أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿104﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم
مع التشكيل
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
الرسم العثماني
أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
النقل الصوتي
Alam yaAAlamoo anna All<u>a</u>ha huwa yaqbalu a<b>l</b>ttawbata AAan AAib<u>a</u>dihi wayakhu<u>th</u>u a<b>l</b><u>ss</u>adaq<u>a</u>ti waanna All<u>a</u>ha huwa a<b>l</b>ttaww<u>a</u>bu a<b>l</b>rra<u>h</u>eem<b>u</b>
English
Know they not that Allah is He Who accepteth repentance from His bondmen and taketh the alms, and that Allah is He Who is the Relenting, the Merciful.
Français
Ne savent-ils pas que c'est Allah qui accueille le repentir de Ses serviteurs, et qui reçoit les Sadaqât, et qu'Allah est L'Accueillant au repentir et le Miséricordieux.
Türkçe
Bilmezler mi, şüphe yok ki Allah, öyle bir mabuttur ki odur kullarının tövbelerini kabul eden ve sadakaları alan ve şüphe yok ki Allah öyle bir mabuttur ki odur tövbeleri kabul eden rahim.
Deutsch
Wußten sie etwa nicht, daß ALLAH Derjenige ist, Der die Reue von Seinen Dienern akzeptiert und die Sadaqat annimmt, und daß ALLAH gewiß Der Reue- Annehmende, Der Allgnädige ist?!
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
وقوله : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها .
وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها ، حتى تصير التمرة مثل أحد . كما جاء بذلك الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما قال الثوري ووكيع ، كلاهما عن عباد بن منصور ، عن القاسم بن محمد أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم ، كما يربي أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد " ، وتصديق ذلك في كتاب الله ، عز وجل : ( [ ألم يعلموا أن الله ] هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) و [ قوله ] ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) [ البقرة : 276 ] .
وقال الثوري والأعمش كلاهما ، عن عبد الله بن السائب ، عن عبد الله بن أبي قتادة قال : قال عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه : إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل . ثم قرأ هذه الآية : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) .
وقد روى ابن عساكر في تاريخه ، في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي - وأصله حمصي ، وكان أحد الفقهاء ، روى عن معاوية وغيره ، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي - قال : غزا الناس في زمان معاوية ، رضي الله عنه ، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية . فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير ، فأبى أن يقبلها منه ، وقال : قد تفرق الناس ولن أقبلها منك ، حتى تأتي الله بها يوم القيامة فجعل الرجل يستقرئ الصحابة ، فيقولون له مثل ذلك ، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه ، فأبى عليه . فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع ، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي ، فقال له : ما يبكيك ؟ فذكر له أمره ، فقال أمطيعني أنت ؟ فقال : نعم ، فقال : اذهب إلى معاوية فقل له : اقبل مني خمسك ، فادفع إليه عشرين دينارا ، وانظر الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم ففعل الرجل ، فقال معاوية ، رضي الله عنه : لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه ، أحسن الرجل " .
الطبري
الميسر
السعدي
أي: أما علموا سعة رحمة اللّه وعموم كرمه وأنه {يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} التائبين من أي ذنب كان، بل يفرح تعالى بتوبة عبده، إذا تاب أعظم فرح يقدر.
{وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} منهم أي: يقبلها، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدهم كما يربي الرجل فلوه، حتى تكون التمرة الواحدة كالجبل العظيم، فكيف بما هو أكبر وأكثر من ذلك.
{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ} أي: كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه تاب عليه، ولو تكررت منه [المعصية] مرارا. ولا يمل اللّه من التوبة على عباده، حتى يملوا هم، ويأبوا إلا النفار والشرود عن بابه، وموالاتهم عدوهم.
{الرَّحِيمِ} الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويتبعون رسوله.
