تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير البغوي

تفسير البغوي — سورة الأنبياء

البغوي: معالم التنزيل.

۞ قراءة النص
سورة الأنبياء · Al-Anbiyaaالسورة 21 · الصفحة 1 · 112 مقطعاً

البغوي: معالم التنزيل.

الآية 1

مكية

( اقترب للناس ) قيل اللام بمعنى من ، أي اقترب من الناس حسابهم ، أي : وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم ، يعني يوم القيامة ، نزلت في منكري البعث ، ( وهم في غفلة معرضون ) عن التأهب له .

الآية 2

( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) يعني ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به .

قال مقاتل : يحدث الله الأمر [ بعد الأمر ] قيل : الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن ، وأضافه إلى الرب عز وجل لأنه قال بأمر الرب ، ( إلا استمعوه وهم يلعبون ) أي : استمعوه لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون .

الآية 3

( لاهية ) ساهية غافلة ، ( قلوبهم ) معرضة عن ذكر الله ، وقوله ( لاهية ) نعت تقدم الاسم ، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب ، وإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان : فصل ووصل ، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى : ( خشعا أبصارهم ) ( القمر : 7 ) ، ( ودانية عليهم ظلالها ) ( الإنسان : 11 ) ، و ( لاهية قلوبهم ) وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله ، ( أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) ( النساء : 75 ) ; ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) أي أشركوا ، قوله : ( وأسروا ) فعل تقدم الجمع وكان حقه وأسر ، قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، أراد : والذين ظلموا أسروا النجوى .

وقيل : محل " الذين " رفع على الابتداء ، معناه : وأسروا النجوى ، ثم قال : وهم الذين ظلموا .

وقيل : رفع على البدل من الضمير في أسروا . قال المبرد : هذا كقولك إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله ، على البدل مما في انطلقوا ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة .

( أفتأتون ) أي تحضرون السحر وتقبلونه ، ( وأنتم تبصرون ) تعلمون أنه سحر .

الآية 4

قل لهم يا محمد ، ( ربي يعلم القول في السماء والأرض ) قرأ حمزة والكسائي وحفص : " قال ربي " ، على الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم ، ( يعلم القول في السماء والأرض ) أي لا يخفى عليه شيء ، ( وهو السميع ) لأقوالهم ، ( العليم ) بأفعالهم .

الآية 5

( بل قالوا أضغاث أحلام ) أباطيلها [ وأقاويلها ] وأهاويلها رآها في النوم ، ( بل افتراه ) اختلقه ، ( بل هو شاعر ) يعني أن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله ، قال بعضهم : أضغاث أحلام ، وقال بعضهم : بل هو فرية ، وقال بعضهم : بل محمد شاعر وما جاءكم به شعر . ( فليأتنا ) محمد ( بآية ) إن كان صادقا ( كما أرسل الأولون ) من الرسل بالآيات . قال الله تعالى مجيبا لهم :

الآية 6

( ما آمنت قبلهم ) قبل مشركي مكة ، ( من قرية ) أي : من أهل قرية أتتهم الآيات ، ( أهلكناها ) أهلكناهم بالتكذيب ، ( أفهم يؤمنون ) ؟ ، إن جاءتهم آية ، معناه : أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء؟ .

الآية 7

قوله عز وجل : ( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) هذا جواب لقولهم : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) يعني : إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالا نوحي إليهم ، ( فاسألوا أهل الذكر ) يعني : أهل التوراة والإنجيل ، يريد علماء أهل الكتاب ، فإنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا ، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمر المشركين بمسألتهم لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أقرب منهم إلى تصديق من آمن به . وقال ابن زيد : أراد بالذكر القرآن أراد : فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن ، ( إن كنتم لا تعلمون )

الآية 8

( وما جعلناهم ) أي : الرسل ، ( جسدا ) ولم يقل أجسادا لأنه اسم الجنس ، ( لا يأكلون الطعام ) هذا رد لقولهم ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ) ( الفرقان : 7 ) ، يقول لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشرا يأكلون الطعام ، ( وما كانوا خالدين ) في الدنيا .

الآية 9

( ثم صدقناهم الوعد ) الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم ، ( فأنجيناهم ومن نشاء ) أي أنجينا المؤمنين الذين صدقوهم ، ( وأهلكنا المسرفين ) أي : المشركين المكذبين ، وكل مشرك مسرف على نفسه .

الآية 10

( لقد أنزلنا إليكم كتابا ) يا معشر قريش ، ( فيه ذكركم ) أي : شرفكم ، كما قال : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) ( الزخرف : 44 ) ، وهو شرف لمن آمن به .

قال مجاهد : فيه حديثكم . وقال الحسن : فيه ذكركم أي : ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ، ( أفلا تعقلون )

الآية 11

( وكم قصمنا ) أهلكنا ، والقصم : الكسر ، ( من قرية كانت ظالمة ) أي : كافرة ، يعني أهلها ، ( وأنشأنا بعدها ) أي : أحدثنا بعد هلاك أهلها ، ( قوما آخرين )

الآية 12

فلما أحسوا بأسنا ) أي [ رأوا ] عذابنا بحاسة البصر ، ( إذا هم منها يركضون ) أي يسرعون هاربين .

الآية 13

( لا تركضوا ) أي : قيل لهم لا تركضوا لا تهربوا ، ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ) أي نعمتم به ، ( ومساكنكم لعلكم تسألون ) قال ابن عباس : عن قتل نبيكم . وقال قتادة : من دنياكم شيئا ، نزلت هذه الآية في أهل حصورا ، وهي قرية باليمن وكان أهلها العرب ، فبعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه ، فسلط الله عليهم بختنصر ، حتى قتلهم وسباهم فلما استمر فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا ، فقالت الملائكة لهم استهزاء : لا تركضوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون .

قال قتادة : لعلكم تسألون شيئا من دنياكم ، فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم ، فإنكم أهل ثروة ونعمة ، يقولون ذلك استهزاء بهم ، فاتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف ، ونادى مناد في جو السماء : يا ثارات الأنبياء ، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم .

الآية 14

" قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ".

الآية 15

( فما زالت تلك دعواهم ) أي : تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا ، دعاؤهم يدعون بها ويرددونها .

( حتى جعلناهم حصيدا ) بالسيوف كما يحصد الزرع ، ( خامدين ) ميتين .

الآية 16

قوله عز وجل : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) أي عبثا وباطلا .

الآية 17

( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) اختلفوا في اللهو ، قال ابن عباس في رواية عطاء : اللهو المرأة ، وهو قول الحسن وقتادة ، وقال في رواية الكلبي : اللهو الولد ، وهو قول السدي ، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء يسمى لهوا في اللغة ، والمرأة محل الوطء ( لاتخذناه من لدنا ) أي : من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض . وقيل : معناه لو كان جائزا ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلعوا عليه .

وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا وقال : ( لاتخذناه من لدنا ) لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده ، لا عند غيره ( إن كنا فاعلين ) قال قتادة ومقاتل وابن جريج : ( إن ) للنفي ، أي : ما كنا فاعلين . وقيل : ( إن كنا فاعلين ) للشرط أي : إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا ، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية .

الآية 18

( بل ) أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل ، ( نقذف ) نرمي ونسلط ، ( بالحق ) بالإيمان ، ( على الباطل ) على الكفر ، وقيل : الحق قول الله ، أنه لا ولد له ، والباطل قولهم اتخذ الله ولدا ، ( فيدمغه ) فيهلكه ، وأصل الدمغ : شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ، ( فإذا هو زاهق ) ذاهب ، والمعنى : نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يضمحل ويذهب ، ثم أوعدهم على كذبهم فقال : ( ولكم الويل ) يا معشر الكفار ، ( مما تصفون ) الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد . وقال مجاهد : مما تكذبون .

الآية 19

( وله من في السماوات والأرض ) عبيدا وملكا ، ( ومن عنده ) يعني الملائكة ، ( لا يستكبرون عن عبادته ) لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها ، ( ولا يستحسرون ) لا يعيون ، يقال : حسر واستحسر إذا تعب وأعيا . وقال السدي : لا يتعظمون عن العبادة .

الآية 20

( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) لا يضعفون ولا يسأمون ، قال كعب الأحبار : التسبيح لهم كالنفس لبني آدم .

الآية 21

( أم اتخذوا آلهة ) استفهام بمعنى الجحد ، أي : لم يتخذوا ، ( من الأرض ) يعني الأصنام من الخشب والحجارة ، وهما من الأرض ، ( هم ينشرون ) يحيون الأموات ، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ وجوه النعم .

الآية 22

( لو كان فيهما ) أي في السماء والأرض ، ( آلهة إلا الله ) أي : غير الله ( لفسدتا ) لخربتا وهلك من فيهما بوجود التمانع بين الآلهة لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام ، ثم نزه نفسه فقال : ( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) أي : عما يصفه به المشركون من الشريك والولد .

الآية 23

( لا يسأل عما يفعل ) ويحكم على خلقه لأنه الرب ( وهم يسألون ) أي : الخلق يسألون عن أفعالهم وأعمالهم لأنهم عبيد

الآية 24

( أم اتخذوا من دونه آلهة ) استفهام إنكار وتوبيخ ، ( قل هاتوا برهانكم ) أي : حجتكم على ذلك ، ثم قال مستأنفا ، ( هذا ) يعني القرآن . ( ذكر من معي ) فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . ( وذكر ) خبر ، ( من قبلي ) من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة . وعن ابن عباس في رواية عطاء : ذكر من معي : القرآن ، وذكر من قبلي : التوراة والإنجيل ، ومعناه : راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدا ، ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون )

الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة