إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿23﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
إلى ربها ناظرة
مع التشكيل
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
الرسم العثماني
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
النقل الصوتي
Il<u>a</u> rabbih<u>a</u> n<u>a</u><i><u>th</u></i>ira<b>tun</b>
English
Looking toward their Lord;
Français
qui regarderont leur Seigneur;
Türkçe
Ve Rablerine bakar.
Deutsch
die zu ihrem HERRN aufschauen.
روابط التفسير لهذه الآية
ابن كثير
( إلى ربها ناظرة ) أي : تراه عيانا ، كما رواه البخاري ، رحمه الله ، في صحيحه : " إنكم سترون ربكم عيانا " . وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها ; لحديثأبي سعيد وأبي هريرة - وما في الصحيحين - : أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : " هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا : لا . قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " . وفي الصحيحين عن جرير قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا " وفي الصحيحين عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " . وفي أفراد مسلم ، عن صهيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة " قال : " يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ " قال : " فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ، وهي الزيادة " . ثم تلا هذه الآية : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26 ] .
وفي أفراد مسلم ، عن جابر في حديثه : " إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك " - يعني في عرصات القيامة - ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عز وجل في العرصات ، وفي روضات الجنات .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا عبد الملك بن أبجر ، حدثنا ثوير بن أبي فاختة ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ، ينظر إلى أزواجه وخدمه . وإن أفضلهم منزلة لينظر إلى وجه الله كل يوم مرتين " .
ورواه الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن شبابة ، عن إسرائيل ، عن ثوير قال : " سمعت ابن عمر . . " . فذكره ، قال : " ورواه عبد الملك بن أبجر ، عن ثوير ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قوله " . وكذلك رواه الثوري ، عن ثوير ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، لم يرفعه ، ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن ، ولكن ذكرنا ذلك مفرقا في مواضع من هذا التفسير ، وبالله التوفيق . وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة ، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام . وهداة الأنام .
ومن تأول ذلك بأن المراد ب ) إلى ) مفرد الآلاء ، وهي النعم ، كما قال الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد : ( إلى ربها ناظرة ) فقال تنتظر الثواب من ربها . رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد . وكذا قال أبو صالح أيضا - فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه . وأين هو من قوله تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) ؟ [ المطففين : 15 ] ، قال الشافعي ، رحمه الله : ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل . ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة ، وهي قوله : ( إلى ربها ناظرة ) قال ابن جرير : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، حدثنا آدم ، حدثنا المبارك ، عن الحسن : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة ، ( إلى ربها ناظرة ) قال تنظر إلى الخالق ، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق .
الطبري
الميسر
السعدي
{ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } أي: تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم: منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم.
البغوي
( إلى ربها ناظرة ) قال ابن عباس : وأكثر الناس تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب . قال الحسن : تنظر إلى الخالق وحق لها أن [ تنضر ] وهي تنظر إلى الخالق .
أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد الحموي ، أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ، أخبرنا عبد بن حميد ، حدثنا شبابة ، عن إسرائيل ، عن ثوير قال : سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية " ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة "
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (23)
[ رؤية اللّه تعالى : ]
إثباتا لرؤيته في الدار الآخرة بظاهر قوله ، على أن تكون إلى حرف أداة غاية ، فإن الرؤية غاية البصر ، واللذة البصرية لا تشبهها لذة ، فإنها عين اليقين في المعبود ، فلا نشك أنا نرى ربنا بالأبصار عيانا على ما يليق بجلاله ، وهو مرئي لنا ، ولا نقول إنه محسوس لما يطلبه الحس من الحصر والتقييد ، فهي رؤية غير مكيفة ،
فنراه منزها كما علمناه منزها ، لا نقول بالكيف والحصر والتقييد ، ومن وجه آخر «إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» إلى نعم ربها مع تقدير محذوف ، فتكون إلى اسم جمع النعمة ، فإن ذلك في اللفظ يحتمل ، ولهذا ما هي هذه الآية نص في الرؤية يوم القيامة .
واعلم أنه سبحانه نزل في جماله مباسطة معنا إلى أن ندركه بأبصارنا ، وينظر إلى هذا قوله عليه السلام [ وترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب لا تضارون في رؤيته ]
وقال تعالى في حق أصحاب الجحيم (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)
والنظر بـ : إلى في كلام العرب لا يكون إلا بالبصر ، وب : في يكون بالعقل وبالفكر ، وباللام يكون للرحمة ، وبغير أداة يكون للتقابل والمكافحة والتأخير ، والأبصار من صفات الوجوه ، وليس العقل منها ، فلا بد
من رؤيته ، وقوله (لَنْ تَرانِي) لموسى عليه السلام حكم يرجع إلى حال ما علمه من سؤال موسى عليه السلام ، لا يسعنا التكلم فيه ، وقد أحاله على الجبل ودكّ الجبل ، وصعق موسى ، والإدراك لا يصعق ، وليس من شرطه بنية مخصوصة ولا البنية من شرطه ، وإنما من شرطه موجود يقوم به ، لأنه معنى ، والصعق قام بالبنية الكثيفة ،
فلما أفاق سبح ، ولا فائدة للتسبيح عند القيام من ذلك الموطن إلا لمشاهدة ما ، ثم أعطته المعرفة التوبة من اشتراط البنية ، ثم أقر بأنه أول المؤمنين بما رآه في تلك الصعقة ، لأن الإيمان لا يتصور إلا بالرؤية في أي عالم كان ،
ولهذا قال النبي عليه السلام لحارثة: [ ما حقيقة إيمانك ؟ قال : كأني انظر إلى عرش ربي بارزا ] – الحديث
-فأثبت الرؤية في عالم م، وبها صحت له حقيقة الإيمان وأقر له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيها بالمعرفة .
وما عدا هذا فهو الإيمان المجازي ، فلا فائدة للإيمان بالغيب إلا لحوقه بالمشاهدة ، ولهذا لا يدخله الريب . فموسى عليه السلام أول من أدرك بالبصر على وجه ما . واعلم أن الكثيب هو مسك أبيض في جنة عدن ، وجعل في هذا الكثيب منابر وأسرة وكراسي ومراتب ،
لأن أهل الكثيب أربع طوائف :مؤمنون ، وأولياء ، وأنبياء ، ورسل ،
وكل صنف ممن ذكرنا أشخاصه يفضل بعضهم بعضا ، فإذا أخذ الناس منازلهم في الجنة استدعاهم الحق إلى رؤيته ، فيسارعون على قدر مراكبهم ومشيهم هنا في طاعة ربهم ، فمنهم البطيء ، ومنهم السريع ، ومنهم المتوسط ، ويجتمعون في الكثيب ، وكل شخص يعرف مرتبته علما ضروريا ، يجري إليها ولا ينزل إلا فيها ،
كما يجري الطفل إلى الثدي ، والحديد إلى المغناطيس ، لو رام أن ينزل في غير مرتبته لما قدر ، ولو رام أن يتعشق بغير منزلته ما استطاع ، بل يرى في منزلته أنه قد بلغ منتهى أمله وقصده ، فهو يتعشق بما هو فيه من النعيم تعشقا طبيعيا ذاتيا ، لا يقوم بنفسه ما هو عنده أحسن من حاله ، ولولا ذلك لكانت دار ألم وتنغيص ،
ولم تكن جنة ولا دار نعيم ، غير أن الأعلى له نعيم بما هو فيه في منزلته ، وعنده نعيم الأدنى . وأدنى الناس منزلة - على أنه ليس ثمّ من دني -من لا نعيم له إلا بمنزله خاصة ، وأعلاهم من لا أعلى منه له نعيم بالكل . فكل شخص مقصور عليه نعيمه ، فما أعجب هذا الحكم ! ! فإذا نزل الناس في الكثيب للرؤية ، وتجلى الحق تعالى تجليا عاما على صور الاعتقادات في ذلك التجلي الواحد ، فهو واحد من حيث هو تجل ، وهو كثير من حيث اختلاف الصور ، فإذا رأوه انصبغوا عن آخرهم بنور ذلك التجلي ،
وظهر كل واحد منهم بنور صورة ما شاهده ، فمن علمه في كل معتقد فله نور كل معتقد ، ومن علمه في اعتقاد خاص معيّن لم يكن له سوى نور ذلك المعتقد المعيّن ، ومن اعتقد وجودا لا حكم له فيه بتنزيه ولا تشبيه بل كان اعتقاده أنه على ما هو عليه ،
فلم ينزه ولم يشبه ، وآمن بما جاء من عنده تعالى على علمه فيه سبحانه ،
فله نور الاختصاص لا يعلم إلا في ذلك الوقت ، فإنه في علم اللّه فلا يدرى ، هل هو أعلى ممن عمم الاعتقادات كلها علمه ، أو مساو له ؟ وأما دونه فلا ،
فإذا أراد اللّه رجوعهم إلى مشاهدة نعيمهم بتلك الرؤية في جناتهم ، قال لملائكته وزعة الكثيب : ردوهم إلى قصورهم ؛ فيرجعون بصورة ما رأوا ، ويجدون منازلهم وأهليهم منصبغين بتلك الصورة فيتلذذون بها ،
فإنهم في وقت المشاهدة كانوا في حال فناء عنهم ، فلم تقع لهم لذة في زمان رؤيتهم ، بل اللذة عند أول التجلي ، حكم سلطانها عليهم فأفنتهم عنها وعن أنفسهم ، فهم في اللذة في حال فناء لعظيم سلطانها ؛ وإذا أبصروا تلك الصورة في منازلهم وأهليهم استمرت لهم اللذة ،
وتنعموا بتلك المشاهدة ، فتنعموا في هذا الموطن بعين ما أفناهم في الكثيب ،
ويزيدون في ذلك التجلي وفي تلك الرؤية علما باللّه - أعطاهم إياه العيان - لم يكن عندهم ، فإن المعلوم إذا شوهد تعطي مشاهدته أمرا لا يمكن أن يحصل من غير مشاهدة ، ثم إنه إذا أراد اللّه أن يتجلى لعباده في الزور العام نادى منادي الحق في الجنات كلها : يا أهل الجنان حي على المنة العظمى ،
والمكانة الزلفى ، والمنظر الأعلى ، هلموا إلى زيادة ربكم في جنة عدن ؛ فيبادرون إلى جنة عدن ، فيدخلونها وكل طائفة قد عرفت مرتبتها ومنزلتها فيجلسون ، ثم يؤمر بالموائد فتنصب بين أيديهم ، موائد الاختصاص ما رأوا مثلها ، ولا تخيلوه في حياتهم ولا في جناتهم جنات الأعمال ، وكذلك الطعام ما ذاقوا مثله في منازلهم ،
وكذلك ما تناولوه من الشراب ، فإذا فرغوا من ذلك خلعت عليهم من الخلع ما لم يلبسوا مثلها فيما تقدم ، ومصداق ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنة [ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ]
فإذا فرغوا من ذلك قاموا إلى كثيب من المسك الأبيض ، فأخذوا منازلهم فيه على قدر علمهم باللّه لا على قدر عملهم ، فإن العمل مخصوص بنعيم الجنان لا بمشاهدة الرحمن ، فبيناهم على ذلك إذا بنور قد بهرهم فيخرون سجدا ،
فيسري ذلك النور في أبصارهم ظاهرا ، وفي بصائرهم باطنا ، وفي أجزاء أبدانهم كلها ، فهذا يعطيهم ذلك النور ، فبه يطيقون المشاهدة والرؤية ، وهي أتم من
المشاهدة ، فيأتيهم رسول من اللّه يقول لهم : تأهبوا لرؤية ربكم جل جلاله ، فها هو يتجلى لكم ؛ فيتأهبون ، فيتجلى الحق جل جلاله وبينه
وبين خلقه ثلاثة حجب :حجاب العزة ، وحجاب الكبرياء ، وحجاب العظمة ،
فلا يستطيعون نظرا إلى تلك الحجب ، فيقول اللّه ، جل جلاله لأعظم الحجبة عنده . ارفعوا الحجب بيني وبين عبادي حتى يروني ، فترفع الحجب ، فيتجلى لهم الحق جل جلاله خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف إلى أبصارهم ، وكلهم بصر واحد ، فينفهق عليهم نور يسري في ذواتهم فيكونون به سمعا كلهم ،
وقد أبهرهم جمال الرب ، وأشرقت ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس ؛
فيقول اللّه جل جلاله :سلام عليكم عبادي ومرحبا بكم ، حياكم اللّه ، سلام عليكم من الرحمن الرحيم الحي القيوم ، طبتم فادخلوها خالدين ، طابت لكم الجنة فطيبوا أنفسكم بالنعيم المقيم ، والثواب الكريم ، والخلود الدائم ، أنتم المؤمنون الآمنون ،
وأنا اللّه المؤمن المهيمن ، شققت لكم اسما من أسمائي ، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ، أنتم أوليائي وجيراني وأصفيائي وخاصتي وأهل محبتي وفي داري ،
سلام عليكم يا معشر عبادي المسلمين ، أنتم المسلمون وأنا السلام وداري السلام ، سأريكم وجهي كما سمعتم كلامي ، فإذا تجليت لكم وكشفت عن وجهي الحجب فاحمدوني وادخلوا إلى داري غير محجوبين عني بسلام آمنين ، فردوا علي ،
واجلسوا حولي ، حتى تنظروا إلىّ ، وتروني من قريب فاتحفكم بتحفي ، وأجيزكم بجوائزي ، وأخصكم بنوري ، وأغشيكم بجمالي ، وأهب لكم من ملكي وأفاكهكم بضحكي ، وأعلفكم بيدي وأشمكم روحي ، أنا ربكم الذي كنتم تعبدوني ولم تروني ، وتحبوني وتخافوني ،
وعزتي وجلالي وعلوي وكبريائي وبهائي وسنائي إني عنكم راض ، وأحبكم وأحب ما تحبون ، ولكم عندي ما تشتهي أنفسكم ، وتلذ أعينكم ،
ولكم عندي ما تدعون وما شئتم وكل ما شئتم فاسألوني ولا تحتشموا ، ولا تستحيوا ولا تستوحشوا ، وإني أنا اللّه الجواد الغني الملي الوفي الصادق ، وهذه داري قد أسكنتكموها ، وجنتي قد أبحتكموها ، ونفسي قد أريتكموها ،
وهذه يدي ذات الندى والطل مبسوطة ممتدة عليكم لا أقبضها عنكم ، وأنا انظر إليكم لا أصرف بصري عنكم ، فاسألوني ما شئتم واشتهيتم ، فقد آنستكم بنفسي ، وأنا لكم جليس وأنيس ، فلا حاجة ولا فاقة بعد هذا ، ولا بؤس ولا مسكنة ، ولا ضعف ولا هرم ، ولا سخط ولا حرج ، ولا تحويل أبدا سرمدا ، نعيمكم
نعيم الأبد ، وأنتم الآمنون المقيمون الماكثون المكرمون المنعمون ، وأنتم السادة الأشراف الذين أطعتموني واجتنبتم محارمي ، فارفعوا إليّ حوائجكم أقضها لكم وكرامة ونعمة ، فيقولون:
ربنا ما كان هذا أملنا ، ولا أمنيتنا ، ولكن حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم أبدا أبدا ، ورضى نفسك عنا ، فيقول لهم العلي الأعلى ، مالك الملك ، السخي الكريم ، تبارك وتعالى :
فهذا وجهي بارز لكم أبدا سرمدا ، فانظروا إليه وأبشروا ، فإن نفسي عنكم راضية فتمتعوا ، وقوموا إلى أزواجكم فعانقوا وانكحوا ، وإلى ولائدكم ففاكهوا ، وإلى غرفكم فأدخلوا ، وإلى بساتينكم فتنزهوا ، وإلى دوابكم فاركبوا ، وإلى فرشكم فاتكئوا ، وإلى جواريكم وسراريكم في الجنان فاستأنسوا ، وإلى هداياكم من ربكم فاقبلوا ، وإلى كسوتكم فالبسوا ، وإلى مجالسكم فتحدثوا ، ثم قيلوا قائلة ، لا نوم فيها ولا غائلة ، في ظل ظليل ، وأمن مقيل ، ومجاورة الجليل ، ثم روحوا إلى نهر الكوثر والكافور ،
والماء المطهر والتسنيم ، والسلسبيل والزنجبيل فاغتسلوا ، وتنعموا ، طوبى لكم وحسن مآب ؛ ثم روحوا فاتكئوا على الرفارف الخضر والعبقري الحسان ، والفرش المرفوعة في الظل الممدود ، والماء المسكوب ، والفاكهة الكثيرة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ، ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ، لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)
ثم تلا هذه الآية (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) - انتهى حديث أبو بكر النقاش –
ثم إن الحق تعالى بعد هذا الخطاب يرفع الحجاب ، ويتجلى لعباده ، فيخرون سجدا فيقول لهم : ارفعوا رءوسكم فليس هذا موطن سجود ، يا عبادي ما دعوتكم إلا لتنعموا بمشاهدتي ، فيمسكهم في ذلك ما شاء اللّه ،
فيقول لهم : هل بقي لكم شيء بعد هذا ؟ فيقولون : يا ربنا وأي شيء بقي وقد نجيتنا من النار ، وأدخلتنا دار رضوانك ، وأنزلتنا بجوارك ، وخلعت علينا ملابس كرمك ، وأريتنا وجهك ، فيقول الحق جل جلاله : بقي لكم ،
فيقولون : يا ربنا وما ذاك الذي بقي ؟ فيقول : دوام رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا ، فما أحلاها من كلمة وما ألذها من بشرى ؛ وتتفاضل الناس في رؤيته سبحانه ويتفاوتون تفاوتا عظيما على قدر علمهم ، فمنهم ومنهم ،
ثم يقول سبحانه لملائكته: ردوهم إلى قصورهم فلا يهتدون لأمرين : لما طرأ عليهم من سكر الرؤية ، ولما زادهم من الخير في طريقهم فلم يعرفوها ، فلو لا أن الملائكة تدل بهم ما عرفوا منازلهم ،
فإذا وصلوا منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور والولدان ، فيرون جميع ملكهم قد كسي بهاء وجمالا ونورا ، من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم ، فيقولون لهم : لقد زدتم نورا وبهاء وجمالا ما تركناكم عليه ، فيقول لهم أهلهم : وكذاكم أنتم قد زدتم من البهاء والجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا ، فينعم بعضهم ببعض ، قال تعالى «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» .
فإن قلت : قال تعالى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) وجاء في الحديث [ لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره ] فكان إرسال الحجب بين السبحات وبين الخلق رحمة بهم ، وإشفاقا على وجودهم ، وقد وعد بالرؤية في الدار الآخرة ،
فكيف يكون البقاء هناك ، ولا فرق بين الدارين من كونهما مخلوقتين وممكنتين ؟ قلنا : إذا فهمت معنى إضافة السبحات إلى وجهه ، وفرقت بين هذا القول وقوله [ ترون ربكم ]
وقوله «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» فعلق الرؤية بالرب ، والإحراق بالوجه ، عرفت حينئذ الفرق بين الخبرين ، ثم عطف فقال في أهل الشقاء .
[سورة القيامة (75) : آية 24]
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24)
الوجه هنا هو حقيقة المسمى وعينه وذاته ، لأن الوجوه التي هي في مقدم الإنسان ليست توصف بالظنون ، وإنما الظن لحقيقة الإنسان ، فإنه تعالى قال :
[سورة القيامة (75) : آية 25]
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25)
فالوجوه في هذه الآيات عبارة عن النفوس الإنسانية ، لأن وجه الشيء حقيقته وذاته وعينه ، لا الوجوه المقيدة بالأبصار ، فإنها لا تتصف بالظنون ، ومساق الآية يعطي أن الوجوه هنا هي ذوات المذكورين .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