البغوي
فقال تعالى : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) أي : يقبلها ، ( وأن الله هو التواب الرحيم ) .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنبأنا الربيع بن سليمان ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه . قال : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ، ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه ، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم ، ثم قرأ : ( أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)
العبد إذا رجع إلى الحق بالتوبة ، رجع الحق إليه بالقبول ، «لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» وهو رجوعه على عباده بالقبول ، فإن اللّه لا يقبل المعاصي ويقبل التوبة والطاعات ، وهذا من رحمته بعباده ، فإنه لو قبل المعاصي لكانت عنده في حضرة المشاهدة ، كما هي الطاعات ، فلا يشهد الحق من عباده إلا ما قبله ، ولا يقبل إلا الطاعات ، فلا يرى من عباده إلا ما هو حسن محبوب عنده ، ويعرض عن السيئات فلا يقبلها «وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ» يأخذ الحق الصدقات بحكم الوكالة ، فيربيها ويثمرها ، فهو وكيل في حق قوم تبرعا من نفسه رحمة بهم ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : إن الصدقة تقع بيد الرحمن قبل أن تقع بيد السائل - الحديث ،
لذلك قال تعالى : «وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ» بقبوله التوبة والطاعة «الرَّحِيمُ» بعدم مؤاخذته على الذنب .
[ سورة التوبة (9) :آية 105]
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
[ فسيرى الله اعمالهم ]
لكل راء عين تليق به ، فيدرك من المرئي بحسب ما تعطيه قوة ذلك العين ، فثم عين تعطي الإحاطة بالمرئي ، وليس ذلك إلا اللّه وأما ما يراه الرسول والمؤمنون فليس إلا رؤية خاصة ، ليس فيها إحاطة . فيراه الرسول بحسب ما أرسل به ، وكذلك المؤمن يراه بقدر ما علم من هذا الرسول ، فليست عين المؤمن تبلغ في الرتبة إدراك عين الرسول ، فإن المجتهد مخطئ ومصيب ، والرسول حق كله ، فإن له التشريع ، وهو العين المطلوبة لطالب الدلالة ، فإذا قامت صورة العمل نشأة كاملة - كان العمل ما كان من المكلف - يراها اللّه من حيث أراها الرسول والمؤمنين ، ومن حيث لا يرونها ، ويرى المؤمنون ذلك العمل من حيث يرونها ، لا من حيث يراها الرسول ، ولكل موطن في القيامة يحكم به اللّه فيه «وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» العالم عالمان ما ثم ثالث : عالم يدركه الحس ، وهو المعبر عنه
بالشهادة ، وعالم لا يدركه الحس ، وهو المعبر عنه بعالم الغيب ، فإن كان مغيبا في وقت وظهر في وقت للحس فلا يسمى ذلك غيبا ، وإنما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس ، لكن يعلم بالعقل ، إما بالدليل القاطع ، وإما بالخبر الصادق وهو إدراك الإيمان ، فالشهادة مدركها الحس ، وهو طريق إلى العلم ما هو عين العلم ، وذلك يختص بكل ما سوى اللّه ممن له إدراك حسي ، والعلم مدركه العلم عينه .
[ سورة التوبة (9) : الآيات 106 إلى 108 ]
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)
[المطهرون ]
المطهرون هم الذين طهروا غيرهم كما طهروا نفوسهم ، فتعدت طهارتهم إلى غيرهم ، فمن منع ذاته وذات غيره أن يقوم بها ما هو مذموم في حقها عند اللّه فقد عصمها وحفظها ووقاها وسترها عن قيام الصفات المذمومة شرعا بها ، فهو مطهر لها بما علمها من علم ما ينبغي ، لينفر عنه بنور العلم وحياته ظلمة الجهالة وموتها ، فهو محبوب عند اللّه مخصوص بعناية ولاية إلهية واستخلاف ، وكل إنسان وال على جوارحه فما فوق ذلك ، وقد أعلمه اللّه بما هي الطهارة التي يطهر بها رعاياه .
[ سورة التوبة (9) : آية 109 ]
فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)
أفمن أسس بنيانه فقوى أركانه ، وأوثق قواعد بنيانه ، أمن من الهدم والسقوط ، والبيت بيت الإيمان وقد قام على خمسة ، سقف وأربعة جدر ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا . والساكن المؤمن ، وحشمه وخوله مكارم الأخلاق ونوافل الخيرات .
