وقوله تعالى ( ولقد رآه بالأفق المبين ) يعني ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح ( بالأفق المبين ) أي : البين وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء وهي المذكورة في قوله ( علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ) النجم 5 - 10 كما تقدم تفسير ذلك وتقريره والدليل أن المراد بذلك جبريل عليه السلام . والظاهر والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى وأما الثانية وهي المذكورة في قوله ( ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ) النجم 13 - 16 فتلك إنما ذكرت في سورة النجم وقد نزلت بعد سورة الإسراء
قوله تعالى {ولقد رآه بالأفق المبين} أي رأى جبريل في صورته، له ستمائة جناح. {بالأفق المبين} أي بمطلع الشمس من قبل المشرق؛ لأن هذا الأفق إذا كان منه تطلع الشمس فهو مبين. أي من جهته ترى الأشياء. وقيل : الأفق المبين : أقطار السماء ونواحيها؛ قال الشاعر : أخذنا بآفاق السماء عليكم ** لنا قمراها والنجوم الطوالع الماوردي : فعلى هذا، فيه ثلاثة أقاويل أحدها : أنه رآه في أفق السماء الشرقي؛ قاله سفيان. الثاني : في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. الثالث : أنه رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة؛ قاله مجاهد. وحكى الثعلبي عن ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل (إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء) قال : لن تقدر على ذلك. قال(بلى) قال : فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال(بالأبطح) قال : لا يسعني. قال(فبمنى) قال : لا يسعني. قال(فبعرفات) قال : ذلك بالحري أن يسعني. فواعده فخرج صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل بخشخشة وكلكلة من جبال عرفات، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، وضمه إلى صدره. وقال : يا محمد لا تخف؛ فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من خشية الله، حتى يصير مثل الوصع - يعني العصفور - حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. وقيل : إن محمدا عليه السلام رأى ربه عز وجل بالأفق المبين. وهو معنى قول ابن مسعود. وقد مضى القول في هذا في [والنجم] مستوفى، فتأمله هناك. وفي {المبين} قولان : أحدهما أنه صفة الأفق؛ قال الربيع. الثاني أنه صفة لمن رآه؛ قاله مجاهد. وما هو على الغيب بظنين : بالظاء، قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، أي بمتهم، والظنة التهمة؛ قال الشاعر : أما وكتاب الله لا عن سناءة ** هجرت ولكن الظنين ظنين واختاره أبو عبيد؛ لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه؛ ولأن الأكثر من كلام العرب : ما هو بكذا، ولا يقولون : ما هو على كذا، إنما يقولون : ما أنت على هذا بمتهم. وقرأ الباقون {بضنين} بالضاد : أي ببخيل من ضننت بالشيء أضن ضنا [فهو] ضنين. فروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا يضن عليكم بما يعلم، بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه. وقال الشاعر : أجود بمكنون الحديث وإنني ** بسرك عمن سالني لضنين والغيب : القرآن وخبر السماء. ثم هذا صفة محمد عليه السلام. وقيل : صفة جبريل عليه السلام. وقيل : بظنين : بضعيف. حكاه الفراء والمبرد؛ يقال : رجل ظنين : أي ضعيف. وبئر ظنون : إذا كانت قليلة الماء؛ قال الأعشى : ما جعل الجد الظنون الذي ** جنب صوب اللجب الماطر مثل الفراتي إذا ما طما ** يقذف بالبوصي والماهر والظنون : الدين الذي لا يدري أيقضيه آخذه أم لا؟ ومنه حديث علي عليه السلام في الرجل يكون له الدين الظنون، قال : يزكيه لما مضى إذا قبضه إن كان صادقا. والظنون : الرجل السيء الخلق؛ فهو لفظ مشترك. قوله تعالى {وما هو} يعني القرآن {بقول شيطان رجيم} أي مرجوم ملعون، كما قالت قريش. قال عطاء : يريد بالشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. {فأين تذهبون} قال قتادة : فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته. كذا روى معمر عن قتادة؛ أي أين تذهبون عن كتابي وطاعتي. وقال الزجاج : فأي طريقة تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم. ويقال : أين تذهب؟ وإلى أين تذهب؟ وحكى الفراء عن العرب : ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق : أي إليها. قال : سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة؛ وأنشدني بعض بني عقيل : تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا ** وأي الأرض تذهب بالصياح يريد إلى أي أرض تذهب، فحذف إلى. وقال الجنيد : معنى الآية مقرون بآية أخرى؛ وهي قوله تعالى {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه}[الحجر : 21] المعنى : أي طريق تسلكون أبين من الطريق الذي بينه الله لكم. وهذا معنى قول الزجاج. {إن هو} يعني القرآن {إلا ذكر للعالمين} أي موعظة وزجر. و{إن} بمعنى {ما}. وقيل : ما محمد إلا ذكر. {لمن شاء منكم أن يستقيم} أي يتبع الحق ويقيم عليه. وقال أبو هريرة وسليمان بن موسى : لما نزلت {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل : الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم - وهذا هو القدر؛ وهو رأس القدرية - فنزلت {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين}، فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا شرا إلا بخذلانه. وقال الحسن : والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها. وقال وهب بن منبه : قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء : من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وفي التنزيل {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}[الأنعام : 111]. وقال تعالى {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله}[يونس : 100]. وقال تعالى {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}[القصص : 56] والآي في هذا كثير، وكذلك الأخبار، وأن الله سبحانه هدى بالإسلام، وأضل بالكفر، كما تقدم في غير موضع. ختمت السورة والحمد لله.
وما محمد الذي تعرفونه بمجنون، ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة في الأفق العظيم، وما هو ببخيل في تبليغ الوحي. وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، مطرود من رحمة الله، ولكنه كلام الله ووحيه.
( ولقد رآه ) يعني رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل - عليه السلام - على صورته ( بالأفق المبين ) وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق ، قاله مجاهد وقتادة .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرني ابن فنجويه ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا الحسن بن عليوة ، حدثنا إسماعيل بن عيسى ، حدثنا إسحاق بن بشر ، أخبرنا ابن جريج ، عن عكرمة [ ومقاتل ] عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل : " إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء " قال لن تقوى على ذلك ، قال : بلى ، قال : فأين تشاء أن أتخيل لك ؟ قال : بالأبطح ، قال : لا يسعني ، قال فهاهنا ، قال : لا يسعني ، قال : فبعرفات ، قال : ذلك بالحرى أن يسعني فواعده ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوقت فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة ، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض ، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر وخر مغشيا عليه . قال : فتحول جبريل في صورته فضمه إلى صدره ، وقال : يا محمد لا تخف فكيف لك لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة ، وإن العرش لعلى كاهله ، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله - عز وجل - حتى يصير مثل [ الصعو ] يعني العصفور ، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته .
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)
فإنه محل كشف المقربين ، أراد به الوضوح والبيان والنص الجلي الذي لا يتداخله شك ولا ريب ، وهو نصيب المقربين ، وكان التجلي بالأفق تنبيها على علو الخلق ، أي كل حالة تبقي الإنسان على حالة اعتداله بغير انحراف ، لأن الأفق ما قابل نظرك على الاعتدال .
الطبعة والمصدر
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.