تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 5 من سورة يوسف

رقم السجل 1601 · السورة 12 · الآية 5

۞ قراءة النص
۞

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿5﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين

مع التشكيل

قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ

الرسم العثماني

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ

النقل الصوتي

Q<u>a</u>la y<u>a</u> bunayya l<u>a</u> taq<u>s</u>u<u>s</u> ruy<u>a</u>ka AAal<u>a</u> ikhwatika fayakeedoo laka kaydan inna a<b>l</b>shshay<u>ta</u>na lilins<u>a</u>ni AAaduwwun mubeen<b>un</b>

English

He said: O my dear son! Tell not thy brethren of thy vision, lest they plot a plot against thee. Lo! Satan is for man an open foe.

Français

«O mon fils, dit-il, ne raconte pas ta vision à tes frères car ils monteraient un complot contre toi; le Diable est certainement pour l'homme un ennemi déclaré.

Türkçe

Babası, oğulcağızım demişti, rüyanı kardeşlerine söyleme, sana bir düzen kurarlar sonra. Şüphe yok ki Şeytan, insanlara apaçık bir düşmandır.

Deutsch

Er sagte: "Mein Söhnchen! Berichte deinen Brüdern nicht über dein Traumgesicht, sonst werden sie gegen dich böse Intrigen schmieden. Gewiß, der Satan ist sicherlich dem Menschen gegenüber ein erklärter Feind.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا» يحتالون في هلاكك حسدا لعلمهم بتأويلها من أنهم الكواكب والشمس أمك والقمر أبوك «إن الشيطان للإنسان عدو مبين» ظاهر العداوة.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا ، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا ، بحيث يخرون له ساجدين إجلالا وإكراما واحتراما فخشي يعقوب ، عليه السلام ، أن يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته فيحسدوه على ذلك ، فيبغوا له الغوائل ، حسدا منهم له; ولهذا قال له : ( لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) أي : يحتالوا لك حيلة يردونك فيها . ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به ، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر وليتفل عن يساره ثلاثا ، وليستعذ بالله من شرها ، ولا يحدث بها أحدا ، فإنها لن تضره " . وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد ، وبعض أهل السنن ، من رواية معاوية بن حيدة القشيري أنه قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت " ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر ، كما ورد في حديث : " استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ، فإن كل ذي نعمة محسود "

عرض مصدر التفسير
الطبري
فيه إحدى عشر مسألة: الأولى: قوله تعالى{فيكيدوا لك كيدا} أي يحتالوا في هلاكك؛ لأن تأويلها ظاهر؛ فربما يحملهم الشيطان على قصدك بسوء حينئذ. واللام في {لك} تأكيد. كقوله{إن كنتم للرؤيا تعبرون}[يوسف : 43]. الثانية: الرؤيا حالة شريفة، ومنزلة رفيعة، قال صلى الله عليه وسلم : (لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة الصادقة يراها الرجل الصالح أو ترى له). وقال : (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا). وحكم صلى الله عليه وسلم بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وروي (من سبعين جزءا من النبوة). وروي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (جزءا من أربعين جزءا من النبوة). ومن حديث ابن عمر (جزء من تسعة وأربعين جزءا). ومن حديث العباس (جزء من خمسين جزءا من النبوة). ومن حديث أنس (من ستة وعشرين). وعن عبادة بن الصامت (من أربعة وأربعين من النبوة). والصحيح منها حديث الستة والأربعين، ويتلوه في الصحة حديث السبعين؛ ولم يخرج مسلم في صحيحه غير هذين الحديثين، أما سائرها فمن أحاديث الشيوخ؛ قاله ابن بطال. قال أبو عبدالله المازري : والأكثر والأصح عند أهل الحديث (من ستة وأربعين). قال الطبري : والصواب أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرج معقول؛ فأما قوله : (إنها جزء من سبعين جزءا من النبوة) فإن ذلك قول عام في كل رؤيا صالحة صادقة، ولكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان؛ وأما قوله : (إنها من أربعين أو ستة وأربعين) فإنه يريد بذلك من كان صاحبها بالحال التي ذكرت عن الصديق رضي الله عنه أنه كان بها؛ فمن كان من أهل إسباغ الوضوء في السبرات، والصبر في الله على المكروهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فرؤياه الصالحة - إن شاء الله - جزء من أربعين جزءا من النبوة، ومن كانت حاله في ذاته بين ذلك فرؤياه الصادقة بين جزأين ما بين الأربعين إلى الستين لا تنقص عن سبعين، وتزيد على الأربعين وإلى هذا المعنى أشار أبو عمر بن عبدالبر فقال : اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف متضاد متدافع - والله أعلم - لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين؛ فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد فمن خلصت نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق وإلى النبوة أقرب كما أن الأنبياء يتفاضلون قال الله تعالى{ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [الإسراء : 55]. قلت : فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه؛ ذكره أبو سعيد الأسفاقسي عن بعض أهل العلم قال : معنى قوله : (جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) فإن الله تعالى أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة ثلاثة وعشرين عاما - فيما رواه عكرمة وعمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة وعشرين عاما وجدنا ذلك جزءا من ستة وأربعين جزءا؛ وإلى هذا القول أشار المازري في كتابه [المعلم] واختاره القونوي في تفسيره من سورة [يونس] عند قوله تعالى {لهم البشرى في الحياة الدنيا} [يونس/64]. وهو فاسد من وجهين : أحدهما : ما رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة بأن مدة الوحي كانت عشرين سنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين، فأقام بمكة عشر سنين؛ وهو قول عروة والشعبي وابن شهاب والحسن وعطاء الخراساني وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه، وهي رواية ربيعة وأبي غالب عن أنس، وإذا ثبت هذا الحديث بطل ذلك التأويل - الثاني : أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى. الثالثة: إنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة؛ لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران، وقلب الأعيان، والاطلاع على شيء من علم الغيب؛ كما قال عليه السلام : (إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم...) الحديث. وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة؛ قال صلى الله عليه وسلم : (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) وأن التصديق بها حق، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل، وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه؛ ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من أهل الرأي والأثر، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشرذمة من المعتزلة. الرابعة: إن قيل : إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من النبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة؛ كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن؛ ورؤيا بختنصر، التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ومنام عاتكة، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره وهي كافرة، وقد ترجم البخاري [باب رؤيا أهل السجن] : فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة؛ وقد تقدم في [الأنعام] أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندور والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء؛ قال المهلب : إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة. الخامسة: الرؤيا المضافة إلى الله تعالى هي التي خلصت من الأضغاث والأوهام، وكان تأويلها موافقا لما في اللوح المحفوظ، والتي هي من خبر الأضغاث هي الحلم، وهي المضافة إلى الشيطان، وإنما سميت ضغثا؛ لأن فيها أشياء متضادة؛ قال معناه المهلب. وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا أقساما تغني عن قول كل قائل؛ روى عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (الرؤيا ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهتم به في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة). قال : قلت : سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم! سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. السادسة: قوله تعالى{قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك} الآية. الرؤيا مصدر رأى في المنام، رؤيا على وزن فُعْلَى كالسقيا والبشرى؛ وألفه للتأنيث ولذلك لم ينصرف. وقد اختلف العلماء في حقيقة الرؤيا؛ فقيل : هي إدراك في أجزاء لم تحلّها آفة، كالنوم المستغرق وغيره؛ ولهذا أكثر ما تكون الرؤيا في آخر الليل لقلة غلبة النوم؛ فيخلق الله تعالى للرائي علما ناشئا، ويخلق له الذي يراه على ما يراه ليصح الإدراك، قال ابن العربي : ولا يرى في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، ولذلك لا يرى في المنام شخصا قائما قاعدا بحال، وإنما يرى الجائزات المعتادات. وقيل : إن لله ملكا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورا محسوسة؛ فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون لمعاني معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين تكون مبشرة أو منذرة؛ قال صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره : (رأيت سوداء ثائرة الرأس تخرج من المدينة إلى مهيعة فأولتها الحمى). و(رأيت سيفي قد انقطع صدره وبقرا تنحر فأولتهما رجل من أهل بيتي يقتل والبقر نفر من أصحابي يقتلون). و(رأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة). و(رأيت في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان بعدي). إلى غير ذلك مما ضربت له الأمثال؛ ومنها ما يظهر معناه أولا فأولا، ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكر؛ وقد رأى النائم في زمن يوسف عليه السلام بقرا فأولها يوسف السنين، ورأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر فأولها بإخوته وأبويه. السابعة: إن قيل : إن يوسف عليه السلام كان صغيرا وقت رؤياه، والصغير لا حكم لفعله، فكيف تكون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه {لا تقصص رؤياك على إخوتك}؟ فالجواب : أن الرؤيا إدراك حقيقة على ما قدمناه، فتكون من الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى صدق، فكذلك إذا أخبر عما يرى في المنام؛ وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنها وجدت كما رأى فلا اعتراض؛ روي أن يوسف عليه السلام كان ابن اثنتي عشرة سنة. الثامنة: هذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها؛ روى أبو رزين العقيلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الرؤيا جزء من أربعين جزءا من النبوة). و(الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدِّث بها صاحبها فإذا حدَّث بها وقعت فلا تحدِّثوا بها إلا عاقلا أو محبا أو ناصحا) أخرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح؛ وأبو رزين اسمه لقيط بن عامر. وقيل لمالك : أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال : أبالنبوة يُلعب؟ وقال مالك : لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرا أخبر به، وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت؛ قيل : فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه لقول من قال إنها على ما تأولت عليه؟ فقال : لا! ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة. التاسعة: وفي هذه الآية دليل على أن مباحا أن يحذّر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلا في معنى الغيبة؛ لأن يعقوب - عليه السلام - قد حذر يوسف أن يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيدا، وفيها أيضا ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدا وكيدا؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود). وفيها أيضا دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا؛ فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم، ولم يبال بذلك من نفسه؛ فإن الرجل يود أن يكون ولده خيرا منه، والأخ لا يود ذلك لأخيه. ويدل أيضا على أن يعقوب عليه السلام كان أحسّ من بنيه حسد يوسف وبغضه؛ فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه؛ ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت، ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتآمر في قتله، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي، إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها، وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم ويأتي. العاشرة : روى البخاري عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا : وما المبشرات؟ قال : (الرؤيا الصالحة) وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك؛ فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقا به ورحمة، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه؛ فإن أدرك تأولها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك. وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه بذلك ليستعد لذلك، وقد تقدم [يونس] في تفسير قوله تعالى{لهم البشرى في الحياة الدنيا} [يونس : 64] أنها الرؤيا الصالحة. وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم. الحادية عشر: روى البخاري عن أبي سلمة قال : لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وليتفل ثلاث مرات ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره). قال علماؤنا : فجعل الله الاستعاذة منها مما يرفع أذاها؛ ألا ترى قول أبي قتادة : إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت بهذا الحديث كنت لا أعدها شيئا. وزاد مسلم من رواية جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه). وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل). قال علماؤنا : وهذا كله ليس بمتعارض؛ وإنما هذا الأمر بالتحول، والصلاة زيادة، فعلى الرائي أن يفعل الجميع، والقيام إلى الصلاة يشمل الجميع؛ لأنه إذا صلى تضمن فعله للصلاة جميع تلك الأمور؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة تحول عن جنبه، وإذا تمضمض تفل وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوذ ودعا وتضرع لله تعالى في أن يكفيه شرها في حال هي أقرب الأحوال إلى الإجابة؛ وذلك السحر من الليل.
عرض مصدر التفسير
الميسر
قال يعقوب لابنه يوسف: يا بني لا تذكر لإخوتك هذه الرؤيا فيحسدوك، ويعادوك، ويحتالوا في إهلاكك، إن الشيطان للإنسان عدو ظاهر العداوة.
عرض مصدر التفسير
السعدي

ولما بان تعبيرها ليوسف، قال له أبوه: { يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ْ} أي: حسدا من عند أنفسهم، أن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم.

{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ْ} لا يفتر عنه ليلا ولا نهارا، ولا سرا ولا جهارا، فالبعد عن الأسباب التي يتسلط بها على العبد أولى، فامتثل يوسف أمر أبيه، ولم يخبر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ) وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان ( فيكيدوا لك كيدا ) فيحتالوا في إهلاكك لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك . واللام في قوله " لك " صلة ، كقوله تعالى : ( لربهم يرهبون ) ( الأعراف - 154 ) . وقيل : هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك ، وشكرتك وشكرت لك . ( إن الشيطان للإنسان عدو مبين ) أي : يزين لهم الشيطان ، ويحملهم على الكيد ، لعداوته القديمة .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أنبأنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد ، قال : سمعت أبا سلمة ، قال : كنت أرى الرؤيا تهمني حتى سمعت أبا قتادة يقول : كنت أرى الرؤيا فتمرضني ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " الرؤيا الصالحة من الله تعالى ، [ والحلم من الشيطان ] ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ، ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث به أحدا فإنها لن تضر " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أنبأنا شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن عدس ، عن أبي رزين العقيلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا جزء من أربعين أو ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وهو على رجل طائر ، فإذا حدث بها وقعت " ، وأحسبه قال : " لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا " .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)

وذلك لما علم يعقوب عليه السلام من علم أبنائه بتأويل ما مثّل الحق ليوسف عليه السلام في رؤياه ، إذ ما كان ما رآه ومثل له إلا عين إخوته وأبويه ، فأنشأ الخيال صورة الإخوة كواكب ، وصورة الأبوين شمسا وقمرا ، وكلهم لحم ودم وعروق وأعصاب ، فانظر هذه النقلة من عالم السفل إلى عالم الأفلاك ، ومن ظلمة هذا الهيكل إلى نور الكوكب ، فقد لطف الكثيف ، ثم عمد إلى مرتبة التقدم وعلو المنزلة والمعاني المجردة فكساها صورة السجود المحسوس فكثف لطيفها ، والرؤيا واحدة ، ولولا قوة الخيال وجمعيته ما جرى ما جرى ثم برأ يعقوب عليه السلام أبناءه عن ذلك الكيد وألحقه بالشيطان ، وليس إلا عين الكيد ، فقال : «إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» أي ظاهر العداوة

[ - الرؤيا - ]

-الرؤيا -اعلم أيدك اللّه أن للإنسان حالتين حالة تسمى النوم وحالة تسمى اليقظة ، وفي كلتا الحالتين جعل اللّه له إدراكا يدرك به الأشياء ، تسمى تلك الإدراكات في اليقظة حسا ، وتسمى في النوم حسا مشتركا ، فكل شيء تبصره في اليقظة يسمى رؤية ، وكل ما تبصره في النوم يسمى رؤيا مقصورا ، وجميع ما يدركه الإنسان في النوم هو مما ضبطه الخيال في حال اليقظة من الحواس ،وهو على نوعين :

إما ما أدرك صورته في الحس ،

وإما ما أدرك أجزاء صورته التي أدركها في النوم بالحس لا بد من ذلك ،

فإن نقصه شيء من إدراك الحواس في أصل خلقه ، فلم يدرك في اليقظة ذلك الأمر فقد المعنى الحسي الذي يدركه به في أصل خلقته ، فلا يدركه في النوم أبدا ، فالأصل الحسّ ، والإدراك به في اليقظة والخيال تبع في ذلك ، وقد يتقوى الأمر على بعض الناس فيدركون في اليقظة ما كانوا يدركونه في النوم ، وذلك نادر وهو للنبي والولي ، واعلم أن مبدأ الوحي الرؤيا الصادقة ، وهي لا تكون إلا في حال النوم ، قالت عائشة في الحديث الصحيح

[ أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ]

وسبب ذلك صدقه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه

ثبت عنه أنه قال أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ، فكان لا يحدث أحدا صلّى اللّه عليه وسلم بحديث عن تزوير يزوره في نفسه ، بل يتحدث بما يدركه بإحدى قواه الحسية أو بكلها ، ما كان يحدث بالغرض ولا يقول ما لم يكن ، ولا ينطق في اليقظة عن شيء يصوره في خياله مما لم ير لتلك الصورة بجملتها عينا في الحس ، فهذا سبب صدق رؤياه ، وإنما بدئ الوحي بالرؤيا دون الحس لأن المعاني المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحس ، لأن الحس طرف أدنى ، والمعنى طرف أعلى وألطف ، والخيال بينهما والوحي معنى ، فإذا أراد المعنى أن ينزل إلى الحس فلا بد أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله إلى الحس ، والخيال من حقيقته أن يصور كل ما حصل عنده في صورة المحسوس ، لا بد من ذلك ، فإن كان ورود ذلك الوحي الإلهي في حال النوم سمي رؤيا ، وإن كان في حال اليقظة سمي تخيلا أي خيل إليه ، فلهذا بدئ الوحي بالخيال ، ثم بعد ذلك انتقل الخيال إلى الملك من خارج ، فكان يتمثل له الملك رجلا أو شخصا من الأشخاص المدركة بالحس ، وقد ينفرد هذا الشخص المراد بذلك الوحي بإدراك هذا الملك ، وقد يدركه الحاضرون معه ، فيلقي على سمعه حديث ربه وهو الوحي ، وتارة ينزل على قلبه صلّى اللّه عليه وسلم فتأخذه البرحاء وهو المعبر عنه بالحال ، فإن الطبع لا يناسبه ، وانفرد الأنبياء في ذلك بالتشريع ، فقد يكون الولي بشيرا ونذيرا ولكن لا يكون مشرعا ، فإن الرسالة والنبوة بالتشريع قد انقطعت فلا رسول بعده ولا نبي ، أي لا مشرع ولا شريعة ،

ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : [ إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي ]

فشق ذلك على الناس فقال : [ لكن المبشرات ]

فقالوا : يا رسول اللّه ، وما المبشرات ؟

فقال : [ رؤيا المسلم ، وهي جزء من أجزاء النبوة ] هذا حديث حسن صحيح من حديث أنس بن مالك ،

وعن أبي هريرة وحذيفة وابن عباس وأم كرز ، أنه صلّى اللّه عليه وسلم أخبر أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة ، فقد بقي للناس من النبوة هذا وغيره ، ومع هذا لا يطلق اسم النبوة ولا النبي إلا على المشرع خاصة ، فحجر هذا الاسم لخصوص وصف معيّن في النبوة ، وما حجر النبوة التي ليس فيها هذا الوصف الخاص ، وإن كان حجر الاسم ، فنتأدب ونقف حيث وقف صلّى اللّه عليه وسلم بعد علمنا بما قال وما أطلق وما حجر ، فنكون على بينة من أمرنا ، وإذا علمت هذا فلنقل إن الرؤيا ثلاث ، منها بشرى ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه في اليقظة ، فيرتقم في خياله ، فإذا نام أدرك ذلك بالحس المشترك لأنه تصوره في يقظته ، فبقي مرتسما

في خياله ، فإذا نام وانصرفت الحواس إلى خزانة الخيال أبصرت ذلك ، والرؤيا الثالثة من الشيطان ، عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا ، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ،

والرؤيا ثلاث:فالرؤيا الصالحة بشرى من اللّه تعالى ، ورؤيا من تحزين الشيطان ، ورؤيا مما يحدث الرجل به نفسه ،وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس ] - الحديث - وفي حديث أبي قتادة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم [ إذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ، وليستعذ باللّه من شرها فإنها لا تضرّه ] وهو حديث حسن صحيح ،

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم [ إن رؤيا المسلم على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت ]

واعلم أن للّه ملكا موكلا بالرؤيا يسمى الروح ، وهو دون السماء الدنيا ، وبيده صور الأجساد التي يدرك النائم فيها نفسه وغيره ، وصور ما يحدث من تلك الصور من الأكوان ، فإذا نام الإنسان ، أو كان صاحب غيبة أو فناء أو قوة إدراك لا يحجبه المحسوسات في يقظته عن إدراك ما بيد هذا الملك من الصور ، فيدرك هذا الشخص بقوته في يقظته ما يدركه النائم في نومه ، وذلك أن اللطيفة الإنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتصل بها ، الذي محله مقدم الدماغ ، فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الإذن الإلهي ما يشاء الحق أن يريه هذا النائم أو الغائب أو الفاني أو القوي ، من المعاني متجسدة في الصور التي بيد هذا الملك ، فمنها ما يتعلق باللّه وما يوصف به من الأسماء ، فيدرك الحق في صورة ، أو القرآن أو العلم أو الرسول الذي هو على شرعه ، فهنا يحدث للرائي ثلاث مراتب أو إحداهن ،

المرتبة الواحدةأن تكون الصورة المدركة راجعة للمرئي بالنظر إلى منزلة ما من منازله وصفاته التي ترجع إليه ، فتلك رؤيا الأمر على ما هو عليه بما يرجع إليه ،

والمرتبة الثانيةأن تكون الصورة المرئية راجعة إلى حال الرائي في نفسه ،

والمرتبة الثالثةأن تكون الصورة المرئية راجعة إلى الحق المشروع والناموس الموضوع ، أي ناموس كان في تلك البقعة التي ترى تلك الصورة فيها ، في ولاة أمر ذلك الإقليم القائمين بناموسه ،وما ثم مرتبة رابعة سوى ما ذكرناه،

فالأولى وهي رجوع الصورة إلى عين المرئي فهي حسنة كاملة ولا بد ، لا تتصف بشيء من القبح والنقص ، والمرتبتان الباقيتان قد تظهر الصورة فيها بحسب الأحوال من الحسن والقبح

والنقص والكمال ، فلينظر إن كان من تلك الصورة خطاب فبحسب ما يكون الخطاب يكون حاله ، وبقدر ما يفهم منه في رؤياه ، ولا يعول على التعبير في ذلك بعد الرجوع إلى عالم الحس ، إلا إن كان عالما بالتعبير أو يسأل عالما بذلك ، ولينظر أيضا حركته أعني حركة الرائي مع تلك الصورة ، من الأدب والاحترام أو غير ذلك ، فإن حاله بحسب ما يصدر منه في معاملته لتلك الصورة ، فإنها صورة حق بكل وجه ، وقد يشاهد الروح الذي بيده هذه الحضرة وقد لا يشاهده ، وما عدا هذه الصورة فليست إلا من الشيطان إن كان فيه تحزين ، أو مما يحدث المرء به نفسه في حال يقظته ، فلا يعول على ما يرى من ذلك ، ومع هذا وكونها لا يعول عليها إذا عبّرت كان لها حكم ولا بد ، يحدث لها ذلك من قوة التعبير لا من نفسها ، وهو أن الذي يعبرها لا يعبرها حتى يصورها في خياله من المتكلم ، فقد انتقلت تلك الصورة من المحل الذي كانت حديث نفس أو تحزين شيطان إلى خيال العابر لها ، وما هي له حديث نفس ، فيحكم على صورة محققة ارتسمت في ذاته ، فيظهر لها حكم أحدثه حصول تلك الصورة في نفس العابر ، كما جاء في قصة يوسف مع الرجلين ، وكانا قد كذبا فيما صوراه ، ثم إن اللّه تعالى إذا رأى أحد رؤيا فإن صاحبها له فيما رآه حظ من الخير والشر بحسب ما تقتضي رؤياه ، أو يكون الحظ في ناموس الوقت في ذلك الموضع ، وأما في الصورة المرئية فلا ، فيصور اللّه ذلك الحظ طائرا وهو ملك في صورة طائر ، كما يخلق من الأعمال صورا ملكية روحانية جسدية برزخية ، وإنما جعلها في صورة طائر لأنه يقال طار له سهمه بكذا ، والطائر الحظ ، ويجعل الرؤيا معلقة في رجل هذا الطائر ، وهي عين الطائر ، ولما كان الطائر إذا اقتنص شيئا من الصيد من الأرض إنما يأخذه برجله لأنه لا يد له ، وجناحه لا يتمكن له الأخذ به ، فلذلك علق الرؤيا برجله ، فهي المعلقة وهي عين الطائر ، فإذا عبرت سقطت لما قيلت له ، وعندما تسقط ينعدم بسقوطها ، ويتصور في عالم الحس بحسب الحال التي تخرج عليه تلك الرؤيا ، فترجع صورة الرؤيا عين الحال لا غير ، ثم إن تسمية النبي صلّى اللّه عليه وسلم لها بشرى ومبشرة لتأثيرها في بشرة الإنسان ، فإن الصورة البشرية تتغير بما يرد عليها في باطنها مما تتخيله ، من صورة تبصرها أو كلمة تسمعها إما بحزن أو فرح ، فيظهر لذلك أثر في البشرة لا بد من ذلك ، فإنه حكم طبيعي أودعه اللّه في الطبيعة ، فلا يكون إلا هكذا . واعلم أن للرؤيا مكان ومحل وحال ، فحالها النوم ، وهو الغيبة عن

