إن جعلت {حم} جواب القسم تم الكلام عند قوله: {المبين} ثم تبتدئ {إنا أنزلناه}. وإن جعلت {إنا كنا منذرين} جواب القسم الذي هو {الكتاب} وقفت على {منذرين} وابتدأت {فيها يفرق كل أمر حكيم }. وقيل : الجواب {إنا أنزلناه}، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم به جوابا للقسم، والهاء في {أنزلناه}للقرآن. ومن قال : أقسم بسائر الكتب فقوله: {إنا أنزلناه} كنى به عن غير القرآن، على ما تقدم بيانه في أول {الزخرف} والليلة المباركة ليلة القدر. ويقال : ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان). ثم قيل : أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب. وقيل : كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة. وقيل : كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة. وقال عكرمة : الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان. والأول أصح لقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر : 1]. قال قتادة وابن زيد : أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد مضى في {البقرة} عند قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة : 185]، ويأتي آنفا إن شاء الله تعالى.
أقسم الله تعالى بالقرآن الواضح لفظًا ومعنى. إنا أنزلناه في ليلة القدر المباركة كثيرة الخيرات، وهي في رمضان. إنا كنا منذرين الناس بما ينفعهم ويضرهم، وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لتقوم حجة الله على عباده. فيها يُقضى ويُفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة من الملائكة كلُّ أمر محكم من الآجال والأرزاق في تلك السنة، وغير ذلك مما يكون فيها إلى آخرها، لا يبدَّل ولا يغيَّر. هذا الأمر الحكيم أمر مِن عندنا، فجميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه. إنا كنا مرسلين إلى الناس الرسل محمدًا ومن قبله؛ رحمة من ربك -أيها الرسول- بالمرسل إليهم. إنه هو السميع يسمع جميع الأصوات، العليم بجميع أمور خلقه الظاهرة والباطنة. خالق السموات والأرض وما بينهما من الأشياء كلها، إن كنتم موقنين بذلك فاعلموا أن رب المخلوقات هو إلهها الحق. لا إله يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، يحيي ويميت، ربكم ورب آبائكم الأولين، فاعبدوه دون آلهتكم التي لا تقدر على ضر ولا نفع.
بدأ بالجمع الذي هو كل شيء . واعلم أن اللّه أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر ليلة النصف من شعبان ، وأنزله قرآنا في شهر رمضان ، كل ذلك إلى السماء الدنيا ، ومن هناك نزل في ثلاث وعشرين سنة فرقانا نجوما ذا آيات وسور ، لتعلم المنازل وتتبين المراتب ، فمن نزوله إلى الأرض في شعبان يتلى فرقانا ، ومن نزوله في شهر رمضان يتلى قرآنا ، والليلة المباركة هي ليلة القدر الموافقة ليلة النصف من شعبان المخصوصة بالآجال ، وكما سبق أن ذكرنا في تفسير قوله تعالى (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)
أن الوحي وحيان : وحي القرآن وهو الأول ، ووحي الفرقان ، فإنه تعالى أشار في هذه الآية بقوله : «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ» ولم يقل بعضه ، ثم قال .
الطبعة والمصدر
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.