فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿97﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين
مع التشكيل
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
الرسم العثماني
فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
النقل الصوتي
Feehi <u>a</u>y<u>a</u>tun bayyin<u>a</u>tun maq<u>a</u>mu ibr<u>a</u>heema waman dakhalahu k<u>a</u>na <u>a</u>minan walill<u>a</u>hi AAal<u>a</u> a<b>l</b>nn<u>a</u>si <u>h</u>ijju albayti mani ista<u>ta</u>AAa ilayhi sabeelan waman kafara fainna All<u>a</u>ha ghaniyyun AAani alAA<u>a</u>lameen<b>a</b>
English
Wherein are plain memorials (of Allah's guidance); the place where Abraham stood up to pray; and whosoever entereth it is safe. And pilgrimage to the House is a duty unto Allah for mankind, for him who can find a way thither. As for him who disbelieveth, (let him know that) lo! Allah is Independent of (all) creatures.
Français
Là sont des signes évidents, parmi lesquels l'endroit où Abraham s'est tenu debout; et quiconque y entre est en sécurité. Et c'est un devoir envers Allah pour les gens qui ont les moyens, d'aller faire le pèlerinage de la Maison. Et quiconque ne croit pas... Allah Se passe largement des mondes.
Türkçe
Oradadır apaçık deliller ve İbrahim'in durağı ve kim oraya girerse emin olur. İnsanlardan, oraya gitmeye gücü yetene, Allah için gidip o evi ziyaret ederek haccetmesi farzdır. İnkar eden eder, Allah şüphe yok ki bütün alemlerden müstağnidir.
Deutsch
In ihm sind deutliche Ayat, (davon) Maqamu-ibrahim. Und wer es betritt, ist in Sicherheit. Und den Menschen ist es ALLAH gegenüber auferlegt, zum Haus zu pilgern - wer von ihnen dazu die Möglichkeit findet. Und wer Kufr betreibt, so ist ALLAH gewiß autark den Geschöpfen gegenüber.
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
( فيه آيات بينات ) أي : دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم ، وأن الله تعالى عظمه وشرفه .
ثم قال تعالى : ( مقام إبراهيم ) يعني : الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران ، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل ، وقد كان ملتصقا بجدار البيت ، حتى أخره عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف ، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف ، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) [ البقرة : 125 ] وقد قدمنا الأحاديث في ذلك ، فأغنى عن إعادته هاهنا ، ولله الحمد والمنة .
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) أي : فمنهن مقام إبراهيم والمشعر .
وقال مجاهد : أثر قدميه في المقام آية بينة . وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم .
وقال أبو طالب في قصيدته :
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي قالا حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : ( مقام إبراهيم ) قال : الحرم كله مقام إبراهيم . ولفظ عمرو : الحجر كله مقام إبراهيم .
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : الحج مقام إبراهيم . هكذا رأيت في النسخة ، ولعله الحجر كله مقام إبراهيم ، وقد صرح بذلك مجاهد .
وقوله : ( ومن دخله كان آمنا ) يعني : حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء ، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية ، كما قال الحسن البصري وغيره : كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو يحيى التيمي ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) قال : من عاذ بالبيت أعاذه البيت ، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ، فإذا خرج أخذ بذنبه .
وقال الله تعالى : ( أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) [ العنكبوت : 67 ] وقال تعالى : ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) [ قريش : 3 ، 4 ] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره ، وحرمة قطع أشجارها وقلع حشيشها ، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا .
ففي الصحيحين ، واللفظ لمسلم ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة : " لا هجرة ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " ، وقال يوم الفتح فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها . فقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : " إلا الإذخر " .
ولهما عن أبي هريرة ، مثله أو نحوه ولهما واللفظ لمسلم أيضا عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب " فقيل لأبي شريح : ما قال لك عمرو ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخزية .
وعن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح " رواه مسلم .
وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة : " والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " .
رواه الإمام أحمد ، وهذا لفظه ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وقال الترمذي : حسن صحيح وكذا صحح من حديث ابن عباس نحوه ، وروى أحمد عن أبي هريرة ، نحوه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان حدثنا أبو عاصم ، عن زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم ، حدثني زياد بن أبي عياش ، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة ، في قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) قال : آمنا من النار .
وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد ، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا ابن المؤمل ، عن ابن محيصن ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة ، وخرج مغفورا له " : ثم قال : تفرد به عبد الله بن المؤمل ، وليس بقوي .
وقوله : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) هذه آية وجوب الحج عند الجمهور . وقيل : بل هي قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ البقرة : 196 ] والأول أظهر .
وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده ، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا ، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع .
قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أيها الناس ، قد فرض عليكم الحج فحجوا " . فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم " . ثم قال : " ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " . ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، به نحوه .
وقد روى سفيان بن حسين ، وسليمان بن كثير ، وعبد الجليل بن حميد ، ومحمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن أبي سنان الدؤلي - واسمه يزيد بن أمية - عن ابن عباس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أيها الناس ، إن الله كتب عليكم الحج " . فقام الأقرع بن حابس فقال : يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ قال : " لو قلتها ، لوجبت ، ولو وجبت لم تعملوا بها ، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها ، الحج مرة ، فمن زاد فهو تطوع " .
رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم من حديث الزهري ، به . ورواه شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، بنحوه . وروي من حديث أسامة يزيد .
[ و ] قال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وردان ، عن علي بن عبد الأعلى ، عن أبيه ، عن أبي البختري ، عن علي قال : لما نزلت : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قالوا : يا رسول الله ، في كل عام ؟ فسكت ، قالوا : يا رسول الله ، في كل عام ؟ قال : " لا ، ولو قلت : نعم ، لوجبت " . فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) [ المائدة : 101 ] .
وكذا رواه الترمذي ، وابن ماجه ، والحاكم ، من حديث منصور بن وردان ، به : ثم قال الترمذي : حسن غريب . وفيما قال نظر ، لأن البخاري قال : لم يسمع أبو البختري من علي .
وقال ابن ماجه : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا محمد بن أبي عبيدة ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك قال : قالوا : يا رسول الله ، الحج في كل عام ؟ قال : " لو قلت نعم ، لوجبت ، ولو وجبت لم تقوموا بها ، ولو لم تقوموا بها لعذبتم " .
وفي الصحيحين من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن جابر ، عن سراقة بن مالك قال : يا رسول الله ، متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ؟ قال : " لا ، بل للأبد " . وفي رواية : " بل لأبد أبد " .
وفي مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود ، من حديث واقد بن أبي واقد الليثي ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجته : " هذه ثم ظهور الحصر " يعني : ثم الزمن ظهور الحصر ، ولا تخرجن من البيوت .
وأما الاستطاعة فأقسام : تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه ، وتارة بغيره ، كما هو مقرر في كتب الأحكام .
قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا إبراهيم بن يزيد قال : سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر قال : قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من الحاج يا رسول الله ؟ قال : " الشعث التفل " فقام آخر فقال : أي الحج أفضل يا رسول الله ؟ قال : " العج والثج " ، فقام آخر فقال : ما السبيل يا رسول الله ؟ قال : " الزاد والراحلة " .
وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي . قال الترمذي : ولا نعرفه إلا من حديثه ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه . كذا قال هاهنا . وقال في كتاب الحج : هذا حديث حسن .
[ و ] لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا ، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث .
لكن قد تابعه غيره ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري ، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي ، عن محمد بن عباد بن جعفر قال : جلست إلى عبد الله بن عمر قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما السبيل ؟ قال : " الزاد والراحلة " . وكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ، به .
ثم قال ابن أبي حاتم : وقد روي عن ابن عباس ، وأنس ، والحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والربيع بن أنس ، وقتادة - نحو ذلك .
وقد روي هذا الحديث من طرق أخر من حديث أنس ، وعبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وعائشة كلها مرفوعة ، ولكن في أسانيدها مقال كما هو مقرر في كتاب الأحكام ، والله أعلم .
وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث . ورواه الحاكم من حديث قتادة عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله : ( من استطاع إليه سبيلا ) فقيل ما السبيل ؟ قال : " الزاد والراحلة " . ثم قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قالوا : يا رسول الله ، ما السبيل ؟ قال : " الزاد والراحلة " .
ورواه وكيع في تفسيره ، عن سفيان ، عن يونس ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا الثوري ، عن إسماعيل - وهو أبو إسرائيل الملائي - عن فضيل - يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " .
وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي ، عن مهران بن أبي صفوان عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أراد الحج فليتعجل " .
ورواه أبو داود ، عن مسدد ، عن أبي معاوية الضرير ، به .
وقد روى ابن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( من استطاع إليه سبيلا ) قال : من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلا .
وعن عكرمة مولاه أنه قال : السبيل الصحة .
وروى وكيع بن الجراح ، عن أبي جناب - يعني الكلبي - عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس قال : ( من استطاع إليه سبيلا ) قال : الزاد والبعير .
وقوله : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر ، والله غني عنه .
وقال سعيد بن منصور ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عكرمة قال : لما نزلت : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) قالت اليهود : فنحن مسلمون . قال الله ، عز وجل فاخصمهم فحجهم - يعني فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فقالوا : لم يكتب علينا ، وأبوا أن يحجوا . قال الله : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) .
وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه .
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم وشاذ بن فياض قالا أخبرنا هلال أبو هاشم الخراساني ، أخبرنا أبو إسحاق الهمداني ، عن الحارث ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله ، فلا يضره مات يهوديا أو نصرانيا ، ذلك بأن الله قال : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) .
ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم ، به .
وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي : حدثنا هلال بن فياض ، حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني ، فذكره بإسناده مثله . ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي ، به ، وقال : [ هذا ] حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي إسناده مقال ، وهلال مجهول ، والحارث يضعف في الحديث .
وقال البخاري : هلال هذا منكر الحديث . وقال ابن عدي : هذا الحديث ليس بمحفوظ .
وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث [ أبي ] عمرو الأوزاعي ، حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : من أطاق الحج فلم يحج ، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا .
وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه ، وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال : قال عمر بن الخطاب : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة فلم يحج ، فيضربوا عليهم الجزية ، ما هم بمسلمين . ما هم بمسلمين .
الطبري
الميسر
السعدي
أي: أدلة واضحات، وبراهين قاطعات على أنواع من العلوم الإلهية والمطالب العالية، كالأدلة على توحيده ورحمته وحكمته وعظمته وجلاله وكمال علمه وسعة جوده، وما مَنَّ به على أوليائه وأنبيائه، فمن الآيات { مقام إبراهيم } يحتمل أن المراد به المقام المعروف وهو الحجر الذي كان يقوم عليه الخليل لبنيان الكعبة لما ارتفع البنيان، وكان ملصقا في جدار الكعبة، فلما كان عمر رضي الله عنه وضعه في مكانه الموجود فيه الآن، والآية فيه قيل أثر قدمي إبراهيم، قد أثرت في الصخرة وبقي ذلك الأثر إلى أوائل هذه الأمة، وهذا من خوارق العادات، وقيل إن الآية فيه ما أودعه الله في القلوب من تعظيمه وتكريمه وتشريفه واحترامه، ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم أنه مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات، كالطواف والسعي ومواضعها، والوقوف بعرفة ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر، والآية في ذلك ما جعله الله في القلوب من تعظيمها واحترامها وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها وتحمل كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز الخلق عن إحصاء بعضها، ومن الآيات البينات فيها أن من دخله كان آمنا شرعا وقدرا، فالشرع قد أمر الله رسوله إبراهيم ثم رسوله محمد باحترامه وتأمين من دخله، وأن لا يهاج، حتى إن التحريم في ذلك شمل صيودها وأشجارها ونباتها، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء أن من جنى جناية خارج الحرم ثم لجأ إليه أنه يأمن ولا يقام عليه الحد حتى يخرج منه، وأما تأمينها قدرا فلأن الله تعالى بقضائه وقدره وضع في النفوس حتى نفوس المشركين به الكافرين بربهم احترامه، حتى إن الواحد منهم مع شدة حميتهم ونعرتهم وعدم احتمالهم للضيم يجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه، ومن جعله حرما أن كل من أراده بسوء فلا بد أن يعاقبه عقوبة عاجلة، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم، وقد رأيت لابن القيم هاهنا كلاما حسنا أحببت إيراده لشدة الحاجة إليه قال فائدة: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } "حج البيت" مبتدأ وخبره في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله: "على الناس" لأنه وجوب، والوجوب يقتضي "على" ويجوز أن يكون في قوله: "ولله" لأنه متضمن الوجوب والاستحقاق، ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط الفائدة وموضعها، وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير، فكان الأحسن أن يكون "ولله على الناس" . ويرجح الوجه الأول بأن يقال قوله: "حج البيت على الناس" أكثر استعمالا في باب الوجوب من أن يقال: "حج البيت لله" أي: حق واجب لله، فتأمله. وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول وليس بخبر فائدتان: إحداهما: أنه اسم للموجب للحج، فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب، فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع: أحدها: الموجب لهذا الفرض فبدأ بذكره، والثاني: مؤدي الواجب وهو المفترض عليه وهم الناس، والثالث: النسبة، والحق المتعلق به إيجابا وبهم وجوبا وأداء، وهو الحج. والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان اسما لله سبحانه، وجب الاهتمام بتقديمه تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفا من تضييعه، إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره. وأما قوله: "مَنْ" فهي بدل، وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها فاعل بالمصدر، كأنه قال: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وهذا القول يضعف من وجوه، منها: أن الحج فرض عين، ولو كان معنى الآية ما ذكره لأفهم فرض الكفاية، لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم، لأن المعنى يؤل إلى: ولله على الناس حج البيت مستطيعهم، فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبا على غير المستطيعين، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض عين على كل أحد، حج المستطيعون أو قعدوا، ولكن الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب، فلا يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه، فإذا حج سقط الفرض عن نفسه، وليس حج المستطيعين بمسقط الفرض عن العاجزين، وإذا أردت زيادة إيضاح، فإذا قلت: واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعون للجهاد، فإذا جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق الوجوب في غيرهم، وإذا قلت واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع، كان الوجوب متعلقا بالجميع وعذر العاجز بعجزه، ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال: ولله حج البيت على المستطيعين، هذه النكتة البديعة فتأملها. الوجه الثاني: أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إضافته إلى المفعول ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول، فلو كان من هو الفاعل لأضيف المصدر إليه فكان يقال: "ولله على الناس حج مَنْ استطاع" وحمله على باب "يعجبني ضرب زيد عمرا" وفيما يفصل فيه بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول والظرف حمل على المكتوب المرجوح، وهي قراءة ابن عامر ( قتل أولادهم شركائهم )، فلا يصار إليه.وإذا ثبت أن "من" بدل بعض من كل وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى "الناس" كأنه قيل: من استطاع منهم، وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن، وحسنه هاهنا أمور منها: أن "من" واقعة على من لا يعقل، كالاسم المبدل منه فارتبطت به، ومنها: أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت الصلة أعم لقبح حذف الضمير العائد، ومثال ذلك إذا قلت: رأيت إخوتك من ذهب إلى السوق منهم، كان قبيحا، لأن الذاهب إلى السوق أعم من الإخوة، وكذلك لو قلت: البس الثياب ما حسن وجمل، يريد منها، ولم يذكر الضمير كان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما حسن أعم من الثياب. وباب البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه، فإذا كان أعم وأضفته إلى ضمير أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم وبقي الخصوص، ومما حسن حذف المضاف في هذه أيضا مع ما تقدم طول الكلام بالصلة والموصول. وأما المجرور من قوله "لله" فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع من سبيل، كأنه نعت نكرة قدم عليها، لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل، والثاني: أن يكون متعلقا بسبيل، فإن قلت: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟ قيل: السبيل لما كان عبارة هاهنا عن الموصل إلى البيت من قوت وزاد ونحوهما، كان فيه رائحة الفعل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، فصلح تعلق المجرور به، واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت هو المقصود به الاعتناء، وهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعني هذا تقرير السهيلي، وهذا بعيد جدا بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين، ولا يليق بالآية سواه، وهو الوجوب المفهوم من قوله "على الناس" أي: يجب لله على الناس الحج، فهو حق واجب لله، وأما تعليقه بالسبيل وجعله حالا منها، ففي غاية البعد فتأمله، ولا يكاد يخطر بالبال من الآية، وهذا كما تقول: لله عليك الصلاة والزكاة والصيام. ومن فوائد الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر والنهي، وهو الأكثر، وبلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم نحو { كتب عليكم الصيام } { حرمت عليكم الميتة } { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } وفي الحج أتى بهذا اللفظ الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه، أحدها أنه قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على أبدل منه أهل الاستطاعة، ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي: سبيل تيسرت، من قوت أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا، ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال { ومن كفر } أي: لعدم التزامه هذا الواجب وتركه ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره ما يستغنى به عنه، والله تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حج أحد، وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو أعظم التهديد وأبلغه، ثم أكد ذلك بذكر اسم "العالمين" عموما، ولم يقل: فإن الله غني عنه، لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه بكل اعتبار، فكان أدل لعظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه، ثم أكد هذا المعنى بأداة "إن" الدالة على التأكيد، فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض العظيم. وتأمل سر البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرتين، مرة بإسناده إلى عموم الناس، ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرر الإسناد ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته. ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وخلتين، اعتناء به وتأكيد لشأنه، ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما تدعوا النفوس إلى قصده وحجه وان لم يطلب ذلك منها، فقال: { إن أول بيت } إلخ، فوصفه بخمس صفات: أحدها كونه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض، الثاني: أنه مبارك، والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق، الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة، حتى كأنه نفس الهدى، الرابع ما تضمن من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية، الخامس: الأمن الحاصل لداخله، وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدل على الاعتناء منه سبحانه لهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله { وطهر بيتي } لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حباله وشوقا إلى رؤيته، فهذه المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل: أطوف به والنفس بعد مشوقة إليه وهل بعـد الطـواف تداني وألثم منه الركـن أطلـب برد ما بقلبي من شـوق ومن هيمان فـوالله مـا ازداد إلا صبــابة ولا القــلب إلا كثرة الخفقان فيـا جنة المأوى ويا غاية المنى ويا منيتي من دون كل أمـان أبت غلبـات الشـوق إلا تقـربا إليـك فمـا لي بالبـعاد يدان ومـا كان صدى عنك صد ملالة ولي شـاهد من مقلتي ولسان دعوت اصطباري عنك بعدك والبكا فلبى البكا والصبر عنك عصاني وقـد زعموا أن المـحب إذا نأى سيبلى هـواه بعد طـول زمان ولـو كان هذا الزعم حقا لكان ذا دواء الهوى في الناس كل زمان بلى إنـه يبلـى والهـوى عـلى حاله لم يبله الملـوان وهذا محـب قاده الشوق والهوى بغـير زمـام قائد وعنــان أتاك عـلى بعد المـزار ولو ونت مطيته جــاءت به القـدمان انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
البغوي
( فيه آيات بينات ) قرأ ابن عباس ( آية بينة ) على الواحدان ، وأراد مقام إبراهيم وحده ، وقرأ الآخرون ( آيات بينات ) بالجمع فذكر منها مقام إبراهيم [ وهو الحجر ] الذي قام عليه إبراهيم ، وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ، ومن تلك الآيات : الحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها ، وقيل : مقام إبراهيم جميع الحرم ، ومن الآيات في البيت أن الطير تطير فلا تعلو فوقه ، وأن الجارحة إذا قصدت صيدا فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه ، وإنه بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار ، وإن الطاعة والصدقة فيها تضاعف بمائة ألف .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ، أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ، أنا مالك بن أنس عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " .
قوله عز وجل : ( ومن دخله كان آمنا ) من أن يحاج فيه ، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا وكانت العرب في الجاهلية يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم أمن من القتل والغارة ، وهو المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر المفسرين قال الله تعالى : " أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " ( سورة العنكبوت الآية 67 ) وقيل : المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمنا ، كما قال تعالى : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " ( سورة الفتح الآية 27 ) وقيل : هو خبر بمعنى الأمر تقديره : ومن دخله فأمنوه ، كقوله تعالى : " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " ( البقرة - 197 ) أي : لا ترفثوا ولا تفسقوا ، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجب عليه القتل قصاصا أو حدا فالتجأ إلى الحرم فلا يستوفى منه فيه ، ولكنه [ لا يطعم ] ولا يبايع ولا يشارى حتى يخرج منه فيقتل ، قاله ابن عباس ، وبه قال أبو حنيفة ، وذهب قوم إلى أن القتل الواجب بالشرع يستوفى فيه أما إذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفى فيه عقوبته بالاتفاق .
وقيل : معناه ومن دخله معظما له متقربا إلى الله عز وجل كان آمنا يوم القيامة من العذاب .
قوله عز وجل : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) أي : ولله فرض واجب على الناس حج البيت ، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص ( حج البيت ) بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة ، وقرأ الآخرون بفتح الحاء ، وهي لغة أهل الحجاز ، وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد .
والحج أحد أركان الإسلام ، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن موسى ، أنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان .
قال أهل العلم : ولوجوب الحج خمس شرائط : الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة ، فلا يجب على الكافر ولا على المجنون ، ولو حجا بأنفسهما لا يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم [ لفعل ] المجنون ، ولا يجب على الصبي ولا على العبد ، ولو حج صبي يعقل ، أو عبد يصح حجهما تطوعا لا يسقط به فرض الإسلام عنهما فلو بلغ الصبي ، أو عتق العبد بعدما حج واجتمع في حقه شرائط [ وجوب ] الحج وجب عليه أن يحج ثانيا ، ولا يجب على غير المستطيع ، لقوله تعالى : ( من استطاع إليه سبيلا ) غير أنه لو تكلف فحج يسقط عنه فرض الإسلام .
والاستطاعة نوعان ، أحدهما : أن يكون مستطيعا [ بنفسه ] والآخر : أن يكون مستطيعا بغيره ، أما الاستطاعة بنفسه أن يكون قادرا بنفسه على الذهاب ووجد الزاد والراحلة ، أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي الخطيب ، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سعيد بن سالم ، عن إبراهيم بن يزيد ، عن محمد بن عباد بن جعفر ، قال : قعدنا إلى عبد الله ابن عمر فسمعته يقول : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما الحاج؟ قال : " الشعث التفل " فقام رجل آخر فقال : يا رسول الله : أي الحج أفضل؟ قال : " العج والثج " فقام رجل آخر فقال : يا رسول الله ما السبيل؟ قال : " زاد وراحلة " .
وتفصيله : أن يجد راحلة تصلح لمثله ، ووجد الزاد للذهاب والرجوع ، فاضلا عن نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه ، وعن دين يكون عليه ، ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت عادة أهل بلده بالخروج في ذلك الوقت ، فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا أن يقطعوا كل يوم أكثر من مرحلة لا يلزمهم الخروج [ في ذلك الوقت ] ويشترط أن يكون الطريق آمنا فإن كان فيه خوف من عدو مسلم أو كافر أو رصدي يطلب شيئا لا يلزمه ، ويشترط أن تكون المنازل المأهولة معمورة يجد فيها الزاد والماء ، فإن كان زمان جدوبة تفرق أهلها أو غارت مياهها فلا يلزمه ، ولو لم يجد الراحلة لكنه قادر على المشي ، أو لم يجد الزاد ولكن يمكنه أن يكتسب في الطريق لا يلزمه الحج ، ويستحب لو فعل ، وعند مالك يلزمه .
أما الاستطاعة بالغير هو : أن يكون الرجل عاجزا بنفسه ، بأن كان زمنا أو به مرض غير مرجو الزوال ، لكن له مال يمكنه أن يستأجر من يحج عنه ، يجب عليه أن يستأجر ، أو لم يكن له مال لكن بذل له ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه ، يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمد صدقه ، لأن وجوب الحج [ يتعلق ] بالاستطاعة ، ويقال في العرف : فلان مستطيع لبناء دار وإن كان لا يفعله بنفسه ، وإنما يفعله بماله أو بأعوانه .
وعند أبي حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة ، وعند مالك لا يجب على المعضوب في المال .
وحجة من أوجبه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس أنه قال : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ، فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال : " نعم " .
قوله تعالى : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) قال ابن عباس والحسن وعطاء : جحد فرض الحج ، وقال مجاهد : من كفر بالله واليوم الآخر .
وقال سعيد بن المسيب : نزلت في اليهود حيث قالوا : الحج إلى مكة غير واجب .
وقال السدي : هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو الحسن الكلماتي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر ، أخبرنا سهل بن عمار ، أخبرنا يزيد بن هارون ، أخبرنا شريك ، عن الليث عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ، ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا " .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ» فإن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيرا ، ولو وجد القلب في أي موضع كان الوجود الأعم ، فوجوده بمكة أسنى وأتم ، فمن لا يجد الفرق في وجود قلبه بين السوق والمساجد ، فهو صاحب حال لا صاحب مقام ، ومن تلك الآيات البينات أن الملائكة ، وإن عمرت جميع الأرض مع تفاضلهم في المعارف والرتب ، فإن أعلاهم رتبة وأعظمهم علما ومعرفة عمرة المسجد الحرام ، وعلى قدر جلسائك يكون وجودك ، فإن لهمم الجلساء في قلب الجليس لهم تأثيرا ، وهممهم على قدر مراتبهم ، ولذلك فإن وجود القلب في مكة ليس للتراب ، ولكن لمجالسة الأتراب من الملائكة المكرمين ، أو الجن الصادقين ، أو من همة من كان يعمره وفقد ، وبقيت آثارهم فيه ، ومن الآيات البينات الحجر والملتزم والمستجار ومقام إبراهيم وزمزم إلى غير ذلك . فبيت اللّه الحرام أجمع للخيرات من سائر البيوت ، ولهذا منع حمل السلاح في مكة . «مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» من كل خوف ، إلى غير ذلك من الآيات ، فهو سلم كله ، من دخله كان آمنا ، فإنه أقدم الحرم ، فله التقدم على كل بيت ، ويحتوي على أفعال وتروك لا تكون في غيره من العبادات ولا في بيت من البيوت ، فإنه محلّ الحج . «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» لا خلاف في وجوب الحج بين علماء المسلمين ، فهو عندنا واجب على كل مستطيع من الناس ، صغير وكبير ، ذكر وأنثى ، حر وعبد ، مسلم وغير مسلم ، ولا يقع بالفعل إلا بشروط معينة ، فإن الإيمان والإسلام واجب على كل إنسان ، والأحكام كلها الواجبة واجبة على كل إنسان ، ولكن يتوقف قبول فعلها أو فعلها من الإنسان على وجود الإسلام ، فلا
يقبل تلبسه بشيء منها إلا بشرط وجود الإسلام عنده ، فإن لم يؤمن أخذ بالواجبين جميعا يوم القيامة : وجوب الشرط المصحح لقبول هذه العبادات ، ووجوب المشروط التي هي هذه العبادات ، فإنه ما قال «على المسلمين» ولا ذكر صفة زائدة على أعيانهم ، فأوجبها على الأعيان وجوبا إلهيا ، والطفل الرضيع يصح حجه ، ولو مات عندنا قبل البلوغ كتب اللّه له تلك الحجة عن فريضته - إشارة-[ «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» ] «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ» إشارة إلى النسيان ولم يقل على بني آدم «حِجُّ الْبَيْتِ» وقرئ بكسر الحاء وهو الاسم ، وبفتحها هو المصدر ، يعني قصد هذا المكان من كونه بيتا ، ليتنبه باسمه على ما قصد به دون غيره ، لما فيه من اشتقاق المبيت . فكأنه إنما سمي بيتا للمبيت فيه ، فإنه الركن الأعظم في منافع البيت ، فراعى حكم المبيت ، والمبيت لا يكون إلا ليلا ، والليل محل التجلي فيه ، فإن الحق ما جعل تجليه لعباده في الحكم إلا في الليل ، فإن فيه ينزل ربنا ، ومن فتح الحاء وجب أن يقصد البيت ليفعل ما أمره اللّه به أن يفعله عند الوصول إليه ، في المناسك التي عيّن اللّه له أن يفعلها . ومن قرأ بالكسر وأراد الاسم ، فمعناه أن يراعي قصد البيت ، فيقصد ما يقصده البيت ، وبينهما بون بعيد .فإن العبد بفتح الحاء يقصد البيت ، وبكسرها يقصد قصد البيت ، وقصد البيت قصد حالي ، لأنه يطلب بصورته الساكن ، وما أمرك بالقصد إلى البيت لا إليه إلا لكونه جعله قصدا حسيا ، فيه قطع مسافة أقربها من بيتك الذي بمكة إلى البيت ، وهو معك أينما كنت . فلا يصح أن تقصد بالمشي الحسي من هو معك. «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» أي من قدر على الوصول إليه ، وحد الاستطاعة يدخل فيها كل ما يؤدي الحاج إلى السكون من الأسباب ، كالزاد والراحلة في المباشرة وما قرره الشرع بالحكم . فينبغي للإنسان أن يكون مثبتا للأسباب ، فاعلا بها غير معتمد عليها ، لأن التجرد عنها خلاف الحكمة ، والاعتماد عليها خلاف العلم ، والاستطاعة بالنيابة مع العجز عن المباشرة ثبتت شرعا عندنا ، بالأمر بالحج عمن لا يستطيع لوليه ، أو بالإجارة عليه من ماله إن كان ذا مال . ومن شرط النائب في الحج إن كان وليّا أن يكون قد قضى فريضته . وأما إذا كان النائب بالإجارة فله حكم آخر . وأما العبد فواجب عليه الحج ، وإن منعه سيده مع القدرة على تركه لذلك ، كان السيد عندنا من الذين يصدون عن سبيل اللّه . وقد ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن العبد إذا حج عبدا ثم مات قبل العتق كتب اللّه له ذلك الحج عن فريضته ، والمرأة إن منعها زوجها
فهو من الذين يصدون عن سبيل اللّه إن كان لها محرم تسافر معه ، إذا كانت آفاقية . وأما إن كانت من أهل مكة ، فلا تحتاج إلى إذن زوجها ، فإنها في محل الحج ، كما لا تستأذنه في الصلاة ولا في صوم رمضان ولا في الإسلام ولا في أداء الزكاة ، وهذه العبادة عندنا على الفور عند الاستطاعة . «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» اعلم أن اللّه ما هو غني عن العالم إلا لظهوره بنفسه للعالم ، فاستغنى أن يعرف بالعالم ، فلا يدل عليه الغير ، بل هو الدليل على نفسه بظهوره لخلقه ، فلا دليل عليه سواه . فإنه لا شيء أدلّ من الشيء على نفسه ، فهو غني عن العالمين ، أي سواء ظهوركم وعدمكم ، فهو غني عن الدلالة ، كأنه يقول : ما أوجدت العالم ليدل عليّ ولا أظهرته علامة على وجودي ، وإنما أظهرته ليظهر حكم حقائق أسمائي ، وليست لي علامة عليّ سوائي ، فإذا تجليت عرفت بنفس التجلي ، والعالم علامة على حقائق الأسماء لا عليّ ، وعلامة أيضا على أني مستنده لا غير ، فإن كل حكم في العالم لا بد أن يستند إلى نعت إلهي ، إلا النعت الذاتي الذي يستحقه الحق لذاته ، وبه كان غنيا عن العالمين ، والنعت الذاتي الذي للعالم بالاستحقاق وبه كان فقيرا ، بل عبدا ، فإنه أحق من نعت الفقر ، وإن كان الفقر والذلة على السواء ، فالحق تعالى هو المنزه عن أن تدل عليه علامة ، فهو المعروف بغير حد ، المجهول بالحد ، ولهذا فإن التجلي الإلهي لا يكون إلا للإله وللربّ ، ولا يكون للّه أبدا ، فإن اللّه هو الغني ، وكذا الاسم الإلهي الأحد ، فلا يتجلى في هذا الاسم ، ولا يصح التجلي فيه ، وما عدا هذين الاسمين من الأسماء المعلومات لنا ، فإن التجلي يقع فيها ، والعالمون هنا هو الدلالات على اللّه ، فهو غني عن الدلالات عليه ، فرفع أن يكون بينه وبين العالم نسبة ووجه يربطه بالعالم ، من حيث ذلك الوجه الذي هو منه غني عن العالمين ، وهو الذي يسميه أهل النظر وجه الدليل . يقول الحق : ما ثمّ دليل عليّ فيكون له وجه يربطني به ، فأكون مقيدا به ، وأنا الغني العزيز ، الذي لا تقيدني الوجوه ، ولا تدلّ عليّ أدلة المحدثات ، فالواجب الوجود غني على الإطلاق ، فلا شيء واجب الوجود لنفسه إلا هو ، فهو الغني بذاته على الإطلاق عن العالمين بالدليل العقلي والشرعي ، إذ لو أوجد العالم للدلالة عليه لما صح له الغنى عنه ، فهو أظهر وأجلى من أن يستدل عليه بغير ، أو يتقيد تعالى بسوى ، إذ لو كان الأمر كذلك ، لكان للدليل بعض سلطنة وفخر على المدلول ، فكان يبطل الغنى ، فما نصب الأدلة عليه ، وإنما
نصبها على المرتبة ، ليعلم أنه لا إله إلا هو «1» ، ولهذا لا يصح أن يكون عليه ، وإليه الدلالة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : [ كان اللّه ولا شيء معه ] ، فهو غني عن الدلالة . واعلم أن معقولية كون اللّه ذاتا ، ما هي معقولية كونه إلها ، وهي مرتبة ، وليس في الوجود العيني سوى العين ، فهو من حيث هو غني عن العالمين ، ومن حيث الأسماء التي تطلب العالم لإمكانه لظهور آثارها فيه ، يطلب وجود العالم ، فلو لا الممكن ما ظهر أثر للأسماء الإلهية ، فللأسماء الإلهية أو المرتبة التي هي مرتبة المسمى إلها التصريف والحكم فيمن نعت بها ، فبها يتصرف ، ولها يتصرف ، وهو غني عن العالمين في حال تصرفه ، لا بد منه ، فالألوهية مرتبة للذات ، لا يستحقها إلا اللّه ، فطلبت مستحقها ، ما هو طلبها ، والمألوه يطلبها وهي تطلبه ، والذات غنية عن كل شيء . فاللّه من حيث ذاته ووجوده غني عن العالمين ، ومن كونه ربّا يطلب المربوب بلا شك ، فهو من حيث العين لا يطلب ، ومن حيث الربوبية يطلب المربوب وجودا وتقديرا ، فالوجود الحادث والقديم مربوط بعضه ببعضه ربط الإضافة والحكم ، لا ربط وجود العين ، وذلك تنزيه أن يقوم بالحق فقر ، أو يدل عليه دليل غير نفسه ، فإن اللّه وإن كان في ذاته غنيا عن العالمين ، فمعلوم أنه منعوت بالكرم والجود والرحمة ، فلا بد من مرحوم ومتكرم عليه ، فأوجد العالم من جوده وكرمه ، وهذا لا يشك فيه عاقل ولا مؤمن ، وأن الجود له نعت نفسي ، فإنه جواد كريم لنفسه ، فلا بد من وجود العالم ، وما حكم العلم بكونه يستحيل عدم كونه ، فهو تعالى المطلوب للعالم ، والطلب يؤذن بالافتقار في حق المحدثات ، وهو المطلوب ، فهو الغني . فمن كونه مطلوبا للموجودات صح افتقارها إليه ، والممكن في حال عدمه أشد افتقارا إلى اللّه منه في حال وجوده ، ولهذا لا تصحب الممكن دعوى في حال عدمه كما تصحبه في حال وجوده ، فإفاضة الوجود عليه في حال عدمه أعظم في الجود والكرم ، وبذلك صح غناه تعالى عن العالم . فقبوله عليه قبول جود وكرم ، ومتعلق غناه تعالى هو فيما بقي من الممكنات مما لم يوجد ، فإنها غير متناهية بالأشخاص ، فلا بد من بقاء ما لم يوجد ، فبه تتعلق صفة الغنى الإلهي عن العالم ، فإن بعض العالم يسمى عالما . فمن فهم الغنى الإلهي هكذا فقد علمه ، وأما تنزيه الحق عما تنزهه عباده مما سوى العبودية ، فلا علم لهم بما
هو الأمر عليه ، فإنه يكذب ربه في كل حال يجعل الحق فيه نفسه مع عباده ، وهذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع اللّه ، أن ينزهه عما نسبه سبحانه إلى نفسه بما نسبه إلى نفسه ، وهذه الآية تشير من وجه أن الحق في نفسه على ما علم ، وله في نفسه ما لا يصح أن يعلم ، فهو غني عن العالمين .
[ لم وجد العالم مع كونه غنيا ؟ ]
فإن قلت : فلم وجد العالم ؟ قلنا : ما أظهر العالم مع الاستغناء عنه إلا لتظهر مرتبة قوة الاثنين ، لئلا يقال ما في الوجود إلا اللّه مع ظهور الممكنات والمخلوقين ، فيعلم أن اللّه غني عن العالمين مع وجود العالمين ، والاستغناء عنه معقول لبيان غنى الحق عن العالم ، وذلك معناه أن الحق غني عن وجود العالم لا عن ثبوته ، فإن العالم في حال ثبوته يقع به الاكتفاء والاستغناء عن وجوده ، لأنه وفّى الألوهية حقها بإمكانه ، ولولا طلب الممكنات وافتقارها إلى ذوق الحالات ، وأرادت أن تذوق حال الوجود كما ذاقت حال العدم ، فسألت بلسان ثبوتها واجب الوجود أن يوجد أعيانها ، ليكون العلم لها ذوقا ، فأوجدها لها لا له ، فهو الغني عن وجودها ، وعن أن يكون وجودها دليلا عليه وعلامة على ثبوته ، بل عدمها في الدلالة عليه كوجودها . فأي شيء رجح من عدم أو وجود حصل به المقصود من العلم باللّه ، فلهذا علمنا أن غناه سبحانه عن العالم عين غناه عن وجود العالم ، فهو غني عن العالمين ، والعالم ليس بغني عنه جملة واحدة ، لأنه ممكن ، والممكن فقير إلى مرجح- إشارة واعتبار - «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» اعلم أيدك اللّه أن الحج في اللسان تكرار القصد إلى المقصود ، والعمرة الزيارة ، وقد جعل تعالى بيته في مكة نظيرا لعرشه ، وجعل الطائفين به من البشر كالملائكة الحافين من حول العرش ، يسبحون بحمد ربهم ، أي بالثناء على ربهم تبارك وتعالى ، فقلب العبد المؤمن أعظم علما وأكثر إحاطة من كل مخلوق ، فإنه محل لجميع الصفات ، وارتفاعه بالمكانة عند اللّه لما أودع فيه من المعرفة به ، ولما كان للبيت أركان أربعة ،
[ الخواطر الأربعة ]
فللقلب خواطر أربعة :
خاطر إلهي وهو ركن الحجر .
وخاطر ملكي وهو الركن اليمني .
وخاطر نفسي وهو الركن الشامي .
وهذه الثلاثة الأركان هي الأركان الحقيقية للبيت من حيث أنه مكعب الشكل ، وعلى هذا الشكل قلوب الأنبياء مثلثة الشكل ، ليس للخاطر الشيطاني فيها محلّ ، ولما أراد اللّه ما أراد من إظهارالركن الرابع ، جعله للخاطر الشيطاني ، وهو الركن العراقي، وإنما جعلنا الخاطر الشيطاني للركن العراقي لأن الشارع شرع أن يقال عنده (أعوذ باللّه من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق) وبالذكر
المشروع في كل ركن تعرف مراتب الأركان ، وعلى هذا الشكل المربع قلوب المؤمنين وما عدا الرسل والأنبياء المعصومين ، ليميز اللّه رسله وأنبياءه من سائر المؤمنين بالعصمة التي أعطاهم وألبسهم إياها ، فليس لنبي إلا ثلاثة خواطر ، إلهي وملكي ونفسي ، وكما أن اللّه تعالى أودع في الكعبة كنزا ، كذلك جعل اللّه في قلب العارف كنز العلم باللّه ، فشهد للّه بما شهد به الحق لنفسه ، من أنه لا إله إلا اللّه ، ونفى هذه المرتبة عن كل ما سواه ، فقال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) فجعلها كنزا في قلوب العلماء باللّه ، فاللّه بيته قلب عبده المؤمن ، والبيت بيت اسمه تعالى ، والعرش مستوى الرحمن ، فبين القلب والعرش في المنزلة ما بين الاسم اللّه والاسم الرحمن ، فإن مشهد الألوهية أعمّ ، لإقرار الجميع ، فما أنكر أحد اللّه ، وأنكر الرحمن ، فإنهم قالوا : (وَمَا الرَّحْمنُ) ولما كان الحج لبيت اللّه الحرام تكرار القصد في زمان مخصوص ، كذلك القلب تقصده الأسماء الإلهية في حال مخصوص ، إذ كل اسم له خاص يطلبه ، فمهما ظهر ذلك الحال من العبد طلب الاسم الذي يخصه ، فيقصده ذلك الاسم ، فلهذا تحج الأسماء الإلهية بيت القلب ، وقد تحج إليه من حيث أن القلب وسع الحق ، والأسماء تطلب مسماها ، فلا بد لها أن تقصد مسماها ، فتقصد البيت الذي ذكر أنه وسعه السعة التي يعلمها سبحانه ، «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» لما كان قصد البيت قصدا حاليا ، لأنه يطلب بصورته الساكن ، فللّه على الناس أن يجعلوا قلوبهم كالبيت ، تطلب بحالها أن يكون الحق ساكنها ، وهذا معنى من قرأ بكسر الحاء ، وهو الاستعداد بالصفة التي ذكر اللّه أن القلب يصلح له تعالى بها ، ومن قرأ بفتح الحاء ، فوجب عليه أن يطلب قلبه ليرى فيه آثار ربه ، فيعمل بحسب ما يرى فيه من الآثار الإلهية والعمرة التي هي الزيارة بمنزلة الزور الذي يخص كل إنسان ، فعلى قدر اعتماره تكون زيارته لربه ، فالزيارة من غير تسميتها بالعمرة تكون لكل زائر حيث كان ، وكذلك الحج ، فهي زيارة مخصوصة كما هو قصد مخصوص ، ولما فيها من الشهود الذي يكون به عمارة القلوب تسمى عمرة ، وأما العمرة بلسان الشرع فلا تصح إلا بمكة ، وكذا الحج .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

