فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿17﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم
مع التشكيل
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الرسم العثماني
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
النقل الصوتي
Falam taqtuloohum wal<u>a</u>kinna All<u>a</u>ha qatalahum wam<u>a</u> ramayta i<u>th</u> ramayta wal<u>a</u>kinna All<u>a</u>ha ram<u>a</u> waliyubliya almumineena minhu bal<u>a</u>an <u>h</u>asanan inna All<u>a</u>ha sameeAAun AAaleem<b>un</b>
English
Ye (Muslims) slew them not, but Allah slew them. And thou (Muhammad) threwest not when thou didst throw, but Allah threw, that He might test the believers by a fair test from Him. Lo! Allah is Hearer, Knower.
Français
Ce n'est pas vous qui les avez tués: mais c'est Allah qui les a tués. Et lorsque tu lançais (une poignée de terre), ce n'est pas toi qui lançais: mais c'est Allah qui lançait, et ce pour éprouver les croyants d'une belle épreuve de Sa part! Allah est Audient et Omniscient.
Türkçe
Onları siz öldürmediniz, fakat Allah öldürdü ve attığın zaman sen atmadın, fakat Allah attı ve böylece de kendi katından, inananlara güzel bir nimet vermek, onları denemek istedi. Şüphe yok ki Allah her şeyi duyar, bilir.
Deutsch
Getötet habt nicht ihr sie, sondern ALLAH hat sie getötet. Und geworfen hast nicht du, als du geworfen hast, sondern ALLAH hat geworfen. Und damit ER die Mumin einer guten Prüfung unterzieht. Gewiß, ALLAH ist allhörend, allwissend.
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد ، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير ؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم ؛ ولهذا قال : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) أي : ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، أي : بل هو الذي أظفركم [ بهم ونصركم ] عليهم كما قال تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة [ فاتقوا الله لعلكم تشكرون ] ) [ آل عمران : 123 ] . وقال تعالى : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) [ التوبة : 25 ] يعلم - تبارك وتعالى - أن النصر ليس عن كثرة العدد ، ولا بلبس اللأمة والعدد ، وإنما النصر من عند الله تعالى كما قال : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) [ البقرة : 249 ] .
ثم قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أيضا في شأن القبضة من التراب ، التي حصب بها وجوه المشركين يومبدر ، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته ، فرماهم بها وقال : شاهت الوجوه . ثم أمر الصحابة أن يصدقوا الحملة إثرها ، ففعلوا ، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين ، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ؛ ولهذا قال [ تعالى ] ( وما رميت إذ رميت ) أي : هو الذي بلغ ذلك إليهم ، وكبتهم بها لا أنت .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه - يعني يوم بدر - فقال : يا رب إن تهلك هذه العصابة ، فلن تعبد في الأرض أبدا . فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب ، فارم بها في وجوههم ، فأخذ قبضة من التراب ، فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولوا مدبرين .
وقال السدي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - يوم بدر : أعطني حصبا من الأرض . فناوله حصبا عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم ، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، وأنزل الله : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى )
وقال أبو معشر المدني ، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض ، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من تراب ، فرمى بها في وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه . فدخلت في أعينهم كلهم ، وأقبل أصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقتلونهم ويأسرونهم ، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى )
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : في قوله [ تعالى ] ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قال : هذا يوم بدر ، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حصيات فرمى بحصاة [ في ] ميمنة القوم ، وحصاة في ميسرة القوم ، وحصاة بين أظهرهم ، وقال : شاهت الوجوه ، فانهزموا .
وقد روي في هذه القصة عن عروة بن الزبير ، ومجاهد وعكرمة ، وقتادة وغير واحد من الأئمة : أنها نزلت في رمية النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ، وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضا .
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا يعقوب بن محمد ، حدثنا عبد العزيز بن عمران ، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة ، عن يزيد بن عبد الله ، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر ، سمعنا صوتا وقع من السماء ، كأنه صوت حصاة وقعت في طست ، ورمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الرمية ، فانهزمنا .
غريب من هذا الوجه . وهاهنا قولان آخران غريبان جدا .
أحدهما : قال ابن جرير : حدثني محمد بن عوف الطائي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان بن عمرو ، حدثنا عبد الرحمن بن جبير ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ابن أبي الحقيق بخيبر ، دعا بقوس ، فأتى بقوس طويلة ، وقال : جيئوني غيرها . فجاءوا بقوس كبداء ، فرمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصن ، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق ، وهو في فراشه ، فأنزل الله - عز وجل - : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى )
وهذا غريب ، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، ولعله اشتبه عليه ، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله ، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة ، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم ، والله أعلم .
والثاني : روى ابن جرير أيضا ، والحاكم في مستدركه ، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا أنزلت في رمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته ، فخدشه في ترقوته ، فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارا ، حتى كانت وفاته [ بها ] بعد أيام ، قاسى فيها العذاب الأليم موصولا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة .
وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضا جدا ، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها ، لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم ، والله أعلم .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير في قوله : ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) أي : ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم ، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم ، وقلة عددهم ، ليعرفوا بذلك حقه ، ويشكروا بذلك نعمته .
وهكذا فسر ذلك ابن جرير أيضا . وفي الحديث : وكل بلاء حسن أبلانا .
وقوله : ( إن الله سميع عليم ) أي : سميع الدعاء ، عليم بمن يستحق النصر والغلب .
الطبري
الميسر
السعدي
يقول تعالى ـ لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} بحولكم وقوتكم {وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو اللّه، ويناشده في نصرته،ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها اللّه إلى وجوههم،فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك ـ حين رميت التراب ـ أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} أي: إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابًا جزيلًا. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله.
البغوي
قوله تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) قال مجاهد سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول : أنا قتلت فلانا ويقول الآخر مثله ، فنزلت الآية . ومعناه : فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكن الله قتلهم بنصره إياكم وتقويته لكم .
وقيل : لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة .
( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قال أهل التفسير والمغازي : ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس ، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ، ووردت عليهم روايا قريش ، وفيهم أسلم ، غلام أسود لبني الحجاج ، وأبو يسار ، غلام لبني العاص بن سعيد ، فأتوا بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لهما : أين قريش؟ قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب : العقنقل - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهما : كم القوم؟ قالا كثير ، قال : ما عدتهم؟ قالا لا ندري ، قال : كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما عشرة ويوما تسعة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " القوم ما بين التسعمائة إلى الألف " ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري ابن هشام ، وحكيم بن حزام ، والحارث بن عامر ، وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله تصوب من العقنقل ، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي ، قال لهم : هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفا من حصى عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم .
وقال قتادة ، وابن زيد : ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم وبحصاة بين أظهرهم ، وقال : شاهت الوجوه ، فانهزموا ، فذلك قوله تعالى : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من الحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء .
وقيل : معنى الآية وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ .
وقيل : وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا ، ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) أي : ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ، ( إن الله سميع ) لدعائكم ، ( عليم ) بنياتكم .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)
[ «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» الآية]
جاء المدد الملكي فأقدم حيزوم «1» لنصرة دين الحي القيوم ، ولتقوية القلوب عند أهل الإيمان بالغيوب ، وما كان عند أهل الغيب إيمانا كان لأهل الشرك عيانا ، وذلك الشهود خذلهم فقال : «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ» قتلهم بالملك ، للأمر الذي أوحاه في السماء وأودعه حركة الفلك ، فما انحجب عن المؤمن لإهانته ، كما أنه ما كشفه المشرك لمكانته ، لكن ليثبت ارتياعه ، ويتحقق انصداعه واندفاعه ، فخذله اللّه بالكشف ، وهو من النصر الإلهي الصرف ، نصر به عباده المؤمنين على التعيين ، فإنه أوجب سبحانه على نفسه نصرتهم ، فرد عليهم لهم كرتهم ، فانهزموا أجمعين ، (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
(1) حيزوم اسم الفرس الذي كان يركبه جبريل عليه السلام .