[ سورة التوبة (9) :الآيات 110 إلى 111]
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)
لما علم اللّه من العباد أنه يكبر عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم ، لدعواهم أن أنفسهم وأموالهم لهم ، كما أثبتها الحق لهم ، واللّه لا يقول إلا حقا ، فقدم شراء الأموال والأنفس منهم ، حتى يرفع يدهم عنها ، فبقي المشتري يتصرف في سلعته كيف شاء ، والبائع وإن أحب سلعته فالعوض الذي أعطاه فيها وهو الثمن أحب إليه مما باعه ،
[ «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ» ]
فقال تعالى : «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ» وبعد هذا الشراء أمر أن يجاهدوا بها في سبيل اللّه ، ليهون ذلك عليهم ، فهم يجاهدون بنفوس مستعارة أعني النفوس الحيوانية القائمة بالأجسام ، والأموال المستعارة . فهم كمن سافر على دابة معارة ، ومال غيره ، وقد رفع عنه الحرج مالكها عندما أعاره ، إن نفقت الدابة ، وهلك المال ، فهو مستريح القلب ، فما بقي عليه مشقة نفسية إن كان مؤمنا ، إلا ما يقاسي هذا المركب الحيواني من المشقة ، من طول الشقة ، وتعب الطريق . وإن كان في قتال العدو فما ينال من الكر والفر والطعن بالأرماح والرشق بالسهام والضرب بالسيوف ، والإنسان مجبول على الشفقة الطبيعية ، فهو يشفق على مركوبه
من حيث أنه حيوان ، لا من جهة مالكه ، فإن مالكه قد علم منه هذا المعار إليه «1» أنه يريد إتلافه ، فذلك محبوب له فلم يبق له عليه شفقة إلا الشفقة الطبيعية ، فالنفوس التي اشتراها الحق في هذه الآية إنما هي النفوس الحيوانية ، اشتراها من النفوس الناطقة المؤمنة المكلفة بالإيمان ، فنفوس المؤمنين الناطقة هي البائعة المالكة لهذه النفوس الحيوانية التي اشتراها الحق منها ، لأنها التي يحل بها القتل ، وليست هذه النفوس بمحل للإيمان ، وإنما الموصوف بالإيمان النفوس الناطقة ،
ومنها اشترى الحق نفوس الأجسام فقال : «اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» وهي النفوس الناطقة الموصوفة بالإيمان «أَنْفُسَهُمْ» التي هي مراكبهم الحسية ، وهي الخارجة للقتال بهم والجهاد ، وهي التي تدعي الملك ، فبقي المؤمن لا نفس له كسائر الحيوان ، فلم يبق من يدعي ملكا ، فصار الملك للّه الواحد القهار ، وزال الاشتراك ، فالمؤمن لا نفس له ، فلا دعوى له في الملك ، فكل مؤمن ادعى ملكا حقيقة فليس بمؤمن ، فإن المؤمن باع نفسه ، فما بقي له من يدعي ، لأن نفسه كانت صاحبة الدعوى ، لكونها على صورة من له الدعوى بالملك حقيقة ، وهو اللّه تعالى ، فاحفظ نفسك يا أخي من دعوى تسلب عنك الإيمان .
فالمؤمن لا نفس له ، فليس له في الشفقة عليها إلا الشفقة الذاتية التي في النفس الناطقة على كل حيوان .
«وَأَمْوالَهُمْ» فأفلسهم لأنه حال بينهم وبينها ، فلم يبق لهم ما يصلون به إلى المنعة ، ببقاء الحياة لبقاء الغذاء الحاصل بالمال .
«بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» وهو الثمن فإن المؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة
وهو قوله تعالى : «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» والبيع فيما ملك بيعه ، وهو قوله تعالى :" إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ "
وجعلها الثمن للحديث الوارد في الخصمين من الظالم والمظلوم ، إذا أصلح اللّه بين خلقه يوم القيامة ، فيأمر اللّه المظلوم أن يرفع رأسه ، فينظر إلى عليين فيرى ما يبهره حسنه ، فيقول : يا رب لأي نبي هذا لأي شهيد هذا ؟
فيقول اللّه تعالى لمن أعطاني الثمن ، قال : ومن يملك ثمن هذا ؟
قال : أنت بعفوك عن أخيك هذا فيقول : يا رب قد عفوت عنه ، فيقول : خذ بيد أخيك فادخل الجنة .
