تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 2 من سورة طه

رقم السجل 2350 · السورة 20 · الآية 2

۞ قراءة النص
۞

مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ﴿2﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى

مع التشكيل

مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ

الرسم العثماني

مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ

النقل الصوتي

M<u>a</u> anzaln<u>a</u> AAalayka alqur<u>a</u>na litashq<u>a</u>

English

We have not revealed unto thee (Muhammad) this Qur'an that thou shouldst be distressed,

Français

Nous n'avons point fait descendre sur toi le Coran pour que tu sois malheureux,

Türkçe

Kur'an'ı zahmet çekmen için indirmedik.

Deutsch

WIR sandten dir den Quran nicht hinab, damit du dich erschöpfst.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«ما أنزلنا عليك القرآن» يا محمد «لتشقى» لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل أي خفف عن نفسك.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

وقوله ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) قال جويبر ، عن الضحاك : لما أنزل الله القرآن على رسوله ، قام به هو وأصحابه ، فقال المشركون من قريش : ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى! فأنزل الله تعالى : ( طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ) .

فليس الأمر كما زعمه المبطلون ، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرا كثيرا ، كما ثبت في الصحيحين ، عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " .

وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال :

حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا العلاء بن سالم ، حدثنا إبراهيم الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن ثعلبة بن الحكم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده : إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ، ولا أبالي " .

إسناده جيد وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي ذكره أبو عمر في استيعابه ، وقال : نزل البصرة ، ثم تحول إلى الكوفة ، وروى عنه سماك بن حرب .

وقال مجاهد في قوله : ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) : هي كقوله : ( فاقرءوا ما تيسر من ) [ المزمل : 20 ] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة .

وقال قتادة : ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) : لا والله ما جعله شقاء ، ولكن جعله رحمة ونورا ، ودليلا إلى الجنة .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى{طه} اختلف العلماء في معناه فقال الصديق رضي الله تعالى عنه هو من الأسرار ذكره الغزنوي ابن عباس معناه يا رجل ذكره البيهقي وقيل إنها لغة معروفة في عكل. وقيل في عك قال الكلبي : لو قلت في عك لرجل يا رجل لم يجب حتى تقول طه وأنشد الطبري في ذلك فقال : دعوت بطه في القتال فلم يجب ** فخفت عليه أن يكون موائلا ويروى مزايلا وقال عبدالله بن عمر يا حبيبي بلغة عك ذكره الغزنوي وقال قطرب هو بلغة طيء وأنشد ليزيد بن المهلهل : إن السفاهة طه من شمائلكم ** لا بارك الله في القوم الملاعين وكذلك قال الحسن معنى {طه} يا رجل وقال عكرمة وقال هو بالسريانية كذلك ذكره المهدوي وحكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا ومجاهد وحكى الطبري أنه بالنبطية يا رجل وهذا قول السدي وسعيد بن جبير وابن عباس أيضا قال : إن السفاهة طه من خلائقكم ** لا قدس الله أرواح الملاعين وقال عكرمة أيضا هو كقولك يا رجل بلسان الحبشة ذكره الثعلبي والصحيح أنها وإن وجدت في لغة أخرى فإنها من لغة العرب كما ذكرنا وأنها لغة يمنية في عك وطيء وعكل أيضا وقيل : هو اسم من أسماء الله تعالى وقَسَم أقسم به وهذا أيضا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل : هو اسم للنبي صلى الله عليه وسلم سماه الله تعالى به كما سماه محمدا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لي عند ربي عشرة أسماء) فذكر أن فيها {طه} و{يس} وقيل هو اسم للسورة ومفتاح لها وقيل إنه اختصار من كلام الله خص الله تعالى رسول بعلمه وقيل إنها حروف مقطعة يدل كل حرف منها على معني واختلف في ذلك فقيل الطاء شجرة طوبى والهاء النار الهاوية والعرب تعبر عن الشيء كله ببعضه كأنه أقسم بالجنة والنار وقال سعيد بن جبير الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب والهاء افتتاح اسمه هادي وقيل {طاء} يا طامع الشفاعة للأمة {هاء} يا هادي الخلق إلى الله وقيل الطاء من الطهارة والهاء من الهداية كأنه يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام يا طاهرا من الذنوب يا هادي الخلق إلى علام الغيوب وقيل الطاء طبول الغزاة والهاء هيبتهم في قلوب الكافرين بيانه قوله تعالى {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} وقوله {وقذف في قلوبهم الرعب} وقيل الطاء طرب أهل الجنة في الجنة والهاء هوان أهل النار في النار وقول سادس إن معنى {طه} طوبى لمن اهتدى قال مجاهد ومحمد بن الحنفية وقول سابع إن معنى {طه} طأ الأرض وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى الترويح بين قدميه فقيل له طأ الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح حكاه ابن الأنباري وذكر القاضي عياض في {الشفاء} أن الربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله تعالى {طه} يعني طأ الأرض يا محمد الزمخشري وعن الحسن {طه} وفسر بأنه أمر بالوطء وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا وأن الأصل طأ فقلبت همزته هاء كما قلبت [ألفا] في (يطأ) فيمن قال : ... لا هناك المرتع ثم بنى عليه هذا الأمر والهاء للسكت وقال مجاهد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل من طول القيام ثم نسخ ذلك بالفرض فنزلت هذه الآية وقال الكلبي : لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله تعالى أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل فكان بعد هذه الآية يصلي وينام وقال مقاتل والضحاك فلما نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم قام وأصحابه فصلوا فقال كفار قريش ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فأنزل الله تعالى {طه}يقول : رجل {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي لتتعب؛ على ما يأتي وعلى هذا القول إن {طه} (طاها) أي طأ الأرض فتكون الهاء والألف ضمير الأرض أي طأ الأرض برجليك في صلواتك وخففت الهمزة فصارت ألفا ساكنة وقرأت طائفة {طه} وأصله طأ بمعنى طأ الأرض فحذفت الهمزة أدخلت هاء السكت وقال زر بن حبيش قرأ رجل على عبدالله بن مسعود {طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} فقال له عبدالله {طه} فقال : يا أبا عبدالرحمن أليس قد أمر أن يطأ الأرض برجله أو بقدميه فقال {طه} كذلك أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمال أبو عمرو وأبو إسحاق الهاء وفتحا الطاء وأمالهما جميعا أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين واختاره أبو عبيد الباقون بالتفخيم قال الثعلبي وهي كلها لغات صحيحة النحاس لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين إحداهما أنه ليس ههنا ياء ولا كسرة فتكون الإمالة والعلة الأخرى أن الطاء من الحروف الموانع للإمالة فهاتان علتان بينتان. قوله تعالى {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} وقرئ {ما نُزِّل عليك القرآن لتشقى} قال النحاس بعض النحويين يقول هذه لام النفي وبعضهم يقول لام الجحود وقال أبو جعفر وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول إنها لام الخفض والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء والشقاء يمد ويقصر وهو من ذوات الواو وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب قال الشاعر : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم فمعنى لتشقى {لتتعب} بفرط تأسفك وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى {فلعلك باخع نفسك على آثارهم}[الكهف : 6] أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة وروى أن أبا جهل لعنه الله تعالى والنضر بن الحرث قالا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك شقي لأنك تركت دين آبائك فأريد رد ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز والسبب في درك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها وعلى الأقوال المتقدمة أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل أبق على نفسك فإن لها عليك حقا أي ما أنزلنا عليك القرآن لتنهك نفسك في العبادة وتذيقها المشقة الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة قوله تعالى{إلا تذكرة لمن يخشى} قال أبو إسحاق الزجاج هو بدل من {تشقى} أي ما أنزلناه إلا تذكرة النحاس وهذا وجه بعيد وأنكره أبو علي من أجل أن التذكرة ليست بشقاء وإنما هو منصوب على المصدر أي أنزلنا لتذكر به تذكرة أو على المفعول من أجله أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به ما أنزلناه إلا للتذكرة وقال الحسن بن الفضل فيه تقديم وتأخير مجازه ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى ولئلا تشقى. {تنزيلا} مصدر أي نزلناه تنزيلا وقيل بدل من قوله {تذكرة} وقرأ أبو حيوة الشامي {تنزيل} بالرفع على معنى هذا تنزيل. {ممن خلق الأرض والسماوات العلا} أي العالية الرفيعة وهى جمع العليا كقول كبرى وصغرى وكبر وصغر أخبر عن عظمته وجبروته وجلاله.
عرض مصدر التفسير
الميسر
ما أنزلنا عليك - أيها الرسول - القرآن؛ لتشقى بما لا طاقة لك به من العمل.
عرض مصدر التفسير
السعدي

{ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } أي: ليس المقصود بالوحي، وإنزال القرآن عليك، وشرع الشريعة، لتشقى بذلك، ويكون في الشريعة تكليف يشق على المكلفين، وتعجز عنه قوى العاملين. وإنما الوحي والقرآن والشرع، شرعه الرحيم الرحمن، وجعله موصلا للسعادة والفلاح والفوز، وسهله غاية التسهيل، ويسر كل طرقه وأبوابه، وجعله غذاء للقلوب والأرواح، وراحة للأبدان، فتلقته الفطر السليمة والعقول المستقيمة بالقبول والإذعان، لعلمها بما احتوى عليه من الخير في الدنيا والآخرة .

عرض مصدر التفسير
البغوي

( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) وقيل : لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك ، فنزلت ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) أي لتتعنى وتتعب ، وأصل الشقاء في اللغة العناء .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

طه (1) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (3) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (4) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (5)

[ بحث الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ]

المسألة الأولى - بحث عام في الألفاظ التي تعطي التشبيه والتجسيم - المحقق الواقف العارف بما تقتضيه الحضرة الإلهية من التقديس والتنزيه ونفي المماثلة ، لا يحجبه ما نطقت به الآيات والأخبار في حق الحق تعالى ، من أدوات التقييد بالزمان والجهة والمكان وما أشبه ذلك من الأدوات اللفظية ، وقد تقرر بالبرهان العقلي خلقه الأزمان والأمكنة والجهات والألفاظ والحروف والأدوات والمتكلم بها والمخاطبين من المحدثات ، كل ذلك خلق اللّه


تعالى ، فيعرف المحقق قطعا أنها مصروفة إلى غير الوجه الذي يعطيك التشبيه والتمثيل ، وأن الحقيقة لا تقبل ذلك أصلا ، ولكن تتفاضل العلماء السالمة عقائدهم من التجسيم ، فتتفاضل العلماء في هذا الصرف عن هذا الوجه الذي لا يليق بالحق تعالى ، فطائفة لم تشبّه ولم تجسم ، وصرفت علم ذلك الذي ورد في كلام اللّه ورسله إلى اللّه تعالى ،

ولم تدخل لها قدما في باب التأويل ، وقنعت بمجرد الإيمان بما يعلمه اللّه في هذه الألفاظ والحروف ، من غير تأويل ولا صرف إلى وجه من وجوه التنزيه ، بل قالت لا أدري جملة واحدة ، ولكني أحيل إبقاءه على وجه التشبيه ، لقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)

لا لما يعطيه النظر العقلي ، وعلى هذا فضلاء المحدثين من أهل الظاهر السالمة عقائدهم من التشبيه والتعطيل ، وطائفة أخرى من المنزهة عدلت بهذه الكلمات عن الوجه الذي لا يليق باللّه تعالى في النظر العقلي ، عدلت إلى وجه ما من وجوه التنزيه على التعيين مما يجوز في النظر العقلي أن يتصف به الحق تعالى ، بل هو متصف به ولا بد ،

وما بقي النظر إلا في هذه الكلمة ، هل المراد بها ذلك الوجه أم لا ؟

ولا يقدح ذلك التأويل في ألوهته ، وربما عدلوا إلى وجهين وثلاثة وأكثر على حسب ما تعطيه الكلمة في وضع اللسان ، ولكن من الوجوه المنزهة لا غير ،

فإذا لم يعرفوا من ذلك الخبر أو الآية عند التأويل في اللسان إلا وجها واحدا قصروا الخبر أو الآية إلى تلك المصارف ، وقالت طائفة من هؤلاء : يحتمل أن يريد كذا ،

ويحتمل أن يريد كذا ، وتعدد وجوه التنزيه ، ثم تقول : واللّه أعلم أي ذلك أراد ، وطائفة أخرى تقوّى عندها وجه ما من تلك الوجوه النزيهة بقرينة ما ،

قطعت لتلك القرينة بذلك الوجه على الخبر وقصرته عليه ، ولم تعرج على باقي الوجوه في ذلك الخبر وإن كانت كلها تقتضي التنزيه ، وطائفة أخرى من المنزهة أيضا وهي العالية ، فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها ، إذ كان المتقدمون من الطوائف المتقدمة المتأولة أهل فكر ونظر ،

فأشبهت في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم ، حيث لم ينظروا ولا تأولوا ولا صرفوا ، بل قالوا : ما فهمنا ،

فقال هؤلاء بقولهم ثم انتقلوا عن مرتبة أولئك بأن قالوا : لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات ، وذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري ،

ونجلس مع الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى ،

حتى يكون الحق تعالى يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق ، لما سمعته يقوله (واتقوا اللّه ويعلمكم اللّه) ويقول (إن تتقوا اللّه


يجعل لكم فرقانا) .

فعند ما توجهت قلوبهم وهمهم إلى اللّه تعالى ولجأت إليه ، وألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول ، كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة ، فعند ما كان منهم هذا الاستعداد تجلى الحق لهم معلّما ، فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار والكلمات دفعة واحدة ، وهذا ضرب من ضروب المكاشفة ، فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب ما نزهته العلماء المتقدم ذكرهم بالإدراك الفكري ، لم يصح لهم عند هذا الكشف والمعانية أن يجهلوا خبرا من هذه الأخبار التي توهم ، ولا أن يبقوا ذلك الخبر منسحبا على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين ، بل يعرفون الكلمة والمعنى النزيه الذي سيقت له ، فيقصرونها على ما أريدت له ، وإن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة ، معيّن عند هذا الشاهد ، وطائفة أخرى ليس لهم هذا التجلي ، ولكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء والكتابة ، وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامة عندهم لا يعرفها سواهم ، فيخبرون بما خوطبوا به وما ألهموا به وما ألقي إليهم أو كتب ،

وقد تقرر عند جميع المحققين الذين سلّموا الخبر لقائله ولم ينظروا ولا شبّهوا ولا عطلوا ،

والمحققين الذين بحثوا واجتهدوا ونظروا على طبقاتهم ، والمحققين الذين كوشفوا وعاينوا ،

والمحققين الذين خوطبوا وألهموا ،

أن الحق تعالى لا تدخل عليه تلك الأدوات المقيدة بالتحديد والتشبيه على حد ما نعقله من المحدثات ، ولكن تدخل عليه بما فيها من معنى التنزيه والتقديس ،

على طبقات العلماء والمحققين في ذلك لما فيه وتقتضيه ذاته من التنزيه ، وإذا تقرر هذا ،

فقد تبيّن أنها أدوات التوصيل إلى أفهام المخاطبين ، وكل عالم على حسب فهمه فيها وقوة نفوذه وبصيرته ، فعقيدة التكليف هينة الخطب ، فطر العالم عليها ، ولو بقيت المشبهة على ما فطرت عليه ما كفرت ولا جسّمت ، وجاء في هذه الآية الاستواء على العرش بلفظ العرش ولفظ الاستواء ، وما هو نص في ظرفية المكان ، بخلاف اسم لفظة المكان ، فإنه نصّ بالوضع في ظرفيته ، والمتمكن في المكان نص فيه ، فعدل إلى الاستواء والعرش ،

ليسوغ التأويل الذي يليق بالجناب العالي لمن يتأول ولا بد ، والأولى التسليم للّه فيما قاله ، ورد ذلك إلى علمه سبحانه بما أراده في هذا الخطاب ، ونفي التشبيه المفهوم عنه ، بقوله (ليس كمثله شيء)

–المسألة الثانية في الاستواء -ذكر تعالى أنه استوى على العرش على طريق التمدح والثناء ، إذ كان العرش أعظم الأجسام ، والاستواء حقيقة معقولة معنوية


تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات ، ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره ، فهو استواء منزه عن الحد والمقدار ، معلوم عنده ، غير مكيف ولا معلوم للعقول والأذهان ، وكما لا يلزم من الفوق إثبات الجهة ، كذلك لا يلزم من الاستواء إثبات المكان ، فذلك الاستواء مجهول النسبة ، ثابت الحكم ، متوجه كما ينبغي لجلاله نخلص من ذلك إلى القول بأن استواء الرحمن ليس كاستواء الأكوان ،

وأنه لو جلس عليه جلوسا كما يدعيه المشبهة لحدّه المقدار ، وقام به الافتقار إلى مخصص مختار ، لا تحيط به الجهات والأقطار ، والافتقار على اللّه محال ، فالاستقرار بمعنى الجلوس عليه محال ، ولا سبيل إلى هذا الاعتقاد بحال ،

وما بقي فيه سوى أمرين مربوطين بحقيقتين ، الأمر الواحد أن نصرف هذا الاستواء إلى الاستيلاء ، والأمر الآخر أن نؤمن بها كما جاءت من غير تشبيه ولا تكييف ، ونصرف العلم بها إليه ، فإنه أسلم بالمؤمنين عند قدومهم عليه ، ولهذا يختم المنزّه تأويله بقوله : واللّه أعلم ، لمعرفته بأن التنزيه قائم بذاته ،

ولكن صرف هذه الآية إلى هذا الحكم لا يلزم . فتحفظوا من مكر اللّه في التأويل واستدراجه ، واسألوه الثبات على منهاجه ، وطهروا قلوبكم بماء التقديس والتنزيه ، من التجسيم والتشبيه ، فإنه ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، ويستوي ويجيء وينزل ، وهو في السماء وفي الأرض كما قاله ، وعلى المعنى الذي أراده ، من غير تشبيه ولا تكييف ، وهو العليم القدير .- المسألة الثالثة في معنى العرش

- الوجه الأول - «عَلَى الْعَرْشِ» *أي على ملكه ، فالعرش عين الملك ،

يقال : ثلّ عرش الملك إذا اختل ملكه

- الوجه الثاني-العرش الذي استوى عليه الرحمن ، هو سرير ذو أركان أربعة ووجوه أربعة ، وله أربعة قوائم يحمله منها أربعة من الملائكة ، وفي كل نصف وجه قائمة ، فهي ثمانية قوائم ، لا حامل لتلك الأربعة اليوم إلى يوم القيامة ، فإذا كان في القيامة وكّل اللّه بها من يحملها ،

فيكونون في الآخرة ثمانية وهم في الدنيا أربعة ،

وقوائم هذا العرش على الماء الجامد ، فالعرش إنما يحمله الماء الجامد ، والحملة التي له إنما هي خدمة له تعظيما وإجلالا ،

وذلك الماء الجامد مقره على الهواء البارد ، والعرش مجوف ، محيط بجميع ما يحوي عليه من كرسي وأفلاك وجنات وسماوات وأركان ومولدات ،

وبين مقعر العرش والكرسي فضاء واسع وهواء محترق ، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة ، ولما أوجد اللّه العرش استوى عليه الرحمن واحد الكلمة لا مقابل لها ، فهو رحمة كله ، ليس فيه م


يقابل الرحمة ، وإن وقع ببعض العالم غصص ، فذلك لرحمة فيه . لولا ما جرعه إياها اقتضى ذلك مزاج الطبع ومخالفة الغرض النفسي ، فهو كالدواء الكريه والطعم الغير المستلذ وفيه رحمة للذي يشربه ويستعمله وإن كرهه ، فباطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، وما استوى عليه الرحمن تعالى إلا بعد ما خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها ، وخلق السماوات وأوحى في كل سماء أمرها ،

وفرغ من خلق هذه الأمور كلها ، ورتب الأركان ترتيبا يقبل الاستحالات لظهور التكوين والتنقل من حال إلى حال ، وبعد هذا استوى على العرش ، فالعرش هو الجسم الكلي ، واستوى عليه سبحانه بالاسم الرحمن بالاستواء الذي يليق به ،

الذي لا يعلمه إلا هو ، من غير تشبيه ولا تكييف ، وهو أول عالم التركيب ، وقد قال تعالى «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» في معرض التمدح ،

فلو كان في المخلوقات أعظم من العرش لم يكن ذلك تمدحا ، والعرش المذكور في هذه الآية مستوى الرحمن وهو محل الصفة - المسألة الرابعة في تفسير الآية –

اعلم أن اللّه سبحانه ما استوى على عرش إلا بالاسم الرحمن ، إعلاما بذلك أنه ما أراد بالإيجاد إلا رحمة بالموجودين ، ولم يذكر غيره من الأسماء ، وذكر الاستواء على أعظم المخلوقات إحاطة من عالم الأجسام ، فإن الآلام ليس محلها إلا التركيب ، وأما البسائط فلا تقبل في ذاتها قيام معنى بها ، بل هي عين المعنى ، فتدل هذه الآية على شمول الرحمة للعالم وإن طرأت عوارض البلايا ، فإنها رحمة كما ذكرنا في شرب الدواء الكريه ، ليس المقصود منه عذاب من شربه ولا إيلامه ، وإنما المقصود من استعماله ما يؤول إليه من استعمله من الراحة والعافية ، فللحق سبحانه تجل عام إحاطي ، وتجل خاص شخصي ، فالتجلي العام تجل رحماني .

وهو قوله تعالى «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» فمن معافى ومبتلى ، بحسب ما يحكم فيه من الأسماء إلى الأجل المسمى ،

فتعم الرحمة التي وسعت كل شيء من الرحمن الذي استوى على العرش ،

فتعم النعم العالم ، فإن العرش ما حوى ملكه كله مما وجد ، وعرشه وسع كل شيء ، والنار ومن فيها من الأشياء ، والرحمة سارية في كل موجود ، والتجلي الخاص هو ما لكل شخص شخص من العلم باللّه ، والرحمن لا يظهر عنه إلا مرحوم ، لذلك

ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اللّه عنه :" عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى»

لنعلم إذا ظهرت أعياننا وبلّغتنا سفراؤه هذا الأمر شمول الرحمة وعمومها ، ومآل الناس والخلق كلها إليها ،

فلو لم يكن من عظيم الرجاء في شمول الرحمة إلا قوله «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» لكفى فإذا استقرت

71


الرحمة في العرش الحاوي على جميع أجسام العالم ، فكل ما يناقضها أو يريد رفعها من الأسماء والصفات فعوارض لا أصل لها في البقاء ، لأن الحكم للمستولي وهو الرحمن ، فإليه يرجع الأمر كله ، فيكون المآل للرحمة التي وسعت كل شيء ، فهو في الدنيا يرزق مع الكفر ويعافي ويرحم ، فكيف مع الإيمان والاعتراف في الدار الآخرة على الكشف كما كان في قبض الذرية ؟

- إشارة-قرأ أبو العباس العريبي «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ» وقف والابتداء" اسْتَوى ".

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة