البغوي: معالم التنزيل.
الآية 1
مكية
"عبس"، كلح، "وتولى"، أعرض بوجهه.
الآية 2
( أن جاءه الأعمى ) [ أي : لأن جاءه الأعمى ] وهو ابن أم مكتوم ، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي ، وذلك أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يناجي عتبة بن ربيعة ، وأبا جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأبي بن خلف ، وأخاه أمية ، يدعوهم إلى الله ، يرجو إسلامهم ، فقال ابن أم مكتوم : [ يا رسول الله ] أقرئني وعلمني مما علمك الله ، فجعل يناديه ويكرر النداء ، ولا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقطعه كلامه ، وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد : إنما أتباعه العميان والعبيد والسفلة ، فعبس وجهه وأعرض عنه ، وأقبل على القوم الذين يكلمهم ، فأنزل الله هذه الآيات ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يكرمه ، وإذا رآه قال : مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ، ويقول له : هل لك من حاجة ؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما ، قال أنس بن مالك : فرأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء .
الآية 3
"وما يدريك لعله يزكى"، يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك، وقال ابن زيد: يسلم.
الآية 4
"أو يذكر"، يتعظ، "فتنفعه الذكرى"، الموعظة قرأ عاصم: "فتنفعه" بنصب العين على جواب لعل بالفاء، وقراءة العامة بالرفع نسقاً على قوله: "يذكر".
الآية 5
"أما من استغنى"، قال ابن عباس: عن الله وعن الإيمان بما له من المال.
الآية 6
"فأنت له تصدى"، تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إليه كلامه، وقرأ أهل الحجاز: "تصدى" بتشديد الصاد على الإدغام، أي: تتصدى، وقرأ الآخرون بتخفيف الصاد على الحذف.
الآية 7
" وما عليك أن لا يزكى "، لا يؤمن ولا يهتدي، إن عليك إلا البلاغ.
الآية 8
"وأما من جاءك يسعى"، يمشي يعني: ابن أم مكتوم.
الآية 9
"وهو يخشى"، الله عز وجل.
الآية 10
"فأنت عنه تلهى"، تتشاغل وتعرض عنه.
الآية 11
"كلا"، زجر، أي لا تفعل بعدها مثلها، "إنها" يعني هذه الموعظة. وقال مقاتل: آيات القرآن، "تذكرة"، موعظة وتذكير للخلق.
الآية 12
"فمن شاء"، من عباد الله، "ذكره"، أي اتعظ به. وقال مقاتل: فمن شاء الله ذكره وفهمه، واتعظ بمشيئته وتفهيمه، والهاء في "ذكره" راجعة إلى القرآن والتنزيل والوعظ.
الآية 13
ثم أخبر عن جلالته عنده فقال: "في صحف مكرمة"، يعني اللوح المحفوظ. وقيل: كتب الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله تعالى: " إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى " (الأعلى- 18، 19).
الآية 14
"مرفوعة"، رفيعة القدر عند الله عز وجل، وقيل: مرفوعة يعني في السماء السابعة. "مطهرة"، لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة.
الآية 15
"بأيدي سفرة"، قال ابن عباس ومجاهد: كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر، يقال: سفرت أي كتبت. ومنه قيل للكاتب: سافر، وللكتاب: سفر، وجمعه: أسفار. وقال الآخرون: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير، وهو الرسول، وسفير القوم الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم.
الآية 16
ثم أثنى عليهم فقال: "كرام بررة"، أي: كرام على الله، بررة مطيعين، جمع بار.
الآية 17
قوله - عز وجل - : ( قتل الإنسان ) أي لعن الكافر . قال مقاتل : نزلت في عتبة بن أبي لهب ( ما أكفره ) ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده ، على طريق التعجب ، قال الزجاج : معناه : اعجبوا أنتم من كفره . وقال الكلبي ومقاتل : هو " ما " الاستفهام ، يعني : أي شيء حمله على الكفر ؟
الآية 18
ثم بين من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه فقال: "من أي شيء خلقه"، لفظه استفهام ومعناه التقرير.
الآية 19
ثم فسره فقال: "من نطفة خلقه فقدره"، أطواراً: نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه، قال الكلبي: قدر خلقه، رأسه وعينيه ويديه ورجليه.
الآية 20
"ثم السبيل يسره"، أي طريق خروجه من بطن أمه. قال السدي ومقاتل، والحسن ومجاهد: يعني طريق الحق والباطل، سهل له العلم به، كما قال: "إنا هديناه السبيل" (الإنسان- 3) "وهديناه النجدين" (البلد-10)، وقيل: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدره عليه.
الآية 21
( ثم أماته فأقبره ) جعل له قبرا يوارى فيه . قال الفراء : جعله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى كالسباع والطيور . يقال : قبرت الميت إذا دفنته ، وأقبره الله : أي صيره بحيث يقبر ، وجعله ذا قبر ، كما يقال : طردت فلانا والله أطرده أي صيره طريدا .
الآية 22
"ثم إذا شاء أنشره"، أحياه بعد موته.
الآية 23
"كلا"، رداً عليه، أي: ليس كما يقول ويظن هذا الكافر، وقال الحسن: حقاً. "لما يقض ما أمره"، أي لم يفعل ما أمره الله به ولم يؤد ما فرض عليه.
الآية 24
ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال: "فلينظر الإنسان إلى طعامه"، كيف قدره ربه ودبره له وجعله سبباً لحياته. وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه.
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