ولما أورد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذا الحديث تلا «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» فإن اللّه يصلح بين عباده يوم القيامة . «يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ» وجه آخر في هذه المبايعة : وقع البيع بين اللّه وبين المؤمن
من كونه ذا نفس حيوانية ، فهي التي تدعي الملك ، وهي البائعة ، فباعت النفس الناطقة من اللّه وما كان لها مما لها به نعيم من مالها بعوض وهو الجنة ، فالبيع والشراء معاوضة ، والسوق المعترك ، فاستشهدت فأخذها المشتري إلى منزله وأبقى عليها حياتها حتى يقبض ثمنها الذي هو الجنة ،
فلهذا قال في الشهداء : إنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين ببيعهم لما رأوا فيه من الربح ، حيث انتقلوا إلى الآخرة من غير موت ، فالإنسان المؤمن يتنعم من حيث نفسه الحيوانية ، بما تعطي الجنة من النعيم ، ويتنعم بما يرى مما صارت إليه من النعيم نفسه الناطقة ، التي باعها بمشاهدة سيدها ، فحصل للمؤمن النعيمان .
فإن الذي باع كان محبوبا له ، وما باعه إلا ليصل إلى هذا الخير الذي وصل إليه ، وكانت له الحظوة عند اللّه حيث باعه هذه النفس الناطقة العاقلة . وسبب شراء الحق إياها أنها كانت له بحكم الأصل بقوله :" وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي " *
فطرأت الفتن والبلايا ، وادعى المؤمن فيها ، فتكرم الحق وتقدس ، ولم يجعل نفسه خصما لهذا المؤمن ، فتلطف له في أن يبيعها منه ، وأراه العوض ، ولا علم له بلذة المشاهدة ، لأنها ليست له ، فأجاب إلى البيع فاشتراها اللّه منه ، فلما حصلت بيد المشتري ، وحصل الثمن تصدق الحق بها عليه امتنانا ، لكونه حصل في منزل لا يقتضي له الدعوى فيما لا يملك وهو الآخرة .
وقد مثل هذا الذي قلناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حين اشترى من جابر بن عبد اللّه بعيره في السفر بثمن معلوم ، واشترط عليه البائع جابر بن عبد اللّه ظهره إلى المدينة ، فقبل الشرط المشتري ، فلما وصل المدينة ، وزن له الثمن ، فلما قبضه وحصل عنده وأراد الانصراف أعطاه بعيره والثمن جميعا ، فهذا بيع وشرط ، وهكذا فعل اللّه سواء ، اشترى من المؤمن نفسه بثمن معلوم وهو الجنة ، واشترط عليه ظهره إلى المدينة ، وهو خروجه إلى الجهاد ، فلما حصل هناك واستشهد ، قبضه الثمن ، ورد عليه نفسه ، ليكون المؤمن بجميعه متنعما ، بما تقبله النفس الناطقة من نعيم العلوم والمعارف ، وبما تعمله الحيوانية من المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب وكل نعيم محسوس ، ففرحت بالمكانة والمكان والمنزلة والمنزل . - إشارة - إن من الرحمة التي تتضمنها سورة التوبة ومن التنزل الإلهي أن فيها شراء نفوس المؤمنين منهم ، بأن لهم الجنة ، وأي تنزل أعظم من أن يشتري السيد ملكه من عبده ؟ وهل يكون في الرحمة أبلغ من هذا ؟
«وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا» يعني الجنة «فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ» من الناس عبيد ، ومنهم أجراء ، ولأجل الإجارة نزلت الكتب
الإلهية بها بين الأجير والمستأجر ، فلو كانوا عبيدا ما كتب الحق كتابا لهم على نفسه ، فإن العبد لا يوقت على سيده ، إنما هو عامل في ملكه ، ومتناول ما يحتاج إليه ، فالأجراء هم الذين اشترى الحق منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة ، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن «وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» قال صلّى اللّه عليه وسلم في الصلوات الخمس : فمن أتى بهن لم يضيع من حقهن شيئا كان له عند اللّه عهد أن يدخله الجنة فاستبشروا بيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

