يقول تعالى [ مخبرا ] ( وأن إلى ربك المنتهى ) أي : المعاد يوم القيامة .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا مسلم بن خالد ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون الأودي قال : قام فينا معاذ بن جبل فقال : يا بني أود ، إني رسول الله إليكم ، تعلمون أن المعاد إلى الله ، إلى الجنة أو إلى النار .
وذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( وأن إلى ربك المنتهى ) ، قال : لا فكرة في الرب .
قال البغوي : وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا : " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ، فإنه لا تحيط به الفكرة " .
كذا أورده ، وليس بمحفوظ بهذا اللفظ ، وإنما الذي في الصحيح : " يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته " .
وفي الحديث الآخر الذي في السنن : " تفكروا في مخلوقات الله ، ولا تفكروا في ذات الله ، فإن الله خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ثلاثمائة سنة " أو كما قال .
قوله تعالى {أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم} أي صحف {إبراهيم الذي وفى}كما في سورة [الأعلى] {صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى : 19] أي لا تؤخذ نفس بدلا عن أخرى؛ كما قال {أن لا تزر وازرة وزر أخرى} وخص صحف إبراهيم وموسى بالذكر؛ لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة أخيه وابنه وأبيه؛ قاله الهذيل بن شرحبيل. وقرأ سعيد بن جبير وقتادة {وفى} خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة {وفي} بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يخرم منه شيئا. وقد مضى في [البقرة] عند قوله تعالى {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة : 124] والتوفية الإتمام. وقال أبو بكر الوراق : قام بشرط ما ادعى؛ وذلك أن الله تعالى قال له {أسلم قال أسلمت لرب العالمين} [البقرة : 131] فطالبه الله بصحة دعواه، فابتلاه في ماله وولده ونفسه فوجده وافيا بذلك؛ فذلك قوله{وإبراهيم الذي وفى} أي ادعى الإسلام ثم صحح دعواه. وقيل : وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار؛ رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه (ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله إبراهيم {الذي وفى} لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم : 17]) الآية. ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل {وفى} أي وفى ما أرسل به، وهو قوله {أن لا تزر وازرة وزر أخرى} قال ابن عباس : كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي بالولي في القتل والجراحة؛ فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى {أن لا تزر وازرة وزر أخرى} وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى {وفى} : عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه. وهذا أحسن؛ لأنه عام. وكذا قال مجاهد{وفى} بما فرض عليه. وقال أبو مالك الغفاري قوله تعالى {أن لا تزر وازرة وزر أخرى}إلى قوله {فبأي آلاء ربك تتمارى} [النجم : 55] في صحف إبراهيم وموسى، وقد مضى في آخر [الأنعام] القول في {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام : 164] مستوفى. قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} روي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور : 21] فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه، ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء؛ يدل على ذلك قوله تعالى {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} [النساء : 11]. وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد، وأجمعوا ألا يصلي أحد عن أحد. ولم يجز مالك الصيام والحج والصدقة عن الميت، إلا أنه قال : إن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوع عن الميت. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتكفت عن أخيها عبدالرحمن وأعتقت عنه. وروى أن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؟ قال : (نعم) قال : فأي الصدقة أفضل؟ قال : (سقي الماء). وقد مضى جميع هذا مستوفى في [البقرة] و [آل عمران] و [الأعراف]. وقد قيل : إن الله عز وجل إنما قال {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فلم يجب للإنسان إلا ما سعى، فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له، كما يتفضل على الأطفال بادخالهم الجنة بغير عمل. وقال الربيع بن أنس {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره. قلت : وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إلى ثواب العمل الصالح من غيره، وقد تقدم كثير منها لمن تأملها، وليس في الصدقة اختلاف، كما في صدر كتاب مسلم عن عبدالله بن المبارك. وفي الصحيح : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث) وفيه (أو ولد صالح يدعو له) وهذا كله تفضل من الله عز وجل، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه، كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة؛ كما قيل لأبي هريرة : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة) فقال سمعته يقول : (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة) فهذا تفضل. وطريق العدل {أن ليس للإنسان إلا ما سعى}. قلت : ويحتمل أن يكون قوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} خاص في السيئة؛ بدليل ما في""صحيح مسلم عن أبي هريرة""عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قال الله عز وجل إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحدة). وقال أبو بكر الوراق {إلا ما سعى} إلا ما نوى بيانه قوله صلى الله عليه وسلم : (يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم ). قوله تعالى {وأن سعيه سوف يرى} أي يريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة {ثم يجزاه} أي يجزى به {الجزاء الأوفى} قال الأخفش : يقال جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما قال الشاعر : إن أجز علقمة بن سعد سعيه ** لم أجزه ببلاء يوم واحد فجمع بين اللغتين. قوله تعالى {وأن إلى ربك المنتهى} أي المرجع والمراد والمصير فيعاقب ويثيب. وقيل : منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الأمان. وعن أبي بن كعب قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وأن إلى ربك المنتهى} قال : (لا فكرة في الرب). وعن أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إذ ذكر الله تعالى فانته). قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام : (يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته) وقد تقدم في آخر (الأعراف). ولقد أحسن من قال : ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه ** فإنك تردى إن فعلت وتخذل ودونك مصنوعاته فاعتبر بها ** وقُل مثل ما قال الخليل المبجل
{ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } أي: إليه تنتهي الأمور، وإليه تصير الأشياء والخلائق بالبعث والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي العلم والحكم، والرحمة وسائر الكمالات.
( وأن إلى ربك المنتهى ) أي : منتهى الخلق ومصيرهم إليه ، وهو مجازيهم بأعمالهم . وقيل : منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسن بن محمد الشيباني أخبرنا محمد بن سليمان بن الفتح الحنبلي ، حدثنا علي بن محمد المصري ، أخبرنا أبو إسحاق بن منصور الصعدي ، أخبرنا العباس بن زفر ، عن أبي جعفر الرازي ، عن أبيه عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : " وأن إلى ربك المنتهى " ، قال : " لا فكرة في الرب " ، وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق " فإنه لا تحيط به الفكرة .
يريد المنتهى بظهورنا ، أي لا يزال وجه العالم أبدا إلى الاسم الأول الذي أوجده ناظرا ، ولا يزال ظهر العالم إلى الاسم الآخر المحيط الذي ينتهي إليه بورائه ناظرا ، واللّه هو الوجود المحض ، محيط بنا وإليه ننتهي ، فيحول وجوده وإحاطته بيننا وبين العدم ، فالمآل إلى الرحمة العامة
[ إشارة : لا يحجبنّك قوله تعالى «وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» فتقول]
-إشارة -لا يحجبنّك قوله تعالى : «وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» فتقول : ليس هو معي في البداية ، بل هو معك في البداية وفي طريقك إليه وإليه نهايتك ، لكن تختلف أفعاله فيك ، وهي اختلاف أحوالك ، ففي البداية يسويك ، وفي الطريق يهديك ، وفي الغاية يملك ويخلع عليك خلعة الخلافة ، فلما كان المنتهى المطلب أظهر الاسم في المنتهى ، ولذلك قال : «وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» .
الطبعة والمصدر
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.