البغوي: معالم التنزيل.
الآية 1
مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله عز وجل : ) ( حم ) قد سبق الكلام في حروف التهجي . قال السدي عن ابن عباس : حم اسم الله الأعظم . وروى عكرمة عنه قال : الر ، وحم ، ونون ، حروف " الرحمن " مقطعة . وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراساني : الحاء افتتاح أسمائه : حكيم حميد حي حليم حنان ، والميم افتتاح أسمائه : مالك مجيد منان . وقال الضحاك والكسائي : معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه : حم ، بضم الحاء وتشديد الميم . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر : حم بكسر الحاء ، والباقون بفتحها .
الآية 2
" تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم "
الآية 3
( غافر الذنب ) ساتر الذنب ، ( وقابل التوب ) يعني التوبة ، مصدر تاب يتوب توبا . وقيل : التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم . قال ابن عباس : غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله ، وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله ( شديد العقاب ) لمن لا يقول لا إله إلا الله ، ( ذي الطول ) ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله . قال مجاهد : " ذي الطول " : ذي السعة والغنى . وقال الحسن : ذو الفضل . وقال قتادة : ذو النعم . وقيل : ذو القدرة . وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه . ( لا إله إلا هو إليه المصير ) .
الآية 4
( ما يجادل في آيات الله ) في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار ، ( إلا الذين كفروا ) قال أبو العالية : آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن : " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " " وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد " ( البقرة - 176 ) .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا محمد بن خالد ، أخبرنا داود بن سليمان ، أخبرنا عبد الله بن حميد ، حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن جدالا في القرآن كفر " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوما يتمارون في القرآن ، فقال : " إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوه ، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه " .
قوله تعالى : ( فلا يغررك تقلبهم في البلاد ) تصرفهم في البلاد للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم ، فإن عاقبة أمرهم العذاب ، نظيره قوله عز وجل : " لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد " ( آل عمران - 196 ) .
الآية 5
( كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ) وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح ، ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ) قال ابن عباس : ليقتلوه ويهلكوه . وقيل : ليأسروه . والعرب تسمي الأسير أخيذا ، ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا ) ليبطلوا ، ( به الحق ) الذي جاء به الرسل ، ومجادلتهم مثل قولهم : إن أنتم إلا بشر مثلنا ( إبراهيم - 10 ) ، ولولا أنزل علينا الملائكة ( الفرقان - 21 ) ونحو ذلك ، ( فأخذتهم فكيف كان عقاب ) .
الآية 6
( وكذلك حقت كلمة ربك ) يعني : كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت ( على الذين كفروا ) من قومك ، ( أنهم أصحاب النار ) قال الأخفش : لأنهم أو بأنهم أصحاب النار .
الآية 7
قوله عز وجل : ( الذين يحملون العرش ومن حوله ) حملة العرش والطائفون به وهم الكروبيون ، وهم سادة الملائكة . قال ابن عباس : حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام ، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين ، والأرضون والسماوات إلى حجزهم ، وهم يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبوح قدوس رب الملائكة والروح .
وقال ميسرة بن عروبة : أرجلهم في الأرض السفلى ، ورءوسهم خرقت العرش ، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة ، وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها ، والتي تليها أشد خوفا من التي تليها . وقال مجاهد : بين الملائكة والعرش سبعون حجابا من نور .
وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " .
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال : إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام ، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور ، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله ، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة .
وقال مجاهد : بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور ، وحجاب من ظلمة ، وحجاب نور وحجاب ظلمة .
وقال وهب بن منبه : إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة ، صف خلف صف يطوفون بالعرش ، يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء ، فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام ، أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم ، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم ، فقالوا : سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك ، أنت الأكبر ، الخلق كلهم لك راجعون . ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام ، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام ، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار ، وسبعين حجابا من ظلمة ، وسبعين حجابا من نور ، وسبعين حجابا من در أبيض ، وسبعين حجابا من ياقوت أحمر ، وسبعين حجابا من ياقوت أصفر وسبعين حجابا من زبرجد أخضر ، وسبعين حجابا من ثلج ، وسبعين حجابا من ماء ، وسبعين حجابا من برد ، وما لا يعلمه إلا الله تعالى . قال : ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه ، وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان ، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة ، أما جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق ، وأما جناحان فيهفو بهما ، ليس لهم كلام إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد .
قوله عز وجل : ( يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ) يصدقون بأنه واحد لا شريك له .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، حدثنا أبو جعفر الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا عمر بن عبد الله الرقاشي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا هارون بن رباب ، حدثنا شهر بن حوشب قال : حملة العرش ثمانية : فأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك . وأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك . قال : وكأنهم ينظرون ذنوب بني آدم .
قوله عز وجل : ( ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ) يعني يقولون ربنا ، ( وسعت كل شيء رحمة وعلما ) قيل : نصب على التفسير ، وقيل : على النقل ، أي : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ، ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) دينك ( وقهم عذاب الجحيم ) قال مطرف : أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة ، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين .
الآية 8
( ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ) قال سعيد بن جبير : يدخل المؤمن الجنة فيقول : أين أبي ؟ أين أمي ؟ أين ولدي ؟ أين زوجي ؟ فيقال : إنهم لم يعملوا مثل عملك ، فيقول : إني كنت أعمل لي ولهم ، فيقال : أدخلوهم الجنة .
الآية 9
( وقهم السيئات ) العقوبات ، ( ومن تق السيئات ) أي : ومن تقه السيئات يعني العقوبات ، وقيل : جزاء السيئات ، ( يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ) .
الآية 10
قوله عز وجل : ( إن الذين كفروا ينادون ) يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم ، وعاينوا العذاب ، فيقال لهم : ( لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ) يعني لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند حلول العذاب بكم .
الآية 11
( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وقتادة والضحاك : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة ، فهما موتتان وحياتان ، وهذا كقوله تعالى : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ( البقرة - 28 ) ، وقال السدي : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال ، ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة . ( فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) أي : من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك ، نظيره : " هل إلى مرد من سبيل " ( الشورى - 44 ) .
الآية 12
قال الله تعالى : ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ) وفيه متروك استغني عنه لدلالة الظاهر عليه ، مجازه : فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك ، وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعي الله وحده كفرتم ، إذا قيل لا إله إلا الله كفرتم وقلتم : " أجعل الآلهة إلها واحدا " ( ص - 5 ( وإن يشرك به ) غيره ، ) ( تؤمنوا ) تصدقوا ذلك الشرك ، ( فالحكم لله العلي الكبير ) الذي لا أعلى منه ولا أكبر .
الآية 13
( هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا ) يعني : المطر الذي هو سبب الأرزاق ، ( وما يتذكر ) وما يتعظ بهذه الآيات ، ( إلا من ينيب ) يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره .
الآية 14
( فادعوا الله مخلصين له الدين ) الطاعة والعبادة . ( ولو كره الكافرون ) .
الآية 15
( رفيع الدرجات ) رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة ، ( ذو العرش ) خالقه ومالكه ، ( يلقي الروح ) ينزل الوحي ، سماه روحا ؛ لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح ، ( من أمره ) قال ابن عباس : من قضائه . وقيل : من قوله . وقال مقاتل : بأمره . ( على من يشاء من عباده لينذر ) أي : لينذر النبي بالوحي ، ( يوم التلاق ) وقرأ يعقوب بالتاء أي : لتنذر أنت يا محمد يوم التلاق ، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض . قال قتادة ومقاتل : يلتقي فيه الخلق والخالق . قال ابن زيد : يتلاقى العباد . وقال ميمون بن مهران : يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم . وقيل : يلتقي العابدون والمعبودون . وقيل : يلتقي فيه المرء مع عمله .
الآية 16
( يوم هم بارزون ) خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء ، ( لا يخفى على الله منهم ) من أعمالهم وأحوالهم ، ) ( شيء ) يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق : ( لمن الملك اليوم ) فلا أحد يجيبه ، فيجيب نفسه فيقول : ( لله الواحد القهار ) الذي قهر الخلق بالموت .
الآية 17
( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) يجزى المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، ( لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ) .
الآية 18
( وأنذرهم يوم الآزفة ) يعني : يوم القيامة ، سميت بذلك ؛ لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب ، نظيره قوله عز وجل : " أزفت الآزفة " ( النجم - 57 ) أي : قربت القيامة ( إذ القلوب لدى الحناجر ) وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر ، فلا هي تعود إلى أماكنها ، ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا ، ) ( كاظمين ) مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا ، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حتى يضيق به . ( ما للظالمين من حميم ) قريب ينفعهم ، ( ولا شفيع يطاع ) فيشفع فيهم .
الآية 19
( يعلم خائنة الأعين ) أي : خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل . قال مجاهد : وهو نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه . ( وما تخفي الصدور ) .
الآية 20
( والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه ) يعني الأوثان ( لا يقضون بشيء ) لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر على شيء ، قرأ نافع وابن عامر : " تدعون " بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء . ( إن الله هو السميع البصير ) .
الآية 21
( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ) قرأ ابن عامر : " منكم " بالكاف ، وكذلك هو في مصاحفهم ، ( وآثارا في الأرض ) فلم ينفعهم ذلك ( فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ) يدفع عنهم العذاب .
الآية 22
( ذلك ) أي : ذلك العذاب الذي نزل بهم ، ( بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ) .
الآية 23
قوله عز وجل: " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين "
الآية 24
" إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب "
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

