تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير البغوي

تفسير البغوي — سورة غافر

البغوي: معالم التنزيل.

۞ قراءة النص
سورة غافر · Ghfirالسورة 40 · الصفحة 2 · 85 مقطعاً

البغوي: معالم التنزيل.

الآية 25

قوله عز وجل : ( فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا ) يعني : فرعون وقومه ( اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ) قال قتادة : هذا غير القتل الأول ؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان ، فلما بعث موسى - عليه السلام - أعاد القتل عليهم ، فمعناه أعيدوا عليهم القتل ( واستحيوا نساءهم ) ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ، ( وما كيد الكافرين ) وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم ، ( إلا في ضلال ) أي : يذهب كيدهم باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل .

الآية 26

( وقال فرعون ) لملئه ، ( ذروني أقتل موسى ) وإنما قال هذا ؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك ( وليدع ربه ) أي : وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا ، ( إني أخاف أن يبدل ) يغير ، ) ( دينكم ) الذي أنتم عليه ، ( أو أن يظهر في الأرض الفساد ) قرأ يعقوب وأهل الكوفة " أو أن يظهر " وقرأ الآخرون " وأن يظهر " وقرأ أهل المدينة والبصرة وحفص " يظهر " بضم الياء وكسر الهاء على التعدية ، ) ( الفساد ) نصب لقوله : " أن يبدل دينكم " حتى يكون الفعلان على نسق واحد ، وقرأ الآخرون بفتح الياء والهاء على اللزوم ، " الفساد " رفع ، وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره .

الآية 27

" وقال موسى "، لما توعده فرعون بالقتل، " إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب "

الآية 28

( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه )

واختلفوا في هذا المؤمن : قال مقاتل والسدي : كان قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فقال : " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " ( القصص - 20 ) ، وقال قوم : كان إسرائيليا ، ومجاز الآية : وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسمه حزئيل عند ابن عباس وأكثر العلماء . وقال ابن إسحاق : كان اسمه جبران . وقيل : كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيبا ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) لأن يقول ربي الله ، ( وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) أي : بما يدل على صدقه ، ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه ) لا يضركم ذلك ، ( وإن يك صادقا ) فكذبتموه ، ( يصبكم بعض الذي يعدكم ) قال أبو عبيد : المراد بالبعض الكل ، أي : إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب . قال الليث : " بعض " صلة ، يريد : يصبكم الذي يعدكم . وقال أهل المعاني : هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال : أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم ، فذكر البعض ليوجب الكل . ( إن الله لا يهدي ) إلى دينه ، ( من هو مسرف ) مشرك ) ( كذاب ) على الله .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثني الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، حدثني عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوى ثوبه في عنقه ، فخنقه به خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " .

الآية 29

( ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ) غالبين في أرض مصر ، ( فمن ينصرنا من بأس الله ) من يمنعنا من عذاب الله ، ( إن جاءنا ) والمعنى لكم الملك اليوم فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب ، وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حل بكم ، ( قال فرعون ما أريكم ) من الرأي والنصيحة ، ( إلا ما أرى ) لنفسي . وقال الضحاك : ما أعلمكم إلا ما أعلم ، ( وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى .

الآية 30

" وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب "

الآية 31

( مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ) أي : مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب ، ( وما الله يريد ظلما للعباد ) أي : لا يهلكهم قبل اتخاذ الحجة عليهم .

الآية 32

( ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ) يوم القيامة يدعى كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضا ، فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار ، وأصحاب النار أصحاب الجنة ، وينادى أصحاب الأعراف ، وينادى بالسعادة والشقاوة ، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، وفلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا ، وينادى حين يذبح الموت : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت .

وقرأ ابن عباس والضحاك : " يوم التناد " بتشديد الدال أي : يوم التنافر ، وذلك أنهم هربوا فندوا في الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها .

قال الضحاك : وكذلك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا ، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه ، فذلك قوله تعالى : " والملك على أرجائها " ( الحاقة - 17 ) وقوله : يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا . ( الرحمن - 33 )

الآية 33

( يوم تولون مدبرين ) منصرفين عن موقف الحساب إلى النار . وقال مجاهد : فارين غير معجزين ( ما لكم من الله من عاصم ) يعصمكم من عذابه ، ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) .

الآية 34

( ولقد جاءكم يوسف من قبل ) يعني يوسف بن يعقوب " من قبل " أي : من قبل موسى ، ) ( بالبينات ) يعني قوله : " أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار " ( يوسف - 39 ( فما زلتم في شك مما جاءكم به ) قال ابن عباس : من عبادة الله وحده لا شريك له ، ( حتى إذا هلك ) مات ( قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ) أي : أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة ، ( كذلك يضل الله من هو مسرف ) مشرك ، ) ( مرتاب ) شاك .

الآية 35

( الذين يجادلون في آيات الله ) قال الزجاج : هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي : في إبطالها بالتكذيب ( بغير سلطان ) حجة ) ( أتاهم ) من الله ( كبر مقتا ) أي : كبر ذلك الجدال مقتا ، ( عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) قرأ أبو عمرو وابن عامر " قلب " بالتنوين ، وقرأ الآخرون بالإضافة ، دليله قراءة عبد الله بن مسعود " على قلب كل متكبر جبار " .

الآية 36

( وقال فرعون ) لوزيره : ( ياهامان ابن لي صرحا ) والصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد ، وأصله من التصريح وهو الإظهار ، ( لعلي أبلغ الأسباب ) .

الآية 37

( أسباب السماوات ) يعني : طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء ، ( فأطلع إلى إله موسى ) قراءة العامة برفع العين نسقا على قوله : " أبلغ الأسباب " وقرأ حفص عن عاصم بنصب العين وهي قراءة حميد الأعرج ، على جواب " لعل " بالفاء ، ( وإني لأظنه ) يعني موسى ، ) ( كاذبا ) فيما يقول إن له ربا غيري ، ( وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ) قرأ أهل الكوفة ويعقوب : " وصد " بضم الصاد نسقا على قوله : " زين لفرعون . " قال ابن عباس : صده الله عن سبيل الهدى . وقرأ الآخرون بالفتح أي : صد فرعون الناس عن السبيل . ( وما كيد فرعون إلا في تباب ) يعني : وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك .

الآية 38

" وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد " طريق الهدى.

الآية 39

( ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) متعة تنتفعون بها مدة ثم تنقطع ، ( وإن الآخرة هي دار القرار ) التي لا تزول .

الآية 40

( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) قال مقاتل : لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير .

الآية 41

( ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ) يعني : ما لكم ، كما تقول : ما لي أراك حزينا ؟ أي : ما لك ؟ يقول : أخبروني عنكم ؟ كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله ، ( وتدعونني إلى النار ) ؟ إلى الشرك الذي يوجب النار ، ثم فسر فقال :

الآية 42

( تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ) في انتقامه ممن كفر ، الغفار لذنوب أهل التوحيد .

الآية 43

( لا جرم ) حقا ، ( أنما تدعونني إليه ) أي : إلى الوثن ، ( ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ) قال السدي : لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة ، يعني ليست له استجابة دعوة . وقيل : ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا ؛ لأن الأوثان لا تدعي الربوبية ، ولا تدعو إلى عبادتها ، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها . ( وأن مردنا إلى الله ) : مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما يستحق ، ( وأن المسرفين ) المشركين ، ( هم أصحاب النار ) .

الآية 44

( فستذكرون ما أقول لكم ) إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر ، ( وأفوض أمري إلى الله ) وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم ، ( إن الله بصير بالعباد ) يعلم المحق من المبطل ، ثم خرج المؤمن من بينهم ، فطلبوه فلم يقدروا عليه .

الآية 45

وذلك قوله عز وجل ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) ما أرادوا به من الشر قال قتادة : نجا مع موسى وكان قبطيا ، ) ( وحاق ) نزل ، ( بآل فرعون سوء العذاب ) الغرق في الدنيا ، والنار في الآخرة .

الآية 46

وذلك قوله عز وجل : ) ( النار ) هي رفع على البدل من السوء ، ( يعرضون عليها غدوا وعشيا ) صباحا ومساء ، قال ابن مسعود : أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين ، تغدو وتروح إلى النار ، ويقال : يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة .

وقال قتادة ، ومقاتل ، والسدي ، والكلبي : تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " .

ثم أخبر الله عن مستقرهم يوم القيامة فقال : ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا ) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر : " الساعة ادخلوا " بحذف الألف والوصل ، وبضمها في الابتداء ، وضم الخاء من الدخول ، أي : يقال لهم : ادخلوا يا " آل فرعون أشد العذاب " ، وقرأ الآخرون " أدخلوا " بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال ، أي : يقال للملائكة : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب . قال ابن عباس : يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أغرقوا .

الآية 47

( وإذ يتحاجون في النار ) أي : اذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون ، يعني أهل النار في النار ، ( فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ) في الدنيا ، ( فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار ) والتبع يكون واحدا وجمعا في قول أهل البصرة ، وواحده تابع ، وقال أهل الكوفة : هو جمع لا واحد له ، وجمعه أتباع .

الآية 48

" قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد "

الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة