف لا يقوم بذاته ، فأما أن يقوم بالتحقق المطلق أو المقيد والثاني بين البطلان ؛ فتعيّن الأول وما به قوام المحقق أولى بأن يكون محققا ، وإن كان القيد اعتباريا فالمتحقق هو المطلق ، وإن كان منع ثبوت التحقق للماهية ؛ كانت الخارجية عين الذهنية ؛ إذ الذهني أولى بأن يكون اعتباريا . على أن التحقق لو كان اعتباريا ؛ فالكل اعتباري ، حتى المعتبر على أن ثبوته مدرك بالضرورة ، فمنعه مكابرة . قيل لو ثبت لكل ماهية تحقق لكان لنسبته إليها تحقق ، وبينها نسبة محققة وتسلسل .
قلنا : إن لم تكن موجودة ، فظاهر وإن كانت ، فالنسبة الثانية عين حصوله لها .
قيل : إن ثبت لها فصفة لا تستقل ، وإلا تتأخر لثبوتها ، فلا يثبت لها ، ثم أن يكون كيفية يتقدم عليها محلها ويصير أعم منه ؛ على أنه حين إذ يقوم بها فيفتقر إليها .
قلنا : ما ليس بجوهر قد لا يكون عرضا ، والكيفية عرض ، فليس معنى القيام الافتقار ، فإن الصورة لا تفتقر إلى الهيولي .
قيل : تحقق الحادث المعدوم الآن ليس بحاصل ؛ وإلا تحقق حين لا تحقق له ، فإذا حصل يقال حصل تحققه بعد ما لم يكن ، فالتحقق من حيث هو غير حاصل .
قلنا : ليس بحاصلة ، وهي حاصلة لنفسه ، والإلزام سلب الشيء عن نفسه ، والحاصل بعد ما لم تكن مقارنته .
قيل : تحقق الماهية ثابتة ، فلو ثبت المطلق تعدد في ما وجد ، وفيه تحصيل الحاصل .
قلنا : إن أريد بتحقق الماهية امتيازها ؛ فظاهر أن التحقق واحد ، وإن أريد موجوداتها ؛ فهي للماهية بالوجود ، وله بنفسه ؛ على أن التكرار إنما هو بالنسبة إلى أمر واحد ، وهنا أمران .
قيل : يصدق على الاعتبارين ، ويمتنع كونها جزئيات جزئيات الحقيقي .
قلنا : إذا كان في الخارج والصادق عليهما وهمي .
قيل : لو كان حقيقيّا تكثر الواحد ؛ لأن تحقق الشيء في نفسه غير تحققه في مكانه أو زمانه أو حاله .
قلنا : ممنوع ، وإنما تكثر الإضافات .
قيل : لو تعين بنفسه انحصر في الواحد والكثرة مشاهدة ما هو كلي ، لا يفيد ضمّه جزئية الماهية الكلية ، فيتحقق في الخارج ، فهو كسائر الكليات الاعتبارية ، فلا بدّ لتحققها من انضمام التعين أو ملزومها إليها ، فهو الوجود العيني لها ، والتعين اعتباري ؛ لأنه انضمام المشخص وهو ذهني ؛ إذ لو كان خارجيّا لم يضم إلى الماهية الذهنية الكلية في الخارج ، وكذا ملزومه ؛ لأن الاعتباري لا يلزم الحقيقي ، وإلا امتنع تحققه بدون اعتباره ، والحقيقي متحقق بدون المعتبر .
قلنا : متعين بنفسه ، والتكثر إنما هو للماهيات وتعينها ؛ إما بنفسها بشرط اتصافها بالوجود ، أو بأسباب خارجية ، وإن لم يتعين بنفسه ؛ فيجوز أن يكون العيني لها طبيعة متعينة ، أو من حيث هي من الكلي والجزئي ، لا نفس التعين ولا ملزومه .
المقام الثاني :
فيه طرق : الطريق الأول : إن الوجود المشترك بالمعنى بين كل موجود بالذات لا يقبل العدم ، فمطلقه المحيط واجب .
أما الاشتراك فيه فبديهي ، ولو عند تصوره بالوجه أو بالفكر ؛ لكن لغاية وضوحه اشتبه أمره ، فجعل عين الماهيات ، فتنبه بأنه يبقى اعتقاد الوجود مع زوال اعتقاد الخصوصيات .
قيل : يزول اعتقاد وجود خصوصية بوجود أخرى ، فأين يبقى المشترك بينهما ؟
قلنا : نحن نجد أن متعلق اعتقاد الباقي هو معنى الوجود - وإن لم يوضع له لفظ قط .
قيل : لا يزول اعتقاد وجود الشيء لو اعتقد أنه نفس الوجود ، ثم أنه جوهر ، ثم أنه عرض فلا ، فللوجود وجود ويتسلسل .
قلنا : الوجود عينه في الحقيقة ، غيره بالاعتبار ، وينقطع التسلسل بقطعه ، وكونه زائدا في صورة ، لا يستلزم زيادته في أخرى .
قيل : فيشترك بين نفسه وغيره .
قلنا : يلغي المغايرة الاعتبارية ، وأيضا أن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن ، والمورد مشترك . قيل : الاشتراك لفظي ، وجاز العالم إما ممكن أو واجب ، والمورد نفسه الماهية .
قلنا : قسمته عقلية لا تتوقف على وضع تعليليه معا ، بأن وجوده إن حصل من ذاته فواجب ، أو من غيره فممكن ، ومنع التعليل بتقدير عينية الوجود ؛ لامتناع أن يقال الهوية الخاصة إن اقتضت نفسها لذاتها فواجبة ، وإلا فممكنة ؛ إذ لا معنى له مكابرة لصحته بالضرورة ، والماهية المطلقة ، إنما تنقسم بانضمام مقسم ، فإن ضم إليها الوجود فلا بدّ من بقائه مع قسيمها ، وهو استمرار الوجود ، فاشتراكه يستلزم الوجود ، ولا ينقصان بالماهية والشخص لاشتراك مطلقيهما ، وأيضا بأن الشيء ينحصر في الموجود والمعدوم ، والعدم عام ، فكذا مقابله ، وإلا انحصر بين عام وخاص .
قيل : رفع هوية خاصة والحصر بينه وبين ثبوتها . قلنا : يفهم الجمهور العموم ، لا يقال : إن وجد الرفع العام في سائر الهويات اجتمع فيه النقيضان ؛ وإلا امتنع صدق رفع شيء غير تلك الهوية ؛ لأنا نقول : هو ، وإن كان علما بحسب الهويات ؛ لكن لا تتحقق له من حيث هو ، بل بشيء من الإضافات ، وعورضت هذه الشبهات بأدلة عينية وجود للماهيات ، فمنها إن زاد فالماهيات من حيث هي معدومة ، فيلزم اتصاف الموجود بالمعدوم .
قلنا : من حيث هي لا تتصف بهما ، بل ينضمان إليها انضمام السواد والبياض بالجسم ، ومنها أن الصفة الثبوتية للشيء فرع ثبوته في نفسه بالضرورة ، فيكون لها قبل وجودها وجود ، فيتقدم على نفسه ويتسلسل .
قلنا : الضرورة في صفة وجودية هي غير الوجود ، ومنها لو زاد لكان وجودا .
قلنا : ثبوت الشيء لنفسه ليس أمرا زائدا عليه ، وأما امتناع العدم على الوجود ، هو أيضا بديهي ؛ لكن لما ذكر نبه عليه بأن قبوله العدم إما لعروضه له فيلزم اتصاف أحد النقيضين بالآخر ، أو لا فيلزم انقلاب طبيعة إلى طبيعة أخرى ، وبطلانها ضروري .
قيل : المراد إمكان انتفائه . قلنا : امتنع إمكان كون الانتفاء ؛ لامتناع كون المحال ممكنا . قيل : لا يمتنع اتصاف أحد النقيضين بالآخر ؛ وإنما الممتنع حمل أحدهما على الآخر ، بل خارجا عنه قابلا له ولما يقابله ، فامتناع ثبوته لنفسه مع امتناع قبولها له ولمّا يقابلها ؛ أظهر وأجل ، فإنه إذا امتنع مثلا حمل الأسود على ذات الأسود القابلة للسواد ، فامتناع ثبوته لنفس الأسود أولى ؛ على أن منع استحالة اتصاف أحد النقيضين بالآخر مكابرة .
قيل : الاشتراك يستلزم العموم المنافي للوجود لا متناعه في الخارج ، ويستلزم الأفراد المنافية للتوحيد .
قلنا : ما يقال عليه ليس من الأفراد ، بل الكل واحد واجب بالذات كثير بصفات ممكنة زائدة على الذات ، فاشتراكه باعتبار إضافته إلى الماهيات ، وتعدده باعتبار ظهوره فيها ، فليس عاما لتحققه ضرورة تحقق الكل به ، ولا خاصّا بقيد اعتباري كالتجرد عن الماهية ؛ وإلا قبل العدم عند عدم اعتباره ، ولا يقيد وجودي ؛ لأنه إن كان كالصورة تركب الواجب ، أو كالفرض فلا يكون لازما لنفس طبيعته ؛ لامتناع تقيد الشيء به كنفسه لوجوده ؛ حيث يوجد الشيء فهو عام فيعم القيد أيضا ، فيكون مقارنا ، فيستند إلى مباين ؛ إذ لو استند إلى لازم لزم القيد ، فيكون مفارقا ، ولزم التسلسل في الأمور المترتبة بين حاصرين الذات والقيد ، والقيد المحض .
قيل : إنما لا يقبل المطلق العدم لو كان ذات المقيد ، وذلك باطل لصحة حمل المطلق عليه ، مع امتناع حمل أحد الذاتين على الأخرى ، فالحقيقة الواجبة طبيعة خاصة ملزومة للمطلق .
قلنا : هي غير معقولة ؛ لأنها إن كانت ذات أفراد ذهنية ، فلو وجد منها فرد وامتنعت الباقية وكلها ممكنة ؛ فوجوب البعض وامتناع البواقي بالغير ؛ إذ ما بالذات لا يزال بالغير ، وإن لم تكن ذات إفراد ، فإن كانت مغايرة لحقيقة الوجود المطلق ، فلا تكون موجودة وإلا تركب مع الوجود ، فهي إما في ماهية حقيقة ، فيلزم قيام الوجود الواجب بها ، وهي غيره فتحتاج إلى الغير وتكون فاعلة له ، وإلا كان وجود الواجب من غيره .
وقال أيضا : وعلة لوجوده فيتقدم عليه بالوجود ، على أنه لو جاز تأثيرها في تحققها ، جاز في تحقق العالم بلا وجود ، بأن تكون قبل الوجود علة حلولها في العقل الأول ثم لوجوده ، وكذا لما تحته من غير أن يحصل لها وجود فيسند إثبات وجود الصانع الواجب تعالى ، وجاز أيضا أن يكون ماهية كل شيء علة لوجوده من غير أن يؤثر فيه الواجب تعالى ؛ أما إذا كانت بسيطة فلأن ماهيته تعالى لما كانت بسيطة اقتضت وجودها ؛ فكذلك كل بسيط ، وأما إذا كانت مركبة ؛ فلأن ماهية الجزء والصورة والهيئة الاجتماعية يجوز كونها علة الاجتماع ، فيحصل ماهية المجموع ، وهي علة لوجود نفسها أو لوجود الأجزاء ،
وهي بشرط الإجماع فتصير علة لوجود نفسها أو لوجود الأجزاء ، وانعدام الحوادث ؛ لانعدام الشرائط والأمور المعدة التي يقتضي وجودها ، فتسقط أدلة وجود الواجب ؛ إما بشيء من الأمور العقلية التي لا تقبل الوجود ، فيلزم مع احتياج الواجب إلى الأمر العقلي ، وكونه قابلا وفاعلا وعلة للوجود - لا بشرط الوجود - أن يكون مبدأ الوجود العيني أمرا عقليّا يمتنع تحققه في الخارج ؛ فأنى يكون واجبا ملزوما للوجود ، وإذا لم تكن الطبيعة الملزومة مغايرة لحقيقة الوجود المطلق ؛ لزم امتناع استلزام الوجودات الممكنة للحقيقة المطلقة ، امتناع استلزامها للواجبة ، أو وجوب استلزام الوجودات الخاصة للمطلقة ، مع امتناع استلزام حقائق الممكنات للواجبة .
قيل : البطلان ممنوع ، فإنه عين المذهب .
قلنا : بين الاستحالة لامتناع اجتماع المتماثلين ، وكون أحدهما حالا في الآخر ، ومخصوصا باللازمية ، من غير أن يكون هناك فارق ، والفرض ألا مغايرة ، والمذهب أن لا تحقق للممكنات ، بل المتحقق واحد مع صفات زائدة .
قيل : ملكك تشكيل حقيقة غير مشكك ، فاستلزام الممكنات للمطلق بحقيقة غير حقيقة الواجب ، مع اشتراكهما في هذا العارض .
قلنا : وجود المختلفات غير قابل للعدم ، لما مرّ ، فلو وجد آخر تعدد الواجب ، والقائل بالتشكيك ينكره بالكلية ، والاستدلال على التشكيك - بإثبات الأولوية والأقدمية والأكملية والأشرفية - مبني على ثبوت الطبيعة الملزومة ، فإنما هي من لواحق الوجود بالقياس إلى الماهيات بقلة الوسائط وكثرتها مثلا ، على أن لنا في إبطال الطبيعة الملزومية أنها مغايرة لمفهوم كل تعيين ؛ لافتقاره إلى موضوع ، وهو ينافي الوجوب الذاتي ، فيكون أفراد ممكنه ضرورة أنها كلية بحسب العقل ، فلو وجد منها فرد وامتنعت البواقي ؛ كان بالغير ، فإن امتنعت الملازمة بكونها مطلقة أو مفروضة له ؛ لزم المطلوب لو لم يتوقف على الموضوع .
قيل : المغايرة ممنوعة أن يوجد تعيّن لا يستدعي تحقق موضوع ، بل يكون نفس الطبيعة وإطلاق التعين عليه ، وعلى غيره بالتشكيك أو الاشتراك اللفظي . أجيب بأنه بيّن في الحكمة أن مفهومه واحد ، لا يختلف إلا بالإضافات إلى الموضوعات ، فلا بدّ له من
الموضوع .
قيل : صحة هذا الدليل يمنع كون الواجب نفس المطلق ؛ لأنه إن كان ذا أفراد عقلية ، وقد استحال وجود الجمع ، وأن يوجد فرد ، فوجود بعضها وامتناع الآخر إنما هو بالغير وإلا ، فإن غايرت الوجودات الخاصة فحمله على المطلق ، وعليها بالاشتراك اللفظي ، وهي خلاف المتيقن المتعين ؛ وإلا اتصفت الممكنات بالوجوب الذاتي .
قلنا : هي بالحقيقة نفي للوجوب الواجب ، وإنما يتصف بالإمكان ماهياتها ، فليس المطلق مغايرا للواجب ؛ وإلا لم يكن قائما بنفسه ممتازا بها بل بالوجوب .
قيل : نعم بالضرورة إنها من أفراد المطلق كالواجب .
قلنا : لا تسمع دعوى الضرورة في محل النزاع ؛ على أنه إن أريد بالممكن معروض شيء من التعينات والصفات - من غير اعتبارها معه - فهو الواجب ، أو شيء منها من غير اعتباره ، فليس من أفراد المطلق بالواجب ؛ لأن ما لم يوجد بنفسه أو المجموع فلا يمكن وجوده ، فليس من أفراد ما وجد ؛ لأن ما يتألف من الوجود الواجب بنفسه أو المجموع ؛ فلا يمكن وجوده بالذات ، والموجود بالعرض لا يتحقق بالذات ؛ لامتناع تحقق جزئه بالذات ، فيمتنع تحقق المتقوم به بالذات ، فامتنع الأفراد الذهنية التي وجودها بالذات ، فيمتنع كونه من أفراد الموجود بالذات ، أو أريد المعروض من حيث هو كذلك ، فالكل موجود ؛ واحد بالذات كثير بحسب الصفات ، ممكنة زائدة على الذات ، ضرورة على أن لا ذات إلا للوجود الواحد بالذات ، فليس للمطلق أفراد ذهنية يختلف بالوجوب والإمكان والامتناع .
قيل : الممتنع في الخارج وجوده الذهني من أفراد المطلق كالواجب ، فله أفراد متنافية فيه بالضرورة .
قلنا : الذهني هو العيني بالحقيقة ، ومغايرته بالاعتبار ، فيجب بالذات ويمتنع بالإضافة إلى ماهية الممتنع ؛ فإن المعاني العقلية إنما يعرض الوجود العيني في بعض مراتبه .
قيل : إنما يحصل في القول المعقول الدالة ، فكيف يكون وجودها عين الخارجي ؟
قلنا : الاختصاص بالمعقول إنما هي للموجودية العارضية للمعاني الموجودة ، وكلامنا في الموجود بالذات حمل للمعاني ؛ على أنه إن أريد معروض هذه الاعتبارات من
غير اعتبارها معه ، فهو الواجب بالذات أو العارض ، فليس عن أفراده أو المجموع ، فلا يجب بالذات ، فما يمتنع في الخارج ليس من أفراد المطلق ، وما يمكن راجع إلى نفسه .
قيل : لو أبين بعين المطلق بالوجوب الذاتي تقيد به .
قلنا : أمر عقلي لا يخرجه عن الإطلاق الحقيقي .
قيل : مر أنه لا يتقيد بالعدمي أيضا .
قلنا : الكلام فيما يجب ثبوته له من حيث إطلاق المنافي للقيود كلها ، ومنها فيما يجب التعقل ، فتأمل على أنا نبطل الطبيعة الملزومة أيضا ، بأن حقيقتها إنما يجب لذاتها أو لزمها الوجود لذاتها ، لكن فيه نفس الوجود من البسائط لا يلزمه الوجود بالذات لكونه خارجا فيمكن تعقله بدونه ، فنسبة الوجود والعدم مع قطع النظر عن الغير إليه على السوية ، فيكون ممكنا لذاته ، فلا يلزمه الوجود لذاته .
الطريق الثاني : لو لم يكن الوجود واجبا لذاته ؛ لكان إما ممكنا ويفتقر تحققه إلى علة تتقدمه بالوجود ، على أنه يكون وجود الواجب ممكنا ، وإلا منقسما إليها ، وموارد القسمة لا تتحقق في الخارج إلا بأقسامه ؛ لكن أقسام الوجود لا تتحقق أصلا إلا به فيدور .
الطريق الثالث : طبيعة الوجود حاصل للواجب ، فإن كانت غيره لافتقر وجود الواجب إلى الغير ، وإلا فإن كانت مطلقة كان المطلق واجبا ، وإن كانت خاصة كان معها المطلق ، فإن وجب فذاك ، وإلا افتقر الخاص بافتقاره إلى علة ، ولو وجب فشرطه لم يجب بذاته ، فلم يجب الخاص أيضا لتقومه مما لم يجب لذاته .
الطريق الرابع : الوجود لا حقيقة له زائدا على نفسه ، وإلا تصورت دونه وبطلانه بالضرورة ، فهو واجب ، وإلا أمكن تجرده .
قيل : ينتفي بإبقائها .
قلنا : ارتفاع الحقائق يستلزم قبلها ، على أنه يستلزم جواز ارتفاع حقيقة الواجب .
الطريق الخامس : كل شيء يحتاج في تحققه إلى الوجود ، فلو احتاج إلى وجوده المحتاج إلى الواجب والمطلق ؛ لا يتقيد بالاحتياج وعدمه ، بل يحتاج إلى الإفراد لكونه كليّا .
قلنا : الاحتياج إلى الخاص احتاج إلى المطلق ، وعدم التقيد إنما يتأتى لو انقسم ويمنع كونها كليّا ، واحتياج كل كلي إلى الأفراد بل الطبائع الممكنة إنما احتياجها في
ظهورها في الشهادة إلى المشخصات ، وفي المعاني إلى المنوعات لا في تحققها في نفسها .
الطريق السادس : لو لم يجب المطلق لوجب الخاص ، فإن غاير المطلق ؛ كان قول الوجود عليهما بالاشتراك اللفظي ، وهو خلاف الضروري ، وإلا تعدد الواجب ؛ لأن المطلق يكون ذا أفراد وهو عين الواجب ، فيجب إفراده على أنه يكون علية الأشياء بلا مناسبة ، وهي تابعة عن الجمهور وبالاستقراء ، ومدركا لكلي لا كلي فوقه ، مع كونه من شعبه التي لا يحيط بها ، وكون المتأخر علة للمتقدم طبعا ، وكونه مندرجا تحت جميع الأمور العامة .
الطريق السابع : إنا نعلم بالضرورة ، أن الوجود المشترك فيه الموجودات وجود واحد عيني طبيعية عين تلك الموجودات ذهنا وخارجا ، وإنما تعددت واختلفت بالإضافات والاعتبارات المخصصة لا غير ، فالأولى أن يجعل المطلق هو الحقيقي وتعيّناته معان عقلية مأخوذة بالإضافات والاعتبارات ، فالحق محض الوجود ، بحيث لا يمازجه غيره ، ولا تركيب فيه ، ولا كثرة ، ولا نعت ولا رسم ، فافهم واللّه المنعم .
* * *
ترقيم المقاطع مستمد من قاعدة بيانات المكتبة؛ ولا يثبت مطابقة صفحة طبعة محققة. يُرجى التحقق من الإسناد والنسخة قبل الاقتباس.

