البغوي: معالم التنزيل.
الآية 25
"إن هذا إلا قول البشر"، يعني يساراً وجبراً فهو يأثره عنهما. وقيل: يرويه عن مسيلمة صاحب اليمامة.
الآية 26
قال الله تعالى: "سأصليه"، سأدخله، "سقر"، وسقر اسم من أسماء جهنم.
الآية 27
"وما أدراك ما سقر".
الآية 28
( لا تبقي ولا تذر ) أي لا تبقي ولا تذر فيها شيئا إلا أكلته وأهلكته . وقال مجاهد : لا تميت ولا تحيي يعني لا تبقي من فيها حيا ولا تذر من فيها ميتا كلما احترقوا جددوا . وقال السدي : لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما . وقال الضحاك : إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئا وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم ولكل شيء ملالة وفترة إلا لجهنم .
الآية 29
( لواحة للبشر ) مغيرة للجلد حتى تجعله أسود ، يقال : لاحه السقم والحزن إذا غيره ، وقال مجاهد : تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادا من الليل . وقال ابن عباس وزيد بن أسلم : محرقة للجلد . وقال الحسن وابن كيسان : تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا نظيره قوله : " وبرزت الجحيم للغاوين " ( الشعراء - 91 ) و ( لواحة ) رفع على نعت " سقر " في قوله : " وما أدراك ما سقر " و " البشر " جمع بشرة وجمع البشر أبشار .
الآية 30
( عليها تسعة عشر ) [ أي : على ] النار تسعة عشر من الملائكة ، وهم خزنتها : مالك ومعه ثمانية عشر . وجاء في الأثر : أعينهم كالبرق الخاطف ، وأنيابهم كالصياصي ، يخرج لهب النار من أفواههم ، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة ، نزعت منهم الرحمة ، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم .
قال عمرو بن دينار : إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر .
قال ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك : لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم ، أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ، أي : الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم قال أبو [ الأشد ] أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهري وسبعة على بطني ، فاكفوني أنتم اثنين .
وروي أنه قال : أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة . فأنزل الله - عز وجل - ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) .
الآية 31
( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) لا رجالا آدميين ، فمن ذا يغلب الملائكة ؟ ( وما جعلنا عدتهم ) أي عددهم في القلة ( إلا فتنة للذين كفروا ) أي ضلالة لهم حتى قالوا ما قالوا ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) لأنه مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر ، ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إذا وجدوا ما قاله موافقا لما في كتبهم ( ولا يرتاب ) ولا يشك ( الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) في عددهم ( وليقول الذين في قلوبهم مرض ) شك ونفاق ( والكافرون ) [ مشركو مكة ] ( ماذا أراد الله بهذا مثلا ) أي شيء أراد بهذا الحديث ؟ وأراد بالمثل الحديث نفسه . ( كذلك ) أي كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق كذلك ( يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو ) قال مقاتل : هذا جواب أبي جهل حين قال : أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر ؟ قال عطاء : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار ، لا يعلم عدتهم إلا الله ، والمعنى إن تسعة عشر هم خزنة النار ، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلم إلا الله - عز وجل - ، ثم رجع إلى ذكر سقر فقال : ( وما هي ) يعني [ سقر ] ( إلا ذكرى للبشر ) إلا تذكرة وموعظة للناس .
الآية 32
"كلا والقمر"، هذا قسم، يقول: حقاً.
الآية 33
( والقمر والليل إذ أدبر ) قرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب " إذ " بغير ألف ، " أدبر " بالألف ، وقرأ الآخرون " إذا " بالألف " دبر " بلا ألف ، لأنه أشد موافقة لما يليه ، وهو قوله : ( والصبح إذا أسفر ) ولأنه ليس في القرآن قسم بجانبه إذ وإنما بجانب الإقسام إذا [ ودبر وأدبر ] كلاهما لغة ، يقال : دبر الليل وأدبر إذا ولى ذاهبا . قال أبو عمرو : دبر لغة قريش ، وقال قطرب : دبر أي أقبل ، تقول العرب : دبرني فلان أي جاء خلفي ، فالليل يأتي خلف النهار .
الآية 34
( والصبح إذا أسفر ) أضاء وتبين .
الآية 35
"إنها لإحدى الكبر"، يعني أن سقر لإحدى الأمور العظام، وواحد الكبر: كبرى، قال مقاتل والكلبي: أراد بالكبر: دركات جهنم، وهي سبعة: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية.
الآية 36
( نذيرا للبشر ) يعني النار نذيرا للبشر ، قال الحسن : والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها ، وهو نصب على القطع من قوله : " لإحدى الكبر " لأنها معرفة ، و " نذيرا " نكرة ، قال الخليل : النذير مصدر كالنكير ، ولذلك وصف به المؤنث ، وقيل : هو من صفة الله سبحانه وتعالى ، مجازه : وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر أي إنذارا لهم . قال أبو رزين يقول أنا لكم منها نذير ، فاتقوها . وقيل : هو صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - معناه : يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر ، [ فأنذر ] وهذا معنى قول ابن زيد .
الآية 37
( لمن شاء ) بدل من قوله " للبشر " ( منكم أن يتقدم ) في الخير والطاعة ( أو يتأخر ) عنها في الشر والمعصية ، والمعنى : أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن أو كفر .
الآية 38
"كل نفس بما كسبت رهينة"، مرتهنة في النار بكسبها مأخوذة بعملها.
الآية 39
( إلا أصحاب اليمين ) فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ولكن يغفرها الله لهم . قال قتادة : علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين . واختلفوا فيهم : روي عن علي - رضي الله عنه - أنهم أطفال المسلمين .
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس : هم الملائكة .
وقال مقاتل : هم أصحاب الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق ، حين قال الله لهم : هؤلاء في الجنة ولا أبالي . وعنه أيضا : هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم ، وعنه أيضا : هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم .
وقال الحسن : هم المسلمون المخلصون . وقال [ القاسم ] كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر إلا من اعتمد على الفضل ، وكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به ، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به .
الآية 40
"في جنات يتساءلون".
الآية 41
"عن المجرمين"، المشركين.
الآية 42
"ما سلككم"، أدخلكم، "في سقر"، فأجابوا.
الآية 43
"قالوا لم نك من المصلين"، لله.
الآية 44
"ولم نك نطعم المسكين".
الآية 45
"وكنا نخوض"، في الباطل، "مع الخائضين".
الآية 46
"وكنا نكذب بيوم الدين".
الآية 47
"حتى أتانا اليقين"، وهو الموت.
الآية 48
قال الله - عز وجل - ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) قال ابن مسعود : تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين ، فلا يبقى في النار إلا أربعة ، ثم تلا " قالوا لم نك من المصلين " إلى قوله : ( بيوم الدين ) قال عمران بن الحصين : الشفاعة نافعة لكل واحد دون هؤلاء الذين تسمعون .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي ، حدثنا محمد بن حماد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصف أهل النار فيعذبون قال : " فيمر فيهم الرجل من أهل الجنة فيقول الرجل منهم يا فلان قال فيقول : ما تريد فيقول : أما تذكر رجلا سقاك شربة يوم كذا وكذا ؟ قال فيقول : وإنك لأنت هو ؟ فيقول : نعم ، فيشفع له فيشفع فيه . قال : ثم يمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول : يا فلان ، فيقول : ما تريد ؟ فيقول : أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا ؟ فيقول : إنك لأنت هو ؟ فيقول : نعم فيشفع له فيشفع فيه " .
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