والمؤمن الإله الحق ، وقد نصره الخلق ، وهو القائل (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) فأظهر آمرا وأمرا ومأمورا في هذا الخطاب التكليفي ، فلما وقع الامتثال للّه ، وظهر القتل بالفعل من أعيان المحدثات ،
قال : ما هم أنتم الذين قتلتموهم ، بل أنا قاتلهم ، فأنتم لنا بمنزلة السيف لكم ، أو أي آلة كانت للقتل ، فالقتل وقع في المقتول بالآلة ولم يقل فيه إنه القاتل ، وقيل في الضارب به القاتل ، كذلك الضارب به بالنسبة إلينا مثل السيف له عنده ، فلا يقال في المكلّف إنه القاتل بل اللّه هو القاتل بالمكلّف وبالسيف ، فقام له المكلّف مقام اليد الضاربة بالسيف ، وفي حضرة الأفعال ينسب الفعل بالعوائد إلى المخلوق والحق مبطون فيه ، وينسب الفعل بخرق العادة إلى اللّه لا إلى المخلوق ، لأنه خارج عن قدرة المخلوق ، فيظهر الحق وإن كان لا يظهر إلا في الخلق ، ومن هنا يتبين أن ما قام فيه الإنسان عين ما قام فيه الحق ، بين ظاهر وباطن ،
فإذا ظهر من ظهر بطن الآخر ، وذلك قوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم في رميه التراب في أعين المشركين «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ»
فالرمي وقع منه صلّى اللّه عليه وسلم بقول اللّه ، وإيصال الرمي إلى أعين الكفار حتى ما بقيت عين لمشرك خاص إلا وقع من التراب في عينه فهذا ليس لمخلوق ،
فقال تعالى : «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» إثباتا للنفي في أول الآية ، فإن اللّه محا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حكم رميه مع وجود الرمي عنه ، فقال : «وَما رَمَيْتَ» فمحاه «إِذْ رَمَيْتَ» فأثبت السبب «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» وما رمى إلا بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ،
فقوله تعالى : «وَما رَمَيْتَ» نفي «إِذْ رَمَيْتَ» إثبات عين ما نفى «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» نفى عين ما أثبته ، فصار إثبات الرمي وسطا بين طرفي نفي ، فالنفي الأول عين النفي الآخر ،
فمن المحال أن يثبت عين الوسط بين النفيين ، لأنه محصور ، فيحكم عليه الحصر ، ولا سيما أن النفي الآخر زاد على النفي الأول بإثبات الرمي له لا للوسط ، فثبت الرمي في الشهود الحسي لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم بثبوت محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فمحمد صلّى اللّه عليه وسلم رام لا رام ، وهذا لا يدرك إلا بعين البصيرة ،
فالبصيرة بها تدرك الأمر على ما هو عليه ، لأنه علم محقق ، وإذا أدرك به عين نسبة ما ظهر في الحس سمي بصرا ، فاختلفت الألقاب باختلاف المواطن ، كما اختلف حكم عين الأداة ، وإن كانت بصورة واحدة حيث كانت ، تختلف باختلاف المواطن ، مثل أداة ما ، لا شك أنها عين واحدة ،
ففي موطن تكون نافية ، وفي موطن تكون تعجبا ، وفي موطن تكون مهيئة ، وفي موطن تكون اسما ، وقد تكون مصدرية ، وتأتي للاستفهام ، وتأتي زائدة ، وغير ذلك من
مواطنها ، فهذه عين واحدة حكمت عليها المواطن بأحكام مختلفة ، كذلك صور التجلي بمنزلة الأحكام لمن يعقل ما يرى ، فأبان اللّه لنا فيما ذكره في هذه الآية الذي كنا نظنه حقيقة محسوسة ، انما هي متخيلة ، يراها رأي العين ، والأمر في نفسه على خلاف ما تشهده العين ، وهذا سار في جميع القوى الجسمانية والروحانية ، ولولا الاسم الباطن ما عرفنا أن الرامي هو اللّه في صورة محمدية ، فإنه ما رمى إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وما وقع الحس إلا على رميه ، وما رمى إلا اللّه ، فأين محمد صلّى اللّه عليه وسلم وسلم ؟ محاه وأثبته ، ثم محاه ، فهو مثبت بين محوين ، كما ورد في الخبر [ كنت سمعه وبصره ] فأين الإنسانية هنا ؟ فإنه نفى عين ما أثبته لك وأثبته لنفسه ، فقال : «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» وما رمى إلا العبد ، فأعطاه اسمه وسماه به ، وبقي الكلام في أنه هل حلّاه به كما سماه به أم لا ؟ فإنا لا نشك أن العبد رمى ، ولا نشك أن اللّه تعالى قال : «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» وقد نفى الرمي عنه أولا ، فنفى عنه اسم العبودة وسماه باسمه ، إذ لا بد من مسمى ، وليس إلا وجود عين العبد ، لا من حيث هو عبد ، لكن من حيث هو عين ، فإن العبد لا يقبل اسم السيادة ، والعين كما تقبل العبودة تقبل السيادة ، فانتقل عنها الاسم الذي خلقت له وخلع عليها الاسم الذي يكون عنه التكوين ، وهو قوله تعالى : «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» والحق لا يباهت خلقه ، فما يقول إلا ما هو الأمر عليه في نفسه ، فقوله : «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ» أثبت لك ما رأيت ، ودل قوله : «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» على أمر يستوي فيه البصير والأعمى ، فيد اللّه يد الأكوان ، وإن اختلفت الأعيان ، وهذا عهد من اللّه تعالى إلينا أن الفعل الذي يشهد به الحس أنه للعبد هو للّه تعالى لا للعبد ، فإن أضفته لنفسي فإنما أضيفه بإضافة اللّه لا بإضافتي ، فأنا أحكي وأترجم عن اللّه به وهو قوله : (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)
فرد الفعل الذي أضافه إلى نفسه وهو حقه الذي له قبلي بهذه الإضافة ، ولكن لا بد من ميزان إلهي نرده به إليه ،
وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن الوزن نعت إلهي لا ينبغي لعبد من عباد اللّه أن يغفل عنه في كل فعل ظاهر في الكون من موجود ما من الموجودات ، فلا يزال مراقبا له في غيره ، فيحكم عليه بالميزان الموضوع عنده ، وليس إلا الشرع ، وهذه الآية تشير إلى نفي الركون إلى الأسباب لا الأسباب ، فإن اللّه لا يعطل حكم الحكمة في الأشياء ، والأسباب حجب إلهية موضوعة لا ترفع ، فمن الحكمة إبقاء الأسباب ، مع محو العبد من الركون إليها على حكم نفي أثرها في المسببات ، فالأسباب ستور
وحجب ، وفي هذه الآية علم إضافة الأفعال ، هل تضاف إلى اللّه أو إلى العبد أو إلى اللّه وإلى العبد ؟ فإن وجودها محقق ، ونسبتها غير محققة ، وهذا موضوع اختلف الناس فيه ، والخلاف لا يرتفع من العالم بقولي ، فمن الناس من نسب الأفعال إلى الخلق ، ومنهم من نسب الأفعال إلى اللّه ، ومنهم من نسب الفعل إلى اللّه بوجه وإلى العباد بوجه ، فعلق المحامد والحسن بما ينسب من الأفعال للحق ، وعلق المذام والقبح بما ينسب من الأفعال للعباد لحكم الاشتراك العقلي ، وكمال الوجود توقف على وجودهما ،
قال تعالى : «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» فنفى الرمي عمن أثبته له ، فأثبت بهذه الآية أعيان العالم ، والفعل كله إنما يظهر صدوره من الصورة ، وهو القائل «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» فكان الحق عين الصورة التي تشاهد الأعمال منها ، وهذا مقام الحيرة ، فصدّق اللّه الخواص في حيرتهم بقوله هذا لأخص خلقه علما ومعرفة ، فنفى عين ما أثبت فما أثبت ؟ وما نفى ؟
فأين العامة من هذا الخطاب ، فالعلم باللّه حيرة ، والعلم بالخلق حيرة ، وقد حجر النظر في ذاته وأطلقه في خلقه ، فالهداة في النظر في خلقه لأنه الهادي وقد هدى ، والعمى في النظر في الحق فإنه قد حجر وجعله سبيل الردى ، وهذا خطاب خاطب به العقلاء ، فما زادهم إلا إيمانا بالحيرة وتسليما لحكمها ،
ولذلك قال تعالى في هذه الآية : «وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً»
فجاء بالخبرة بقوله تعالى : «وَلِيُبْلِيَ» أي قلنا هذا اختبارا للمؤمنين في إيمانهم لنا في ذلك من تناقض الأمور ، الذي يزلزل إيمان من في إيمانه نقص عما يستحقه الإيمان من مرتبة الكمال ، فإن اللّه حيّر المؤمنين ، وهو ابتلاؤه بما ذكر من نفي الرمي وإثباته ، وجعله بلاء حسنا ، أي إن نفاه العبد عنه أصاب ، وإن أثبته له أصاب ، وما بقي إلا أي الإصابتين أولى بالعبد وإن كان كله حسنا ؟
وهذا موضع الحيرة ، ولذلك سماه بلاء أي موضع اختبار ، فمن أصاب الحق وهو مراد اللّه أي الإصابتين أو أي الحكمين أراد ، حكم النفي أو حكم الإثبات كان أعظم عند اللّه من الذي لا يصيب ، لذلك قال : «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

