البغوي: معالم التنزيل.
الآية 1
مكية( والطور ) أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام بالأرض المقدسة ، أقسم الله تعالى به .
الآية 2
" وكتاب مسطور "، مكتوب.
الآية 3
( في رق منشور ) " والرق " : ما يكتب فيه ، وهو أديم الصحف ، و " المنشور " : المبسوط ، واختلفوا في هذا الكتاب ، قال الكلبي : هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم .
وقيل : هو اللوح المحفوظ . وقيل : دواوين الحفظة تخرج إليهم يوم القيامة منشورة ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله . دليله قوله - عز وجل - : " ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا " ، ( الإسراء - 13 ) .
الآية 4
( والبيت المعمور ) بكثرة الغاشية والأهل ، وهو بيت في السماء حذاء العرش بحيال الكعبة يقال له : الضراح ، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض ، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا .
الآية 5
( والسقف المرفوع ) يعني : السماء ، نظيره قوله - عز وجل - : " وجعلنا السماء سقفا محفوظا " . ( الأنبياء - 32 ) .
الآية 6
( والبحر المسجور ) قال محمد بن كعب القرظي والضحاك : يعني الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور ، وهو قول ابن عباس ، وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم ، كما قال الله تعالى : " وإذا البحار سجرت " ، ( التكوير - 6 ) وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا ، فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا " .
وقال مجاهد والكلبي : " المسجور " : المملوء ، يقال : سجرت الإناء إذا ملأته .
وقال الحسن ، وقتادة ، وأبو العالية : هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب
وقال الربيع بن أنس : المختلط العذب بالمالح .
وروى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي أنه قال في البحر المسجور : هو بحر تحت العرش ، غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين ، فيه ماء غليظ يقال له : بحر الحيوان . يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا فينبتون في قبورهم . هذا قول مقاتل : أقسم الله بهذه الأشياء .
الآية 7
( إن عذاب ربك لواقع ) نازل كائن .
الآية 8
( ما له من دافع ) مانع ، قال جبير بن مطعم : قدمت المدينة لأكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب ، وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ " والطور " إلى قوله " إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع " ، فكأنما صدع قلبي حين سمعته ، ولم يكن أسلم يومئذ ، قال : فأسلمت خوفا من نزول العذاب ، وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب .
الآية 9
ثم بين أنه متى يقع فقال :
( يوم تمور السماء مورا ) أي : تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة . قال قتادة : تتحرك . قال عطاء الخراساني : تختلف أجزاؤها بعضها في بعض . وقيل : تضطرب ، و " المور " يجمع هذه المعاني ، فهو في اللغة : الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب .
الآية 10
( وتسير الجبال سيرا ) فتزول عن أماكنها وتصير هباء منثورا .
الآية 11
( فويل ) فشدة عذاب ( يومئذ للمكذبين)
الآية 12
( الذين هم في خوض يلعبون ) يخوضون في الباطل يلعبون غافلين لاهين .
الآية 13
( يوم يدعون ) يدفعون ( إلى نار جهنم دعا ) دفعا بعنف وجفوة ، وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم ، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ، ثم يدفعون بهم إلى النار دفعا على وجوههم ، وزجا في أقفيتهم حتى يردوا النار ، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها :
الآية 14
( هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) في الدنيا .
الآية 15
( أفسحر هذا ) وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى السحر ، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر ، فوبخوا به ، وقيل لهم : ( أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) .
الآية 16
( اصلوها ) قاسوا شدتها ( فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ) الصبر والجزع ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) .
الآية 17
" إن المتقين في جنات ونعيم "
الآية 18
( فاكهين ) معجبين بذلك ناعمين ( بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ) ويقال لهم :
الآية 19
( كلوا واشربوا هنيئا ) مأمون العاقبة من التخمة والسقم ( بما كنتم تعملون ) .
الآية 20
( متكئين على سرر مصفوفة ) موضوعة بعضها إلى جنب بعض ( وزوجناهم بحور عين ) .
الآية 21
( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) قرأ أبو عمرو : " وأتبعناهم " ، بقطع الألف على التعظيم ، " ذرياتهم " ، بالألف وكسر التاء فيهما لقوله : " ألحقنا بهم " " وما ألتناهم " ، ليكون الكلام على نسق واحد .
وقرأ الآخرون : " واتبعتهم " بوصل الألف وتشديد التاء بعدها وسكون التاء الأخيرة .
ثم اختلفوا في " ذريتهم " : قرأ أهل المدينة الأولى بغير ألف وضم التاء ، والثانية بالألف وكسر التاء ، وقرأ أهل الشام ويعقوب كلاهما بالألف وكسر التاء في الثانية ، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما ورفع التاء في الأولى ونصبها في الثانية .
واختلفوا في معنى الآية ، فقال قوم : معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ، يعني : أولادهم الصغار والكبار ، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم ، والصغار بإيمان آبائهم ، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين ( ألحقنا بهم ذريتهم ) المؤمنين [ في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم ] تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم . وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم .
وقال آخرون : معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم . وهو قول الضحاك ، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أخبر الله - عز وجل - أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه ، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه ، من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئا ، فذلك قوله : ( وما ألتناهم ) قرأ ابن كثير بكسر اللام ، والباقون بفتحها أي ما نقصناهم يعني الآباء ( من عملهم من شيء ) .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله الحديثي ، حدثنا سعيد بن محمد بن إسحاق الصيرفي ، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جبارة بن المغلس ، حدثنا قيس بن الربيع ، حدثنا عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل ، لتقر بهم عينه " ، ثم قرأ : " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " ، إلى آخر الآية .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري ، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي - رضي الله عنه - قال : سألت خديجة رضي الله تعالى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ولدين ماتا لها في الجاهلية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هما في النار " ، فلما رأى الكراهة في وجهها ، قال : " لو رأيت مكانهما لأبغضتهما " ، قالت : يا رسول الله فولدي منك ؟ قال : " في الجنة " ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة ، وإن المشركين وأولادهم في النار " ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " .
( كل امرئ بما كسب رهين ) قال مقاتل : كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار ، والمؤمن لا يكون مرتهنا ، لقوله - عز وجل - : " كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين " ، ثم ذكر ما يزيدهم من الخير والنعمة فقال :
الآية 22
" وأمددناهم بفاكهة "، زيادة على ما كان لهم، " ولحم مما يشتهون "، من أنواع اللحمان.
الآية 23
( يتنازعون ) يتعاطون ويتناولون ( فيها كأسا لا لغو فيها ) وهو الباطل ، وروي ذلك عن قتادة ، وقال مقاتل بن حيان : لا فضول فيها . وقال سعيد بن المسيب : لا رفث فيها . وقال ابن زيد : لا سباب ولا تخاصم فيها . وقال القتيبي : لا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا ( ولا تأثيم ) أي لا يكون منهم ما يؤثمهم . قال الزجاج : لا يجري بينهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر . وقيل : لا يأثمون في شربها .
الآية 24
( ويطوف عليهم ) بالخدمة ( غلمان لهم كأنهم ) في الحسن والبياض والصفاء ( لؤلؤ مكنون ) مخزون مصون لم تمسه الأيدي . قال سعيد بن جبير : يعني في الصدف .
قال عبد الله بن عمر : وما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام ، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه .
وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال : قالوا يا رسول الله : الخادم كاللؤلؤ المكنون ، فكيف المخدوم ؟
وعن قتادة أيضا قال : ذكر لنا أن رجلا قال : يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم ؟ قال : " فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " .
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

