وقوله : ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في تفسيرها : يقول : ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى ، فكيف يهتدون ؟ وقال مرة : أعميناهم .
وقال الحسن البصري : لو شاء الله لطمس على أعينهم ، فجعلهم عميا يترددون .
وقال السدي : لو شئنا أعمينا أبصارهم .
وقال مجاهد ، وأبو صالح ، وقتادة ، والسدي : ( فاستبقوا الصراط ) يعني الطريق .
وقال ابن زيد : يعني بالصراط هاهنا الحق ، ( فأنى يبصرون ) وقد طمسنا على أعينهم ؟
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فأنى يبصرون ) ] يقول ] : لا يبصرون الحق .
قوله تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال : (هل تدرون مم أضحك؟ - قلنا : الله ورسوله أعلم قال : - من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال : يقول بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال : فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال : فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال : ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل) خرجه أيضا من حديث أبي هريرة. وفيه : (ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ومتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه). وخرج الترمذي عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال : وأشاره بيده إلى الشام فقال : (من ها هنا إلى ها هنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفِدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه) في رواية أخرى : (فخذه وكفه) الفدام مصفاة الكوز والإبريق؛ قال الليث. قال أبو عبيد : يعني أنهم منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق. ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه : أحدها : لأنهم قالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام : 23] فختم الله على أفواههم حتى نطقت جوارحهم؛ قاله أبو موسى الأشعري. الثاني : ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم؛ قاله ابن زياد. الثالث : لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز، إن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع : ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه صارت عليه شهودا في حق ربه. فإن قيل : لم قال {وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} فجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل : إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل؛ فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روي عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى) ذكره الماوردي والمهدوي. وقال أبو موسى الأشعري : إنى لأحسب أن أول ما ينطق منه فخذه اليمنى؛ ذكره المهدوي أيضا. قال الماوردي : فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء؛ لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها. قال : وتقدمت اليسرى؛ لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها؛ فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قلت : أو بالعكس لغلبة الشهوة، أو كلاهما معا والكف؛ فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة واللذة. والله أعلم. قوله تعالى: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون} حكى الكسائي : طمَس يطمِس ويطمُس. والمطموس والطميس عند أهل اللغة الأعمى الذي ليس في عينيه شق. قال ابن عباس : المعنى لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق. وقال الحسن والسدي : المعنى لتركناهم عميا يترددون. فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها. وهذا اختيار الطبري. وقوله: {فاستبقوا الصراط} أي استبقوا الطريق ليجوزوا {فأنى يبصرون} أي فمن أين يبصرون. وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن ابن عباس : ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم، وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى؛ فاهتدوا وأبصروا رشدهم، وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال: {فأنى يبصرون} ولم نفعل ذلك بهم؛ أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية. وقد روي عن عبدالله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة. وقال : إذا كان يوم القيامة ومد الصراط.، نادى مناد ليقم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؛ فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه. ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته؛ فيقوم فيتبعونه برهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. ذكره النحاس وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره ابن المبارك في رقائقه. وذكره القشيري. وقال ابن عباس رضي الله عنه : أخذ الأسود بن الأسود حجرا ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فطمس الله على بصره، وألصق الحجر بيده، فما أبصره ولا اهتدى، ونزلت الآية فيه. والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، مأخوذ من طمس الريح الأثر؛ قاله الأخفش والقتبي. قوله تعالى: {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} المسخ : تبديل الخلقة وقلبها حجرا أو جمادا أو بهيمة. قال الحسن : أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم. وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر. وقد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة، ثم تلك البهيمة لا تعقل موضعا تقصده فتتحير، فلا تقبل ولا تدبر. ابن عباس رضي الله عنه : المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقيل : المعنى لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترؤوا فيه على المعصية. ابن سلام : هذا كله يوم القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط. وقرأ الحسن والسلمي وزر بن حبيش وعاصم في رواية أبي بكر}مكاناتهم} على الجمع، الباقون بالتوحيد. وقرأ أبو حيوة}فما استطاعوا مضيا} بفتح الميم. والمضى بضم الميم مصدر يمضى مضيا إذا ذهب. قوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} قرأ عاصم وحمزة {ننكسه} بضم النون الأولى وتشديد الكاف من التنكيس. الباقون }نَنْكُسه} بفتح النون الأولى وضم الكاف من نكست الشيء أنكسه نكسا قلبته على رأسه فانتكس. قال قتادة : المعنى أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. وقال سفيان في قوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه وضعفت قوته. قال الشاعر : من عاش أخلقت الأيام جدته ** وخانه ثقتاه السمع والبصر فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا، وهذا هو الغالب. وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر. وقد مضى في {النحل} بيانه. {أفلا يعقلون} أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. وقرأ نافع وابن ذكوان {تعقلون} بالتاء. الباقون بالياء}.
{ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ } بأن نُذْهِبَ أبصارهم، كما طمسنا على نطقهم. { فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ } أي: فبادروا إليه، لأنه الطريق إلى الوصول إلى الجنة، { فَأَنَّى يُبْصِرُونَ } وقد طمست أبصارهم.
قوله عز وجل : ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) [ أي : أذهبنا أعينهم ] الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق ، وهو معنى الطمس كما قال الله عز وجل : " ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " ( البقرة - 20 ) يقول : كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة ( فاستبقوا الصراط ) فتبادروا إلى الطريق ( فأنى يبصرون ) فكيف يبصرون [ وقد أعمينا أعينهم ؟ يعني : لو نشاء لأضللناهم عن الهدى ، وتركناهم عميا يترددون ، فكيف يبصرون ] الطريق حينئذ ؟ هذا قول الحسن والسدي . وقال ابن عباس ، وقتادة ، ومقاتل ، وعطاء : معناه لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم ، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم ( فأنى يبصرون ) ولم أفعل ذلك بهم ؟
" وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ» لأنه أرسل مبيّنا مفصّلا ، والشعر من الشعور ، فمحله الإجمال لا التفصيل وهو خلاف البيان ، وقال تعالى : «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ» لقولهم هو شاعر ، فإن الشعر محل الإجمال والرموز والألغاز والتورية ، أي ما رمزنا له شيئا ولا لغزناه ، ولا خاطبناه بشيء ونحن نريد شيئا آخر ، ولا أجملنا له الخطاب ، لأنه تعالى بعثه بالبيان الشافي ، ووضع الشعر ليس على هذا البناء ، وإن كان يقع فيه البيان «وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ» يعني هذا الذي
بعثناه به «إِلَّا ذِكْرٌ» لأنه أخذه عن مجالسة من الحق لما شاهده ، حين جذبناه وغيبناه عنه وأحضرناه بنا عندنا ، فكنا سمعه وبصره ، ثم رددناه إليكم لتهتدوا به في ظلمات الجهل والكون ، فكنا لسانه الذي يخاطبكم به ،
ثم أنزلنا عليه مذكّرا يذكره بما شاهده ، فهو ذكر له لذلك «وَقُرْآنٌ» أي جمع أشياء كان شاهدها عندنا «مُبِينٌ» أي ظاهر له ،
ما فيه لغز ولا رمز كما هو في الشعر ، فهو مفصّل ، في عين الجمع ، لعلمه بأصل ما شاهده وعاينه في ذلك التقريب الأنزه الأقدس الذي نال منه صلّى اللّه عليه وسلم ، فما أخذه عن شعور ،
فإنه كل ما عيّنه صاحب الشعور في المشعور به فإنه حدس - ولو وافق الأمر ويكون علما - فما هو على بصيرة ، وهذا هو الفرق بين العلم والشعور ، فحظ الشعور من العلم أن تعلم أن خلف الباب أمرا ما على الجملة ، لا يعلم ما هو ، وأما العلم فلا يكون حصوله إلا عن كشف بعد فتح الباب ، يعطيه الجود الإلهي ويبديه ويوضحه .
الطبعة والمصدر
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.