أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ﴿9﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب
مع التشكيل
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
الرسم العثماني
أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ
النقل الصوتي
Amman huwa q<u>a</u>nitun <u>a</u>n<u>a</u>a allayli s<u>a</u>jidan waq<u>a</u>iman ya<u>hth</u>aru al<u>a</u>khirata wayarjoo ra<u>h</u>mata rabbihi qul hal yastawee alla<u>th</u>eena yaAAlamoona wa<b>a</b>lla<u>th</u>eena l<u>a</u> yaAAlamoona innam<u>a</u> yata<u>th</u>akkaru oloo alalb<u>a</u>b<b>i</b>
English
Is he who payeth adoration in the watches of the night, prostrate and standing, bewaring of the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, (to be accounted equal with a disbeliever)? Say (unto them, O Muhammad): Are those who know equal with those who know not? But only men of understanding will pay heed.
Français
Est-ce que celui qui, aux heures de la nuit, reste en dévotion, prosterné et debout, prenant garde à l'au-delà et espérant la miséricorde de son Seigneur... Dis: «Sont-ils égaux, ceux qui savent et ceux qui ne savent pas?» Seuls les doués d'intelligence se rappellent.
Türkçe
Hiç o, ahiretten sakınarak ve Rabbinin rahmetini umarak geceleri secde eden, kıyamda bulunan ve böylece itaat ve ibadet eden kişiye benzer mi? De ki: Eşit olur mu bilenlerle bilmeyenler? Bunu ancak aklı başında olanlar düşünür, bundan ancak onlar öğüt alır.
Deutsch
Ist derjenige, der qanit während der Nacht sudschud- und qiyam-vollziehend ist, der sich vor dem Jenseits in Acht nimmt und der sich die Gnade seines HERRN erhofft, (etwa mit dem Kafir gleich)?! Sag: "Sind etwa diejenigen, die wissen, gleich denjenigen, die nicht wissen?" Doch nur diejenigen mit Verstand besinnen sich.
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
يقول تعالى : أمن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادا ؟ لا يستوون عند الله ، كما قال تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) [ آل عمران : 113 ] ، وقال هاهنا : ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ) أي : في حال سجوده وفي حال قيامه ; ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ، ليس هو القيام وحده كما ، ذهب إليه آخرون .
قال الثوري ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن ابن مسعود أنه قال : القانت المطيع لله ولرسوله .
وقال ابن عباس ، والحسن ، والسدي ، وابن زيد : ( آناء الليل ) : جوف الليل . وقال الثوري ، عن منصور : بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء .
وقال الحسن ، وقتادة : ( آناء الليل ) : أوله وأوسطه وآخره .
وقوله : ( يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) أي : في حال عبادته خائف راج ، ولا بد في العبادة من هذا وهذا ، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ; ولهذا قال : ( يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) ، فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه ، كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده .
حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا ثابت عن أنس قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل وهو في الموت ، فقال له : " كيف تجدك ؟ " قال : أرجو وأخاف . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله - عز وجل - الذي يرجو ، وأمنه الذي يخافه " .
ورواه الترمذي والنسائي في " اليوم والليلة " ، وابن ماجه ، من حديث سيار بن حاتم ، عن جعفر بن سليمان ، به . وقال الترمذي : " غريب . وقد رواه بعضهم عن ثابت ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا " .
وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا عمر بن شبة ، عن عبيدة النميري ، حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزاز ، حدثنا يحيى البكاء ، أنه سمع ابن عمر قرأ : ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) ; قال ابن عمر : ذاك عثمان بن عفان ، رضي الله عنه .
وإنما قال ابن عمر ذلك ; لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان بالليل وقراءته ، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة ، كما روى ذلك أبو عبيدة عنه - رضي الله عنه - وقال الشاعر .
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
وقال الإمام أحمد : كتب إلي الربيع بن نافع : حدثنا الهيثم بن حميد ، عن زيد بن واقد ، عن سليمان بن موسى ، عن كثير بن مرة ، عن تميم الداري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة " .
وكذا رواه النسائي في " اليوم والليلة " عن إبراهيم بن يعقوب ، عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع ، كلاهما عن الهيثم بن حميد ، به .
وقوله : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) أي : هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله ؟ ! ( إنما يتذكر أولو الألباب ) أي : إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل .
الطبري
الميسر
السعدي
هذه مقابلة بين العامل بطاعة اللّه وغيره، وبين العالم والجاهل، وأن هذا من الأمور التي تقرر في العقول تباينها، وعلم علما يقينا تفاوتها، فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت أي: مطيع للّه بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء، رحمة اللّه، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن.
{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ } ربهم ويعلمون دينه الشرعي ودينه الجزائي، وما له في ذلك من الأسرار والحكم { وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } شيئا من ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلام، والماء والنار.
{ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } إذا ذكروا { أُولُو الْأَلْبَابِ } أي: أهل العقول الزكية الذكية، فهم الذين يؤثرون الأعلى على الأدنى، فيؤثرون العلم على الجهل، وطاعة اللّه على مخالفته، لأن لهم عقولا ترشدهم للنظر في العواقب، بخلاف من لا لب له ولا عقل، فإنه يتخذ إلهه هواه.
البغوي
( أم من هو قانت ) قرأ ابن كثير ونافع وحمزة : " أمن " بتخفيف الميم ، وقرأ الآخرون بتشديدها ، فمن شدد فله وجهان :
أحدهما : أن تكون الميم في " أم " صلة ، فيكون معنى الكلام استفهاما وجوابه محذوفا مجازه : أمن هو قانت كمن هو غير قانت ؟ كقوله : " أفمن شرح الله صدره للإسلام " ( الزمر - 22 ) يعني كمن لم يشرح صدره .
والوجه الآخر : أنه عطف على الاستفهام مجازه : الذي جعل لله أندادا خير أمن هو قانت ؟ . ومن قرأ بالتخفيف فهو ألف استفهام دخلت على من ، معناه : أهذا كالذي جعل لله أندادا ؟
وقيل : الألف في " أمن " بمعنى حرف النداء ، تقديره : يا من هو قانت ، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بالياء ، فتقول : أبني فلان ويا بني فلان ، فيكون معنى الآية : قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ، يا من هو قانت ( آناء الليل ) إنك من أهل الجنة ، قاله ابن عباس .
وفي رواية عطاء : نزلت في أبي بكر الصديق .
وقال الضحاك : نزلت في أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - .
وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان .
وعن الكلبي أنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان .
والقانت : المقيم على الطاعة . قال ابن عمر : " القنوت " : قراءة القرآن وطول القيام ، و " آناء الليل " : ساعاته ، ( ساجدا وقائما ) يعني : في الصلاة ، ( يحذر الآخرة ) يخاف الآخرة ، ( ويرجو رحمة ربه ) يعني : كمن لا يفعل شيئا من ذلك ، ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) قيل : " الذين يعلمون " عمار ، " والذين لا يعلمون " : أبو حذيفة المخزومي ، ( إنما يتذكر أولو الألباب ) .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9)
[ الرجاء يتلو الخوف ]
اعلم أن أول الأمر خوف والرجاء يتلوه ، فإن تقدمه الرجاء فقد فاته الخوف ، فإن الماضي لا يسترجع ، فالتقدم للخوف وقد فاته وذهب عنه ، ومن له بردّه ؟ والرجاء في المحل قد منعه سلطانه ، فالمؤمن من تساوى خوفه ورجاؤه ، بحيث أنه لا يفضل واحد صاحبه عنده ، لأنه استعمل كل شيء في محله ، وأول نشء الإنسان ضعف ، ولضعفه يتقدمه الخوف على نفسه ، ثم تكون له القوة بعد هذا الضعف ، فيأتيه الرجاء بقوته ، فإنه يتقوى نظره في العلوم والتأويلات ، فيعظم رجاؤه في جانب الحق ، ولكن العاقل لا يتعدى به موطنه ، فإذا خطر له من قوة الرجاء ما يوجب استعمال الخوف عند العاقل العارف ، عزل الرجاء عن الانفراد بالحكم وأشرك معه الخوف ، فذلك المؤمن ، فلا يزال كذلك إلى أن تكمل ذاته الكمال الذي ينتهي إليه أولياء اللّه في الورث النبوي ، في هذا الزمان المحمدي الذي أغلق فيه باب نبوة التشريع والرسالة ، وبقي باب حكم الاختصاص بالعلوم الإلهية والأسرار
مفتوحا ، يدخل عليه أهل اللّه ، وأول داخل عليه أهل الذكر ، جعلنا اللّه ممن استوى خوفه ورجاؤه في الحياة الدنيا إلى حين موته عند الاحتضار ، فيغلب رجاؤه على خوفه «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» وهو قوله تعالى : (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها)
اعلم أن العلم باللّه أسنى الكرامات ، لأن موطنه الدنيا وهو المطلوب ، وبه تقع المنفعة ولو لم يعمل به ، فالعلماء هم الآمنون من التلبيس ، فإن العلم أسنى تحفة وأعظم كرامة ، ولو قامت عليك به الحجة ، فإنه يجعلك تعترف ولا تحاجج ، فإنك تعلم ما لك وما عليك وما له ، وما أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يطلب منه الزيادة من شيء إلا من العلم ، لأن الخير كله فيه ، وهو الكرامة العظمى ، والبطالة مع العلم أحسن من الجهل مع العمل ، ولا أعني بالعلم إلا العلم باللّه والدار الآخرة ، وما تستحقه الدار الدنيا وما خلقت له ولأي شيء وضعت ، حتى يكون الإنسان من أمره على بصيرة حيث كان ، فلا يجهل من نفسه ولا من حركاته شيئا ، والعلم صفة إحاطية إلهية ، فهي أفضل ما في فضل اللّه وهو السعادة ، وإذا أراد اللّه شقاوة العبد أزال عنه العلم ، فإنه لم يكن العلم له ذاتيا بل اكتسبه ، وما كان مكتسبا فجائز زواله ، ويكسوه حلة الجهل ، فإن عين انتزاع العلم جهل ، ولا يبقى عليه من العلم إلا العلم بأنه قد انتزع عنه العلم ، فلو لم يبق اللّه تعالى عليه هذا العلم بانتزاع العلم لما تعذب ، فإن الجاهل الذي لا يعلم أنه جاهل فارح مسرور ، لكونه لا يدري ما فاته ، فلو علم أنه قد فاته خير كثير ما فرح بحاله ولتألم من حينه ، فما تألم إلا بعلمه ما فاته أو مما كان عليه فسلبه ، لذلك لم يسوّ تعالى بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، فإنه ما وضع حكما إلا ليستعمل في محكوم عليه ولو لم يرد استعماله لكان عبثا ، ولو لم يوجد من يستعمل فيه ذلك الحكم ومن يعمل به لكان أيضا عبثا وقد أخبر سبحانه وتعالى عباده بشرف العلم حيث وصف به نفسه ، فبالعلم الشرف التام ، وليس في الصفات أعم تعلقا منه ، لتعلقه بالواجبات والجائزات والمستحيلات ، وغيره من الصفات ليس كذلك ،
واعلم أن الشرف الذي للعلم شرفان :من حيث ذاته ، ومن حيث معلومه ،
فالذي له من حيث ذاته ، كونه يوصلك إلى حقيقة الشيء على ما هي عليه ، ويزيل عنك أضداده إذا قام بك ، كالجهل بذلك المعلوم والظن والشك والغفلة وما ضاده ، والذي له من حيث معلومه فمعلومه يكسبه ذلك الشرف ، فكما أن بعض المعلومات أشرف من بعض ، كذلك بعض العلوم
أشرف من بعض ، فكثير بين من قام به العلم بأوصاف الحق تعالى وأفعاله ، وبين من قام به العلم بأن زيدا في الدار وخالدا في السوق ، فكما أنه ليس بين المعلومين مناسبة في الشرف ، كذلك العلمان ، فهذا هو الشرف الطارئ على العلم من المعلوم ، ثم إن اللّه سبحانه وتعالى مدح من قامت به صفة العلم وأثنى عليه ، ووصف بها عباده كما وصف نفسه في غير موضع من الكتاب العزيز ، كقوله تعالى : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ) فأخبر تعالى أن العلماء هم الموحدون على الحقيقة ، والتوحيد أشرف مقام ينته إليه ، وليس وراءه مقام إلا التشبيه والتعطيل ، فمن زلّت قدمه عن صراط التوحيد رسما أو حالا وقع في الشرك ، فمن زلت قدمه في الرسمي فهو مؤبد الشقاء لا يخرج من النار أبدا ، لا بشفاعة ولا بغيرها ، ومن زلت قدمه في الحالي فهو صاحب غفلة ، يمحوها الذكر وما شاكله ، فإن الأصل باق يرجى أن يجبر فرعه ، بمنّ اللّه وعنايته ، وليس الفرع كذلك ، وكقوله أيضا جل ثناؤه في صاحب موسى عليه السلام (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) وهو علم الإلهام ، فالعالم أيضا صاحب إلهام وأسرار ، وكقوله تعالى : (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) فالعالم صاحب الخشية ، وكقوله تعالى : (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) فالعالم أيضا صاحب الفهم عن اللّه العالم بحكم آيات اللّه وتفاصيلها ، وكقوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) فالعالم هو الراسخ الثابت الذي لا تزيله الشبه ولا تزلزله الشكوك ، لتحققه بما شاهده من الحقائق بالعلم ، وكقوله تعالى : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ) فالعلماء هم الذين علموا الكائنات قبل وجودها ، وأخبروا بها قبل حصول أعيانها ، وهي الصفة الشريفة التي أمر اللّه تعالى نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بالزيادة منها ، فقال تعالى : (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) ولم يقل له ذلك في غيره من الصفات ، وإنما أكثرنا هذا في العلم ، لأن في زماننا قوما لا يحصى عددهم ، غلب عليهم الجهل بمقام العلم ، ولعبت بهم الأهواء حتى قالوا : إن العلم حجاب ؛ ولقد صدقوا في ذلك لو اعتقدوه ، أي واللّه حجاب عظيم ، يحجب القلب عن الغفلة والجهل وأضداده ، فما أشرفها من صفة ، حبانا اللّه بالحظ الوافر منها ، وكيف لا يفرح بهذه الصفة ويهجر من أجلها الكونان ، ولها شرفان كبيران عظيمان ؟
الشرف الواحد أن اللّه سبحانه وصف بها نفسه ، والشرف الآخر أنه مدح بها أهل خاصته من أنبيائه وملائكته ، ثم منّ علينا سبحانه ولم يزل مانّا بأن جعلنا ورثة أنبيائه فيها ، فقال
صلّى اللّه عليه وسلم : [ العلماء ورثة الأنبياء ] واعلم أن حد العلم وحقيقته المطلقة معرفة الشيء على ما هو عليه ، والمفيدة العمل به ، وهو الذي يعطيك السعادة الأبدية ، ولا تخالف فيه ، وكل من ادعى علما من غير عمل به ، فدعواه كاذبة إن تعلق به خطاب للعمل ، وإذا تحقق ما أردناه وما أشرنا إليه ، فليقل من شاء ما شاء ، وكل حجة تناقض ما أشرنا إليه فداحضة ، وعلى قائلها توبة من اللّه ومغفرة ، واللّه غفور رحيم . واعلم أن العلم نور من أنوار اللّه تعالى يقذفه في قلب من أراده من عباده ، قال تعالى (وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) وهو العلم ، وهو معنى قائم بنفس العبد ، يطلعه على حقائق الأشياء ، وهو للبصيرة كنور الشمس للبصر مثلا ، بل أتم وأشرف ، وأجناس العلوم كثيرة : منها علم النظر وعلم الخبر وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم الرصد إلى غير ذلك من العلوم ، ولكل جنس من هذه العلوم وأمثالها فصول تقومها وفصول تقسمها ، فلننظر ما نحتاج إليه في أنفسنا مما تقترن به سعادتنا ، فنأخذه ونشتغل به ، ونترك ما لا نحتاج إليه احتياجا ضروريا ، مخافة فوت الوقت ، حتى تكون الأوقات لنا إن شاء اللّه تعالى ، والذي نحتاج إليه من فصول هذه الأجناس فصلان : فصل يدخل تحت جنس النظر وهو علم الكلام ، ونوع آخر يدخل تحت جنس الخبر وهو الشرع ، والمعلومات الداخلة تحت هذين النوعين التي نحتاج إليها في تحصيل السعادة ثمانية : وهي الواجب والجائز والمستحيل والذات والصفات والأفعال وعلم السعادة وعلم الشقاوة ، فهذه الثمانية واجب طلبها على كل طالب نجاة نفسه ، وعلم السعادة والشقاوة موقوف على معرفة ثمانية أشياء أيضا ، منها خمسة أحكام : وهي الواجب والمحظور والمندوب والمكروه والمباح ، وأصول هذه الأحكام ثلاثة لا بد من معرفتها : الكتاب والسنة المتواترة والإجماع ، ومعرفة هذه الأشياء لا بد منها ، والناس في تحصيلها على مرتبتين :عالم ومقلد لعالم ، فإذا علمها الطالب وصح نظره فيها توجهت عليه وظائف التكليف ، فاختصت من الإنسان بثمانية أعضاء : العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب ، والعلم بتكليفات هذه الأعضاء هو العلم بالأعمال القائدة إلى السعادة إذا عمل بها ، ولما كان أصل السعادة موافقتنا للحق تعالى فيما أمر به ونهى ، وموافقته التوحيد في باطن العبد بنفي الأغيار ، فإن أول ما يجب عليك - إن رزقت الموافقة والتوفيق - العلم بالأمور التي مهدناها ، فإذا علمتها توجه عليك العمل بها ، وإن كان طالب العلم في عمل من حيث
طلبه ، ولكن يعطيك العلم العمل بأمور أخر توجه عليك بها خطاب الشارع ، كما أن العلم لم يصح طلبه إلا بالعلم ، فمن حصل له العلم بالأحكام التي يحتاج إليها في مقامه ، فلا يكثر مما لا يحتاج إليه ، فإن التكثير مما لا حاجة فيه سبب في تضييع الوقت عما هو أهم ، وذلك أنه من لم يعوّل أن يلقي نفسه في درجة الفتيا في الدين - لأن في البلد من ينوب عنه في ذلك - حتى لا يتعين عليه طلب الأحكام كلها في حق الغير ، طلب فضول العلم ؛ فيأخذ منها ما توجه عليه في الوقت من علم تكليف ذلك الوقت ، والعلم الذي يعم كل إنسان في الحال عند البلوغ على أحد أنواعه وشروطه من الإسلام وسلامة العقل ، علم العقائد بواضحات الأدلة وإن كانت فطرته تعطي النظر والنجح فيه ، ومن لم يكن ذلك في فطرته - وكان جامدا - يخاف عليه إن فتح له باب النظر لإيراد شبهات الملحدة ، فمثل هذا يعطى العقائد تقليدا مسلمة ، ويزجر عن النظر إن أراده في ذلك العلم بأشد الزجر ، فإذا صحت عقيدته بالعلم أو التقليد ، يعرّف بقواعد الإسلام ، فإذا عرّف ترتب عليه أن يعرف أوقات العبادات ، فإذا دخل وقت الصلاة مثلا تعين عليه أن يعرف الطهارة وما تيسر من القرآن ، ثم يعلم الصلاة ، لا يحتاج إلى غير هذا ، فإذا أدركه رمضان وجب عليه أن ينظر في علم الصيام ، فإن أخذه الحج وجب عليه حينئذ علمه ، فإن كان له مال وحال عليه الحول تعين عليه علم زكاة ذلك الصنف من المال لا غير ، فإن باع واشترى وجب عليه علم البيوع والمصارفة ، وهكذا سائر الأحكام لا تجب عليه إلا عندما يتعلق به الخطاب ، فذلك وقت الحاجة إليها ، فإن قيل : يضيق الوقت عن نيل علم ما خوطب به في ذلك الوقت ، قلن :
لسنا نريد عند حلول الوقت المعيّن ، وإنما نريد بقربه بحيث أن يكون له من الزمان قدر ما يحصل ذلك العلم المخاطب به ، ويدخل عقيبه وقت العمل ، وهكذا ينبغي أن تقرأ العلوم وتنظر المعارف ، ويربط الإنسان نفسه بما فيه سعادته ونجاته ، وليعمر أوقاته بما هو أولى به ، وليحذر العبد أن تفتح له خزائن الغفلات تصرفه في المباحات ، وليملأها بالذكر وأشباه المندوبات ، وهذا لا يصح له ما لم يعرف الواجبات حتى يسرع إليها ويؤديها ، والمحظورات حتى يجتنبها ، والمندوبات حتى يرغب فيها والمكروهات حتى يحفظ نفسه منها ، والمباحات حتى يتعوذ باللّه من الغفلة ، وتحقيق هذه المعاني التي هي أم الأحكام أصول الفقه ، ويعرف أيضا ما تحت كل واحد منها على التشخيص مما يلزمه كما تقدم ، ومعرفة هذا من كتاب اللّه
تعالى وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإجماع العلماء ، فإذا عرفت هذا ولازمت العمل فأنت الموفق السعيد فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» هذا إعلام بأنهم علموا ثم طرأ النسيان على بعضهم ، فمنهم من استمر عليه حكم النسيان ، فنسوا اللّه فنسيهم ، ومنهم من ذكّر فتذكّر ، وهم أولو الألباب وهم أرباب العقول التي لها ألباب ، وهو الفهم فيما يرد على العقول ، بما فيها من صفة القبول لما يرد من اللّه ، مما لا يقبله العقل الذي لا لب له من حيث فكره ، فمن رزق الفهم فقد رزق العلم ، وما كل من رزق العلم كان صاحب فهم.
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