المحسوسات الظاهرة الموجبة للراحة ، لأجل التعب الذي كانت عليه في هذه النشأة في حال اليقظة من الحركة ، وإن كان في هواها ، فتعب الآلات والجوارح والأعضاء البدنية في حال اليقظة ، وجعل زمانه الليل وإن وقع بالنهار ، كما جعل النهار للمعاش وإن وقع بالليل ، ولكن الحكم للغالب ، فتنتقل هذه الآلات من ظاهر الحس إلى باطنه في النوم الذي يكون معه الرؤيا ، ليرى ما تقرر في خزانة الخيال الذي رفعت إليه الحواس ما أخذته من المحسوسات ، وما صورته القوة المصورة التي هي من بعض خدم هذه الخزانة ، لترى هذه النفس الناطقة التي ملّكها اللّه هذه المدينة ما استقر في خزانتها ، وعلى قدر ما كمل لهذه النشأة من الآلات التي هي الجوارح والخدام الذين هم القوى الحسية يكون الاختزان ، فثمّ خزانة كاملة لكمال الحياة ، وثمّ خزانة ناقصة كالأكمه ، فإنه لا ينتقل إلى خزانة خياله صور الألوان ، والخرس لا ينتقل إلى خزانة خياله صور الأصوات ولا الحروف اللفظية ، هذا كله إذا عدمها في أصل نشأته ، وأما إذا طرأت عليه هذه الآفات فلا ، فإنه إذا انتقل بالنوم إلى باطن النشأة ودخل الخزانة وجد صور الألوان التي اختزنها فيها قبل طرق الآفة ، وكذلك كل ما أعطته قوة من قوى الحس الذين هم جباة هذه المملكة ، فإذا ارتقى الإنسان في درج المعرفة علم أنه نائم في حال اليقظة المعهودة ، وأن الأمر الذي هو فيه رؤيا ، إيمانا وكشفا ، ولهذا ذكر اللّه أمورا واقعة في ظاهر الحس وقال (فَاعْتَبِرُوا) وقال : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً) *أي جوزوا واعبروا مما ظهر لكم من ذلك إلى علم ما بطن به وما جاء له ، قال عليه السلام : (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) ولكن لا يشعرون ، فمن اعتبر الرؤيا يرى أمرا هائلا ويتبين له ما لا يدركه من غير هذا الوجه ، ولهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أصبح في أصحابه سألهم : هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ لأنها نبوة ، فكان يحب أن يشهدها في أمته ، والناس اليوم في غاية الجهل بهذه المرتبة التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعتني بها ويسأل كل يوم عنها ، والجهلاء في هذا الزمان إذا سمعوا بأمر وقع في النوم لم يرفعوا به رأسا وقالوا : بالمنامات يريد أن يحكم ، هذا خيال ، وما هي إلا رؤيا ، فيستهونوا بالرائي إذا اعتمد عليها وهذا كله لجهله بمقامها ، وجهله بأنه في يقظته وتصرفه في رؤيا ، وفي منامه في رؤيا في رؤيا ، فهو كمن يرى أنه استيقظ في نومه وهو في منامه ، وهو قوله عليه السلام : [ الناس نيام ] وأما المكان والمحل ، فأما المحل فهو هذه النشأة العنصرية ، لا يكون للرؤيا محل غيرها ، فليس للملك رؤيا ، وإنما ذلك للنشأة

العنصرية الحيوانية خاصة ، وأما المكان فهو ما تحت مقعر فلك القمر خاصة ، وفي الآخرة ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة ، وذلك لأن النوم قد يكون في جهنم في أوقات ، ولا سيما في المؤمنين من أهل الكبائر ، وما فوق فلك الكواكب فلا نوم ، وأعني به النوم الكائن المعروف في العرف . واعلم أن الإنسان إذا زهد في غرضه ورغب عن نفسه وآثر ربه ، أقام له الحق عوضا من صورة نفسه صورة هداية إلهية حقا من عند حق ، حتى يرفل في غلائل النور ، وهي شريعة نبيه ورسالة رسوله ، فيلقى إليه من ربه ما يكون فيه سعادته ، فمن الناس من يراها على صورة نبيه ، ومنهم من يراها على صورة حاله ، فإذا تجلت له في صورة نبيه فليكن عين فهمه فيما تلقي إليه تلك الصورة لا غير ، فإن الشيطان لا يتمثل على صورة نبي أصلا ، فتلك حقيقة ذلك النبي وروحه ، أو صورة ملك مثله عالم من اللّه بشريعته ، فما قال فهو ذاك ، فمن صبر نفسه على ما شرع اللّه له على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فإن اللّه لا بد أن يخرج إليه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم في مبشرة يراها أو كشف بما يكون له عند اللّه من الخير ، وإنما يخرج اللّه إليه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا يتصور على صورته غيره ، فمن رآه رآه لا شك فيه ، فالمبشرات وهي جزء من أجزاء النبوة إما أن تكون من اللّه إلى العبد ، أو من اللّه على يد بعض عباده إليه ، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له ، فإن جاءته من اللّه في رؤياه على يد رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن كان حكما تعبد نفسه به ولا بد ، بشرط أن يرى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا ، كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده ، حتى إنه إن رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يراه مكسور الثنية العليا ، فإن لم يره بهذا الأثر فما هو ذاك ، وإن تحقق أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ورآه شيخا أو شابا مغايرا للصورة التي كان عليها في الدنيا ومات عليها ، ورآه في حسن أزيد مما وصف له ، أو قبح صورة أو يرى الرائي إساءة أدب في نفسه معه ، فذلك كله الحق الذي جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ما هو رسول اللّه ، فيكون ما رآه هذا الرائي عين الشرع ، إما في البقعة التي يراه فيها عند ولاة الأمور من الناس ، وإما أن يرجع ما يراه إلى حال الرائي أو إلى المجموع ، غير ذلك لا يكون ، فيكون تغير صورته صلّى اللّه عليه وسلم عين إعلامه وخطابه إياه بما هو الأمر عليه ، في حقه أو حق ولاة العصر بالموضع الذي يراه فيه ، فإن جاءه بحكم في هذه الصورة فلا يأخذ به إن اقتضى ذلك نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به ، وكل ما أتى به

من العلوم والأسرار مما عدا التحليل والتحريم فلا تحجير عليه فيما يأخذه منه ، لا في العقائد ولا في غيرها ، وذلك بخلاف حكمه لو رآه صلّى اللّه عليه وسلم على صورته ، فيلزمه الأخذ به ولا يلزم غير ذلك ، فإن اللّه يقول : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) هذا هو الفرقان بين الأمرين ، فقد يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الرؤيا أو في الكشف ، فيصحح من الأخبار ما ضعف بالنقل ، وقد ينفي من الأخبار ما ثبت عندنا بالنقل ، كما ذكر مسلم في صدر كتابه عن شخص أنه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المنام ، فعرض عليه ألف حديث كان في حفظه ، فأثبت صلّى اللّه عليه وسلم من الألف ستة أحاديث وأنكر صلّى اللّه عليه وسلم ما بقي ، فمن رآه صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقد رآه في اليقظة ما لم تتغير عليه الصورة ، فإن الشيطان لا يتمثل على صورته أصلا ، فهو معصوم الصورة حيا وميتا ، فمن رآه فقد رآه في أيّ صورة رآه .

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة