البغوي: معالم التنزيل.
الآية 1
مكية، " حم "
الآية 2
" تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم "
الآية 3
" إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين "
الآية 4
( وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات ) قرأ حمزة ، والكسائي ، ويعقوب : " آيات " وتصريف الرياح آيات " بكسر التاء فيهما ردا على قوله : " لآيات " وهو في موضع النصب ، وقرأ الآخرون برفعهما على الاستئناف ، على أن العرب تقول : إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال ، ينصبون الثاني ويرفعونه ( لقوم يوقنون ) أنه لا إله غيره .
الآية 5
( واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق ) يعني الغيث الذي هو سبب أرزاق العباد ( فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ) .
الآية 6
( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ) يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله نقصها عليك بالحق ( فبأي حديث بعد الله ) بعد كتاب الله ( وآياته يؤمنون ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب : " تؤمنون " بالتاء ، على معنى قل لهم يا محمد : فبأي حديث تؤمنون ، وقرأ الآخرون بالياء .
الآية 7
( ويل لكل أفاك أثيم ) كذاب صاحب إثم ، يعني : النضر بن الحارث .
الآية 8
" يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم "
الآية 9
( وإذا علم من آياتنا ) قال مقاتل : من القرآن ( شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ) وذكر بلفظ الجمع ردا إلى " كل " في قوله : " لكل أفاك أثيم " .
الآية 10
( من ورائهم ) أمامهم ( جهنم ) يعني أنهم في الدنيا [ ممتعون بأموالهم ] ولهم في الآخرة النار يدخلونها ( ولا يغني عنهم ما كسبوا ) من الأموال ( شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ) ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة ( ولهم عذاب عظيم ) .
الآية 11
( هذا ) يعني هذا القرآن ( هدى ) بيان من الضلالة ( والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ) .
الآية 12
"الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون "
الآية 13
( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) ومعنى تسخيرها أنه خلقها لمنافعنا . فهو مسخر لنا من حيث إنا ننتفع به ( جميعا منه ) فلا تجعلوا لله أندادا ، قال ابن عباس : " جميعا منه " ، كل ذلك رحمة منه . قال الزجاج : كل ذلك تفضل منه وإحسان . ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
الآية 14
( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمته ، قال ابن عباس ومقاتل : نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وذلك أن رجلا من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يبطش به ، فأنزل الله هذه الآية ، وأمره أن يعفو عنه .
وقال القرظي والسدي : نزلت في أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين ، من قبل أن يؤمروا بالقتال ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله هذه الآية ثم نسختها آية القتال . ( ليجزي قوما ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " لنجزي " بالنون ، وقرأ الآخرون بالياء ، أي ليجزي الله ، وقرأ أبو جعفر " ليجزى " بضم الياء الأولى وسكون الثانية وفتح الزاي ، قال أبو عمرو : وهو لحن ، قال الكسائي : معناه ليجزي الجزاء قوما ( بما كانوا يكسبون ) .
الآية 15
" من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون "
الآية 16
( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ) التوراة ( والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ) الحلالات ، يعني المن والسلوى ( وفضلناهم على العالمين ) أي عالمي زمانهم ، قال ابن عباس لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم .
الآية 17
( وآتيناهم بينات من الأمر ) يعني العلم بمبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وما بين لهم من أمره ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) .
الآية 18
( ثم جعلناك ) [ يا محمد ] ( على شريعة ) سنة وطريقة بعد موسى ( من الأمر ) من الدين ( فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) يعني مراد الكافرين ، وذلك أنهم كانوا يقولون له : ارجع إلى دين آبائك ، فإنهم كانوا أفضل منك ، فقال جل ذكره :
الآية 19
( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) [ لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئا ] إن اتبعت أهواءهم ( وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ) .
الآية 20
( هذا ) يعني القرآن ( بصائر للناس ) [ معالم للناس ] في الحدود والأحكام يبصرون بها ( وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) .
الآية 21
( أم حسب ) [ بل حسب ] ( الذين اجترحوا السيئات ) اكتسبوا المعاصي والكفر ( أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) نزلت في نفر من مشركي مكة ، قالوا للمؤمنين : لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا . ( سواء محياهم ) قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب : " سواء " بالنصب ، أي : نجعلهم سواء ، يعني : أحسبوا أن حياة الكافرين ( ومماتهم ) كحياة المؤمنين وموتهم سواء كلا ، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر أي محياهم ومماتهم سواء فالضمير فيهما يرجع إلى المؤمنين والكافرين جميعا ، معناه : المؤمن مؤمن محياه ومماته أي في الدنيا والآخرة ، والكافر كافر في الدنيا والآخرة ( ساء ما يحكمون ) بئس ما يقضون ، قال مسروق : قال لي رجل من أهل مكة : هذا مقام أخيك تميم الداري ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد ويبكي . " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات " الآية .
الآية 22
" وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ".
الآية 23
( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال ابن عباس والحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه ، فلا يهوى شيئا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه ، ولا يحرم ما حرم الله . وقال آخرون : معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه .
قال سعيد بن جبير : كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة ، فإذا وجدوا شيئا أحسن من الأول رموه أو كسروه ، وعبدوا الآخر .
قال الشعبي : إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في النار .
( وأضله الله على علم ) منه بعاقبة أمره ، وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه ( وختم ) طبع ( على سمعه ) فلم يسمع الهدى ( وقلبه ) فلم يعقل الهدى ( وجعل على بصره غشاوة ) قرأ حمزة والكسائي " غشوة " بفتح الغين وسكون الشين ، والباقون " غشاوة " ظلمة فهو لا يبصر الهدى ( فمن يهديه من بعد الله ) [ أي فمن يهديه ] بعد أن أضله الله ( أفلا تذكرون ) .
الآية 24
( وقالوا ) يعني منكري البعث ( ما هي إلا حياتنا الدنيا ) أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا ( نموت ونحيا ) أي يموت الآباء ويحيا الأبناء ، وقال الزجاج : يعني نموت ونحيا ، فالواو للاجتماع ( وما يهلكنا إلا الدهر ) أي وما يفنينا إلا مر الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار . ( وما لهم بذلك ) الذي قالوه ( من علم ) أي لم يقولوه عن علم [ علموه ] ( إن هم إلا يظنون ) .
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن همام بن منبه ، حدثنا أبو هريرة - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قال الله تعالى : لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر ، فإني أنا الدهر ، أرسل الليل والنهار ، فإذا شئت قبضتهما " .
أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، حدثنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يسب أحدكم الدهر [ فإن الله هو الدهر ] ، ولا يقولن للعنب الكرم ، فإن الكرم هو الرجل المسلم " .
ومعنى الحديث : أن العرب كان من شأنهم ذم الدهر ، وسبه عند النوازل ، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره ، فيقولون : أصابتهم قوارع الدهر ، وأبادهم الدهر ، كما أخبر الله تعالى عنهم : " وما يهلكنا إلا الدهر " فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها ، فكان مرجع سبهم إلى الله - عز وجل - ، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر ، [ فنهوا عن سب الدهر ] .
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

