وقوله : ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) ، كقوله : ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) [ النازعات : 13 ، 14 ] . وقال تعالى : ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) [ النحل : 77 ] ، وقال : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) [ الإسراء : 52 ] .
أي : إنما نأمرهم أمرا واحدا ، فإذا الجميع محضرون ،
قوله تعالى: {ونفخ في الصور} هذه النفخة الثانية للنشأة. وقد بينا في سورة (النمل) أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية دالة على ذلك. وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بين النفختين أربعون سنة : الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت). وقال قتادة : الصور جمع صورة؛ أي نفخ في الصور والأرواح. وصورة وصور مثل سورة البناء وسور؛ قال العجاج : ورب ذي سرادق محجور ** سرتُ إليه في أعالي السور وقد روي عن أبي هريرة أنه قرأ: {ونفخ في الصور}. النحاس : والصحيح أن {الصور} بإسكان الواو : القرن؛ جاء بذلك التوقيف عن رسول الله، وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة : نحن نطحناهم غداة الغورين ** بالضابحات في غبار النقعين نطحا شديدا لا كنطح الصورين وقد مضى هذا في {الأنعام} مستوفى. {فإذا هم من الأجداث} أي القبور. وقرئ بالفاء {من الأجداف} ذكره الزمخشري. يقال : جدث وجدف. واللغة الفصيحة الجدث (بالثاء) والجمع أجدث وأجداث؛ قال المتنخل الهذلي : عرفت بأجدث فنعاف عرق ** علامات كتحبير النماط واجتدث : أي اتخذ جدثا. {إلى ربهم ينسلون} أي يخرجون؛ قال ابن عباس وقتادة ومنه قول امرئ القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي ومنه قيل للولد نسل؛ لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل : يسرعون. والنسلان والعسلان : الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب؛ قال : عسلان الذئب أمسى قاربا ** برد الليل عليه فنسل يقال : عسل الذئب ونسل، يعسل وينسل، من باب ضرب يضرب. ويقال : ينسل بالضم أيضا. وهو الإسراع في المشي؛ فالمعنى يخرجون مسرعين. وفي التنزيل: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة {لقمان : 28]، وقال {يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر} [القمر : 7]، وفي {سأل سائل} [المعارج : 1] {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} [المعارج : 43] أي يسرعون. وفي الخبر : شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الضعف فقال : (عليكم بالنسل) أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط. قوله تعالى: {قالوا ياويلنا} قال ابن الأنباري {يا ويلنا} وقف حسن ثم تبتدئ {من بعثنا} وروي عن بعض القراء {يا ويلنا مِن بعثِنا} بكسر من والثاء من البعث. روي ذلك عن علي رضي الله عنه؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله: {يا ويلنا} حتى يقول: {من مرقدنا}. وفي قراءة أبي بن كعب {من هبّنا} بالوصل {من مرقدنا} فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي : قرأ ابن أبي ليلى: {قالوا يا ويلتنا} بزيادة تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: {يا ويلتا أألد وأنا عجوز} [هود : 72]. وقرأ علي رضي الله عنه {يا ويلتا من بعثنا} فـ {من} متعلقة بالويل أو حال من {ويلتا} فتتعلق بمحذوف؛ كأنه قال : يا ويلتا كائنا من بعثنا؛ وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون حالا منه. و{من} من قوله: {من مرقدنا} متعلقة بنفس البعث. ثم قيل : كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أبي بن كعب قال : ينامون نومة. وفي رواية فيقولون : يا ويلتا من أهبنا من مرقدنا. قال أبو بكر الأنباري : لا يحمل هذا الحديث على أن {أهبنا} من لفظ القرآن كما قال من طعن في القرآن، ولكنه تفسير {بعثنا} أو معبر عن بعض معانيه. قال أبو بكر : وكذا حفظته {من هبنا} بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون من. والصواب فيه على طريق اللغة {من أهبنا} بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون {من} وأسقطت الهمزة؛ كما قالت العرب : من أخبرك من أعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك. ويقال : أهببت النائم فهب النائم. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي : وعاذلة هبت بليل تلومني ** ولم يعتمرني قبل ذاك عذول وقال أبو صالح : إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة؛ فذلك قولهم: {من بعثنا من مرقدنا} وقال ابن عباس وقتادة. وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد : فقال لهم المؤمنون: {هذا ما وعد الرحمن}. قال قتادة : فقال لهم من هدى الله {هذا ما وعد الرحمن}. وقال الفراء : فقالت لهم الملائكة: {هذا ما وعد الرحمن}. النحاس : وهذه الأقوال متفقة؛ لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} [البينة : 7] وكذا الحديث : (المؤمن عند الله خير من كل ما خلق). ويجوز أن تكون الملائكة وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم: {هذا ما وعد الرحمن}. وقيل : إن الكفار لما قال بعضهم لبعض: {من بعثنا من مرقدنا} صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} فكذبنا به؛ أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وكان حفص يقف على {من مرقدنا} ثم يبتدئ فيقول: {هذا}. قال أبو بكر بن الأنباري: {من بعثنا من مرقدنا} وقف حسن؛ ثم تبتدئ {هذا ما وعد الرحمن} ويجوز أن تقف على {مرقدنا هذا} فتخفض هذا على الإتباع للمرقد، وتبتدئ {ما وعد الرحمن} على معنى بعثكم ما وعد الرحمن؛ أي بعثكم وعد الرحمن. النحاس : التمام على {من مرقدنا} و{هذا} في موضع رفع بالابتداء وخبره {ما وعد الرحمن}. ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت لـ {مرقدنا} فيكون التمام {من مرقدنا هذا}. {ما وعد الرحمن} في موضع رفع من ثلاث جهات. ذكر أبو إسحاق منها اثنتين قال : يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى ما وعد الرحمن. {إن كانت إلا صيحة واحدة} يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل : أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة والشعور المتمزقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهذا معنى قول الحق: {يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. {ق : 42]. وقال: {مهطعين إلى الداعي} [القمر : 8] على ما يأتي. وفي قراءة ابن مسعود إن صح عنه {إن كانت إلا زقية واحدة} والزقية الصيحة؛ وقد تقدم هذا. {فإذا هم جميع لدينا محضرون} {فإذا هم} مبتدأ وخبره {جميع} نكرة، و{محضرون} من صفته. ومعنى {محضرون} مجموعون أحضروا موقف الحساب؛ وهو كقوله: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر{النحل : 77]. قوله تعالى: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا} أي لا تنقص من ثواب عمل. {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} {ما} في محل نصب من وجهين : الأول أنه مفعول ثان لما لم يسم فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة تقديره : إلا بما كنتم تعملون؛ أي تعملونه فحذف.
لولا حشر الأجسام في الآخرة لقامت بنفوس الزهاد والعارفين في الآخرة حسرة الفوت ، ولتعذبوا لو كان الاقتصار على الجنات المعنوية لا الحسية ، فخلق اللّه في الآخرة جنة حسية وجنة معنوية ، وأباح لهم في الجنة الحسية ما تشتهي أنفسهم ، ورفع عنهم ألم الحاجات ، فشهواتهم كالإرادة من الحق إذا تعلقت بالمراد تكون ، فما أكل أهل السعادة لدفع ألم الجوع ، ولا شربوا لدفع ألم العطش ولما اشتغلوا هنا باللّه من حيث ما كلفهم - فهم يجزون في الأمور بالميزان الذي حدّ لهم ، خائفين من أن يطففوا أو يخسروا الميزان - جعل لهم سبحانه الاشتغال في الآخرة بالجنة الحسية لأجسامهم الطبيعية ، والعارفون وغير العارفين في هذه الصورة الحسية على السواء ، ويفوز العارفون بما يزيدون عليه من جنات المعاني ، والاشتغال بالشهوات هنا منع العامة وعلماء الرسوم في الدنيا والآخرة ، وأهل اللّه معهم من حيث نفوسهم النباتية والحيوانية في هذا الشغل ، وهم مع اللّه من وجه آخر ، فكما أنه ما حجبهم في الدنيا ما هم عليه من الحاجة إلى الغذاء مع قوة سلطانه في الدنيا لدفع الآلام ، آلام الجوع والعطش والإحساس بأنواع الأشياء المؤلمة ، كذلك لا يحجبهم في الآخرة نعيم الجنان المحسوس عن اللّه في الاتصاف بأسمائه التي تليق بالدار الآخرة ، لأن لها أسماء لا يعلمها اليوم أحد أصل.
الطبعة والمصدر
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.