البغوي: معالم التنزيل.
الآية 1
مكية، " الرحمن "، قيل: نزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر.
الآية 2
" علم القرآن "، قال الكلبي : علم القرآن محمداً. وقيل: ((علم القرآن)) يسره للذكر.
الآية 3
( خلق الإنسان ) يعني آدم عليه السلام ، قاله ابن عباس وقتادة .
الآية 4
( علمه البيان ) أسماء كل شيء ، وقيل : علمه اللغات كلها ، وكان آدم يتكلم بسبعمائة [ ألف ] لغة أفضلها العربية .
وقال الآخرون : " الإنسان " اسم جنس ، وأراد به جميع الناس " علمه البيان " النطق والكتابة والفهم والإفهام ، حتى عرف ما يقول وما يقال له . هذا قول أبي العالية وابن زيد والحسن .
وقال السدي : علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به .
وقال ابن كيسان : " خلق الإنسان " يعني : محمدا - صلى الله عليه وسلم - " علمه البيان " يعني بيان ما كان وما يكون لأنه كان يبين [ عن ] الأولين والآخرين وعن يوم الدين .
الآية 5
" الشمس والقمر بحسبان "، قال مجاهد : كحسبان الرحى. وقال غيره: أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، قاله ابن عباس و قتادة . وقال ابن زيد و ابن كيسان : يعني بهما تحسب الأوقات والآجال لولا الليل والنهار ةالشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئاً. وقال الضحاك : يجريان بقدر، والحسبان يكون مصدر حسبت حساباً وحسباناً، مثل الغفران والكفران، والرجحان والنقصان، وقد يكون جمع الحساب كالشهبان والركبان.
الآية 6
( والنجم والشجر يسجدان ) النجم ما ليس له ساق من النبات ، والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء ، وسجودهما سجود ظلهما كما قال : " يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله " ( النحل - 48 ) قال مجاهد : النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه .
الآية 7
( والسماء رفعها ) فوق الأرض ( ووضع الميزان ) قال مجاهد : أراد بالميزان العدل . المعنى : أنه أمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى :
الآية 8
( ألا تطغوا في الميزان ) أي لا تجاوزوا العدل . وقال الحسن وقتادة والضحاك : أراد به الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف ، وأصل الوزن التقدير " ألا تطغوا " يعني لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان .
الآية 9
( وأقيموا الوزن بالقسط ) بالعدل ، وقال أبو الدرداء وعطاء : معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل . قال ابن عيينة : الإقامة باليد والقسط بالقلب ( ولا تخسروا ) ولا تنقصوا ( الميزان ) ولا تطففوا في الكيل والوزن .
الآية 10
" والأرض وضعها للأنام "، للخلق الذين بثهم فيها.
الآية 11
( فيها فاكهة ) يعني : أنواع الفواكه ، قال ابن كيسان : يعني ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى ( والنخل ذات الأكمام ) الأوعية التي يكون فيها الثمر لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم ينشق ، واحدها كم ، وكل ما ستر شيئا فهو كم وكمة ، ومنه كم القميص ، ويقال للقلنسوة كمة ، قال الضحاك : " ذات الأكمام " أي ذات الغلف . وقال الحسن : أكمامها : لفيفها . [ وقال ابن زيد : هو الطلع قبل أن ينشق ] .
الآية 12
( والحب ذو العصف ) أراد بالحب جميع الحبوب التي تحرث في الأرض ، قال مجاهد : هو ورق الزرع . قال ابن كيسان : " العصف " ورق كل شيء يخرج منه الحب ، يبدو أولا ورقا وهو العصف ثم يكون سوقا ، ثم يحدث الله فيه أكماما ثم يحدث في الأكمام الحب . وقال ابن عباس في رواية الوالبي : هو التبن . وهو قول الضحاك وقتادة . وقال عطية عنه : هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رءوسه ويبس ، نظيره : " كعصف مأكول " ( الفيل - 5 ) .
( والريحان ) هو الرزق في قول الأكثرين ، قال ابن عباس : كل ريحان في القرآن فهو رزق . وقال الحسن وابن زيد هو ريحانكم الذي يشم ، قال الضحاك : " العصف " : هو التبن . و " الريحان " ثمرته .
وقراءة العامة : " والحب ذو العصف والريحان " ، كلها مرفوعات بالرد على الفاكهة . وقرأ ابن عامر " والحب ذا العصف والريحان " بنصب الباء والنون وذا بالألف على معنى : خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء . وقرأ حمزة والكسائي " والريحان " بالجر عطفا على العصف فذكر قوت الناس والأنعام ، ثم خاطب الجن والإنس فقال :
الآية 13
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أيها الثقلان ، يريد من هذه الأشياء المذكورة . وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع ، يعدد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها ، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا ؟ ألم تك خاملا ؟ فعززتك أفتنكر هذا ؟ ومثل هذا التكرار شائع في كلام العرب حسن تقريرا .
وقيل : خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب تخاطب الواحد بلفظ التثنية كقوله تعالى : " ألقيا في جهنم " ( ق - 24 ) .
وروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله : قرأ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة الرحمن حتى ختمها ، ثم قال : " ما لي أراكم سكوتا ، للجن [ كانوا ] أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة " فبأي آلاء ربكما تكذبان " إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد " .
الآية 14
" خلق الإنسان من صلصال كالفخار ".
الآية 15
( وخلق الجان ) وهو أبو الجن . وقال الضحاك : هو إبليس ( من مارج من نار ) وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه . قال مجاهد : وهو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت ، من قولهم : مرج أمر القوم ، إذا اختلط .
الآية 16
" فبأي آلاء ربكما تكذبان "
الآية 17
" رب المشرقين "، مشرق الصيف ومشرق الشتاء. " ورب المغربين "، مغرب الصيف ومغرب الشتاء.
الآية 18
" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".
الآية 19
" مرج البحرين "، العذب والمالح أرسلهما وخلاهما " يلتقيان ".
الآية 20
( بينهما برزخ ) حاجز من قدرة الله تعالى ( لا يبغيان ) لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه . وقال قتادة : لا يطغيان على الناس بالغرق . وقال الحسن : " مرج البحرين " بحر الروم وبحر الهند ، وأنتم الحاجز بينهما . وعن قتادة أيضا : بحر فارس وبحر الروم بينهما برزخ يعني الجزائر . قال مجاهد والضحاك : بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام .
الآية 21
" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".
الآية 22
( يخرج منهما ) قرأ أهل المدينة والبصرة : " يخرج " بضم الياء وفتح الراء ، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الراء ( اللؤلؤ والمرجان ) وإنما يخرج من المالح دون العذب وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل ، كما قال - عز وجل - : " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم " ( الأنعام - 130 ) . وكانت الرسل من الإنس دون الجن . وقال بعضهم يخرج من ماء السماء وماء البحر . قال ابن جريج : إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فحيثما وقعت قطرة كانت لؤلؤة ، واللؤلؤة : ما عظم من الدر ، والمرجان : صغارها . وقال مقاتل ومجاهد على الضد من هذا . وقيل : " المرجان " الخرز الأحمر . وقال عطاء الخراساني : هو اليسر .
الآية 23
" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".
الآية 24
( وله الجواري ) السفن الكبار ( المنشآت ) قرأ حمزة وأبو بكر : " المنشئات " بكسر الشين ، أي : المنشئات للسير [ يعني اللاتي ابتدأن وأنشأن السير ] . وقرأ الآخرون بفتح الشين أي المرفوعات ، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض . وقيل : هي ما رفع قلعه من السفن وأما ما لم يرفع قلعه فليس من المنشئات . وقيل المخلوقات المسخرات ( في البحر كالأعلام ) كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل ، شبه السفن في البحر ، بالجبال في البر
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

