البغوي: معالم التنزيل.
الآية 1
مكية
( الحاقة ) يعني القيامة سميت حاقة لأنها حقت فلا كاذبة لها . وقيل لأن فيها حواق الأمور وحقائقها ولأن فيها يحق الجزاء على الأعمال ، أي يجب يقال : حق عليه الشيء إذا وجب يحق [ حقوقا ] قال الله تعالى : " ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين " ( الزمر - 71 ) قال الكسائي : " الحاقة " يوم الحق .
الآية 2
( ما الحاقة ) هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها كما يقال : زيد ما زيد على التعظيم لشأنه .
الآية 3
( وما أدراك ما الحاقة ) أي أنك لا تعلمها إذ لم تعاينها ولم تر ما فيها من الأهوال .
الآية 4
( كذبت ثمود وعاد بالقارعة ) قال ابن عباس وقتادة : بالقيامة سميت قارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة . وقيل : كذبت بالعذاب الذي أوعدهم نبيهم حتى نزل بهم فقرع قلوبهم .
الآية 5
( فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ) أي بطغيانهم وكفرهم . قيل : هي مصدر ، وقيل : نعت أي بفعلهم الطاغية وهذا معنى قول مجاهد ، كما قال : " كذبت ثمود بطغواها " ( الشمس - 11 ) وقال قتادة : بالصيحة الطاغية ، وهي التي جاوزت مقادير الصياح فأهلكتهم . وقيل : طغت على الخزان [ فلم يكن لهم عليها سبيل ولم يعرفوا كم خرج منها ] كما طغى الماء على قوم نوح .
الآية 6
"وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية"، عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يكن لهم عليها سبيل، وجاوزت المقدار فلم يعرفوا كم خرج منها.
الآية 7
( سخرها عليهم ) أرسلها عليهم . وقال مقاتل : سلطها عليهم ( سبع ليال وثمانية أيام ) قال وهب : هي الأيام التي تسميها العرب أيام العجوز ، ذات برد ورياح شديدة . قيل : سميت عجوزا لأنها في عجز الشتاء . وقيل : سميت بذلك لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فتبعتها الريح ، فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب ( حسوما ) قال مجاهد وقتادة : متتابعة ليس لها فترة ، فعلى هذا فهو من حسم الكي وهو أن يتابع على موضع الداء بالمكواة حتى يبرأ ، ثم قيل لكل شيء توبع : حاسم وجمعه حسوم ، مثل شاهد وشهود ، وقال الكلبي ومقاتل : حسوما دائمة . وقال النضر بن شميل : حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم ، والحسم : القطع والمنع ومنه حسم الداء . قال الزجاج : [ الذي توجبه الآية فعلى معنى ] تحسمهم حسوما تفنيهم وتذهبهم . وقال عطية : حسوما كأنها حسمت الخير عن أهلها ( فترى القوم فيها ) أي في تلك الليالي والأيام ( صرعى ) هلكى جمع صريع ( كأنهم أعجاز نخل خاوية ) ساقطة ، وقيل : خالية الأجواف .
الآية 8
"فهل ترى لهم من باقية"، أي من نفس باقية، يعني: لم يبق منهم أحد.
الآية 9
( وجاء فرعون ومن قبله ) قرأ أهل البصرة والكسائي بكسر القاف وفتح الباء ، أي ومن معه من جنوده وأتباعه ، وقرأ الآخرون بفتح القاف وسكون الباء ، أي ومن قبله من الأمم الكافرة ( والمؤتفكات ) أي : قرى قوم لوط ، يريد : أهل المؤتفكات . وقيل يريد الأمم الذين ائتفكوا بخطيئتهم ، أي أهلكوا بذنوبهم ( بالخاطئة ) أي بالخطيئة والمعصية وهي الشرك .
الآية 10
( فعصوا رسول ربهم ) يعني لوطا وموسى ( فأخذهم أخذة رابية ) نامية . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : شديدة . وقيل : زائدة على عذاب الأمم .
الآية 11
( إنا لما طغى الماء ) أي عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه ، يعني زمن نوح - عليه السلام - ( حملناكم ) أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ( في الجارية ) في السفينة التي تجري في الماء .
الآية 12
( لنجعلها ) أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه ( لكم تذكرة ) عبرة وموعظة ( وتعيها ) قرأ القواس عن ابن كثير وسليم عن حمزة باختلاس العين ، وقرأ الآخرون بكسرها أي تحفظها ( أذن واعية ) أي : حافظة لما جاء من عند الله . قال قتادة : [ أذن ] سمعت وعقلت ما سمعت . قال الفراء : لتحفظها كل أذن فتكون عبرة وموعظة لمن يأتي بعد .
الآية 13
"فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة"، وهي النفخة الأولى.
الآية 14
"وحملت الأرض والجبال"، رفعت من أماكنها، "فدكتا"، كسرتا، "دكةً" كسرة، "واحدة" ، فصارتا هباءً منثورا.
الآية 15
"فيومئذ وقعت الواقعة"، قامت القيامة.
الآية 16
( وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ) ضعيفة . قال الفراء : وهيها : تشققها .
الآية 17
( والملك ) يعني الملائكة ( على أرجائها ) نواحيها وأقطارها ما لم ينشق منها واحدها : " رجا " مقصور وتثنيته رجوان . قال الضحاك : تكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ( ويحمل عرش ربك فوقهم ) أي فوق رءوسهم يعني الحملة ( يومئذ ) يوم القيامة ( ثمانية ) أي ثمانية أملاك .
جاء في الحديث : " إنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى ، فكانوا ثمانية على صورة الأوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء " .
وجاء في الحديث : " لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر " .
أخبرنا أبو بكر بن الهيثم الترابي ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي ، أخبرنا محمد بن يحيى الخالدي ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم [ الحنظلي ] حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا يحيى بن العلاء ، عن عمه شعيب بن خالد ، حدثنا سماك بن حرب ، عن عبد الله بن عميرة ، عن العباس بن عبد المطلب قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبطحاء فمرت سحابة فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أتدرون ما هذا ؟ قلنا : السحاب . قال : والمزن ؟ قلنا : والمزن ، قال : والعنان ؟ فسكتنا فقال : هل تدرون كم بين السماء والأرض ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : بينهما مسيرة خمسمائة سنة ، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة ، وكذلك غلظ كل سماء خمسمائة سنة ، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض [ ثم بين ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن كما بين السماء والأرض ] ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله تعالى فوق ذلك ، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء " .
ويروى هذا عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس .
وروي عن ابن عباس أنه قال : " فوقهم يومئذ ثمانية " أي : ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله .
الآية 18
يومئذ تعرضون ) على الله ( لا تخفى ) قرأ حمزة والكسائي : " لا يخفى " بالياء ، وقرأ الآخرون بالتاء ( منكم خافية ) أي فعلة خافية . قال الكلبي : لا يخفى على الله منكم شيء . قال أبو موسى : يعرض الناس ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعندها تطاير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله
الآية 19
وذلك قوله - عز وجل - : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه ) تعالوا اقرءوا كتابيه الهاء في " كتابيه " هاء الوقف .
الآية 20
"إني ظننت"، علمت وأيقنت، "أني ملاق حسابيه"، أي: إني أحاسب في الآخرة.
الآية 21
( فهو في عيشة ) حالة من العيش ( راضية ) مرضية كقوله : " ماء دافق " ( الطارق - 6 ) يريد : يرضاها بأن لقي الثواب وأمن العقاب .
الآية 22
"في جنة عالية"، رفيعة.
الآية 23
"قطوفها دانية" ثمارها قريبة لمن يتناولها في كل أحواله ينالها قائماً وقاعداً ومضطجعاً يقطعون كيف شاؤوا.
الآية 24
"كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم"، قدمتم لآخرتكم من الأعمال الصالحة، "في الأيام الخالية"، الماضية يريد أيام الدنيا.
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

