البغوي: معالم التنزيل.
الآية 1
مكية
( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك ) أي : بأن أنذر قومك ( من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) المعنى : إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا .
الآية 2
"قال يا قوم إني لكم نذير مبين"، أنذركم وأبين لكم رسالة الله بلغة تعرفونها.
الآية 3
"أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون".
الآية 4
( يغفر لكم من ذنوبكم ) " من " صلة ، أي : يغفر لكم ذنوبكم . وقيل : يعني ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان ، وذلك بعض ذنوبهم ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أي : يعافيكم إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) يقول : آمنوا قبل الموت تسلموا [ من العذاب ] فإن أجل الموت إذا جاء لا يؤخر ولا يمكنكم الإيمان .
الآية 5
"قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً".
الآية 6
"فلم يزدهم دعائي إلا فراراً"، نفاراً وإدباراً عن الإيمان والحق.
الآية 7
( وإني كلما دعوتهم ) إلى الإيمان بك ( لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ) لئلا يسمعوا دعوتي ( واستغشوا ثيابهم ) غطوا بها وجوههم لئلا يروني ( وأصروا ) على كفرهم ( واستكبروا ) عن الإيمان بك ( استكبارا )
الآية 8
"ثم إني دعوتهم جهاراً"، معلناً بالدعاء. قال ابن عباس: بأعلى صوتي.
الآية 9
( ثم إني أعلنت لهم ) كررت الدعاء معلنا ( وأسررت لهم إسرارا ) قال ابن عباس : يريد الرجل بعد الرجل أكلمه سرا بيني وبينه أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك .
الآية 10
"فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً".
الآية 11
( يرسل السماء عليكم مدرارا ) وذلك أن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فهلكت أموالهم ومواشيهم ، فقال لهم نوح : استغفروا ربكم من الشرك ، أي استدعوا المغفرة بالتوحيد ، يرسل السماء عليكم مدرارا .
وروى مطرف عن الشعبي أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج يستسقي بالناس ، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع ، فقيل له : ما سمعناك استسقيت ؟ فقال . طلبت الغيث [ بمجاديح ] السماء التي يستنزل بها المطر ، ثم قرأ : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا " .
الآية 12
"ويمددكم بأموال وبنين"، قال عطاء: يكثر أموالكم وأولادكم، "ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً".
الآية 13
"ما لكم لا ترجون لله وقاراً"، قال ابن عباس ومجاهد: لا ترون لله عظمة. وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. وقال الكلبي: لا تخافون الله حق عظمته. و الرجاء: بمعنى الخوف، و الوقار: العظمة، اسم من التوقير وهو التعظيم. قال الحسن: لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. قال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيراً.
الآية 14
"وقد خلقكم أطواراً"، تارات، حالاً بعد حال، نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى تمام الخلق.
الآية 15
" ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ".
الآية 16
(وجعل القمر فيهن نورا ) قال الحسن : يعني في السماء الدنيا كما يقال : أتيت بني تميم ، وإنما أتى بعضهم ، وفلان متوار في دور بني فلان وإنما هو في دار واحدة . وقال عبد الله بن عمرو : إن الشمس والقمر وجوههما إلى السماوات ، وضوء الشمس ونور القمر فيهن وأقفيتهما إلى الأرض . ويروى هذا عن ابن عباس .
( وجعل الشمس سراجا ) مصباحا مضيئا . ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) أراد مبدأ خلق آدم خلقه من الأرض والناس ولده ، وقوله : " نباتا " اسم جعل في موضع المصدر أي إنباتا قال الخليل : مجازه : أنبتكم فنبتم نباتا . ( ثم يعيدكم فيها ) بعد الموت ( ويخرجكم ) منها يوم البعث أحياء ( إخراجا ( والله جعل لكم الأرض بساطا ) فرشها وبسطها لكم .
الآية 17
"والله أنبتكم من الأرض نباتاً"، أراد مبدأ خلق آدم، خلقه من الأرض، والناس ولده، وقوله: "نباتاً" اسم جعل في موضع المصدر أي إنباتاً، قال الخليل: مجازه: أنبتكم فنبتم نباتاً.
الآية 18
"ثم يعيدكم فيها"، بعد الموت، "ويخرجكم"، منها يوم البعث أحياء، "إخراجاً".
الآية 19
"والله جعل لكم الأرض بساطاً"، فرشها وبسطها لكم.
الآية 20
"لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً"، طرقاً واسعة.
الآية 21
"قال نوح رب إنهم عصوني"، لم يجيبوا دعوتي، "واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً"، يعني: اتبع السفلة والفقراء القادة والرؤساء الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالاً في الدنيا وعقوبة في الآخرة.
الآية 22
( ومكروا مكرا كبارا ) أي كبيرا عظيما يقال : كبير وكبار بالتخفيف كبار بالتشديد ، كلها بمعنى واحد ، كما يقال : أمر عجيب وعجاب وعجاب بالتشديد وهو أشد في المبالغة .
واختلفوا في معنى مكرهم . قال ابن عباس : قالوا قولا عظيما . وقال الضحاك : افتروا على الله وكذبوا رسله وقيل : منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح [ وحرضوهم ] على قتله .
الآية 23
( وقالوا ) لهم ( لا تذرن آلهتكم ) أي لا تتركوا عبادتها ( ولا تذرن ودا ) قرأ أهل المدينة بضم الواو والباقون بفتحها ( ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) هذه أسماء آلهتهم .
قال محمد بن كعب : هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم : لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ، ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس : إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم ، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك .
وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم من المسلمين .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام عن ابن جريج وقال عطاء عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح [ تعبد ] في العرب [ بعده ] أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع فكانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبإ وأما يعوق فكانت لهمدان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ذكره في تفسيره .
وروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قوله تعالى : " ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " قال : كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا فى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت .
وروي عن ابن عباس : أن تلك الأوثان دفنها الطوفان وطمها التراب ، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب ، وكانت للعرب أصنام أخر فاللات كانت لثقيف ، والعزى لسليم وغطفان وجشم ومناة لقديد ، وإساف ونائلة وهبل لأهل مكة .
الآية 24
( وقد أضلوا كثيرا ) أي : ضل بسبب الأصنام كثير من الناس كقوله - عز وجل - : " رب إنهن أضللن كثيرا من الناس " ( إبراهيم - 36 ) وقال مقاتل : أضل كبراؤهم كثيرا من الناس ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) هذا دعاء عليهم بعدما أعلم الله نوحا أنهم لا يؤمنون ، وهو قوله : " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " ( هود - 36 ) .
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

