تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير — سورة الحج

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

۞ قراءة النص
سورة الحج · Al-Hajjالسورة 22 · الصفحة 3 · 78 مقطعاً

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

الآية 49

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين طلب منه الكفار وقوع العذاب ، واستعجلوه به : ( قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ) أي : إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد ، وليس إلي من حسابكم من شيء ، أمركم إلى الله ، إن شاء عجل لكم العذاب ، وإن شاء أخره عنكم ، وإن شاء تاب على من يتوب إليه ، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة ، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار ، [ و ] ( لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ) [ الرعد : 41 ] و ( إنما أنا لكم نذير مبين )

الآية 50

( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم ، ( لهم مغفرة ورزق كريم ) أي : مغفرة لما سلف من سيئاتهم ، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم .

[ و ] قال محمد بن كعب القرظي : إذا سمعت الله تعالى يقول : ( ورزق كريم ) فهو الجنة .

الآية 51

وقوله : ( والذين سعوا في آياتنا معاجزين ) : قال مجاهد : يثبطون الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم . وكذا قال عبد الله بن الزبير : مثبطين .

وقال ابن عباس : ( معاجزين ) : مراغمين .

( أولئك أصحاب الجحيم ) : وهي النار الحارة الموجعة الشديد عذابها ونكالها ، أجارنا الله منها .

قال الله تعالى : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ) [ النحل : 88 ] .

الآية 52

قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ، ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا . ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح ، والله أعلم .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة " النجم " فلما بلغ هذا الموضع : ( أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى ) قال : فألقى الشيطان على لسانه : " تلك الغرانيق العلى . وإن شفاعتهن ترتجى " . قالوا : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم . فسجد وسجدوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته [ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ] )

رواه ابن جرير ، عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، به نحوه ، وهو مرسل ، وقد رواه البزار في مسنده ، عن يوسف بن حماد ، عن أمية بن خالد ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فيما أحسب ، الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة " النجم " ، حتى انتهى إلى : ( أفرأيتم اللات والعزى ) ، وذكر بقيته . ثم قال البزار : لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد ، تفرد بوصله أمية بن خالد ، وهو ثقة مشهور . وإنما يروى هذا من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس .

ثم رواه ابن أبي حاتم ، عن أبي العالية ، وعن السدي ، مرسلا . وكذا رواه ابن جرير ، عن محمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن قيس ، مرسلا أيضا .

وقال قتادة : كان النبي صلى الله عليه وسلم [ يصلي ] عند المقام إذ نعس ، فألقى الشيطان على لسانه " وإن شفاعتها لترتجى . وإنها لمع الغرانيق العلى " ، فحفظها المشركون . وأجرى الشيطان أن نبي الله قد قرأها ، فزلت بها ألسنتهم ، فأنزل الله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول [ ولا نبي إلا إذا تمنى ] ) الآية ، فدحر الله الشيطان .

ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي ، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي ، حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : أنزلت سورة النجم ، وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم ، وأحزنه ضلالهم ، فكان يتمنى هداهم ، فلما أنزل الله سورة " النجم " قال : ( أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى . ألكم الذكر وله الأنثى ) ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت ، فقال : " وإنهن لهن الغرانيق العلى . وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى " . وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وزلت بها ألسنتهم ، وتباشروا بها ، وقالوا : إن محمدا ، قد رجع إلى دينه الأول ، ودين قومه . فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم [ آخر النجم ] ، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك . غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا ، فرفع على كفه ترابا فسجد عليه . فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود ، لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها في السورة ، فسجدوا لتعظيم آلهتهم . ففشت تلك الكلمة في الناس ، وأظهرها الشيطان ، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين ، عثمان بن مظعون وأصحابه ، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه ، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته ، وحفظه من الفرية ، وقال [ تعالى ] : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ) ، فلما بين الله قضاءه ، وبرأه من سجع الشيطان ، انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم المسلمين ، واشتدوا عليهم . وهذا أيضا مرسل .

وفي تفسير ابن جرير عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، نحوه . وقد رواه الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " فلم يجز به موسى بن عقبة ، ساقه في مغازيه بنحوه ، قال : وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة .

قلت : وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا ، وكلها مرسلات ومنقطعات ، فالله أعلم . وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ، ومحمد بن كعب القرظي ، وغيرهما بنحو من ذلك ، ثم سأل هاهنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس ، من ألطفها : أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك ، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس كذلك في نفس الأمر ، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا من رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .

وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته . وقد تعرض القاضي عياض ، رحمه الله ، في كتاب " الشفاء " لهذا ، وأجاب بما حاصله .

وقوله : ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ، هذا فيه تسلية له ، صلوات الله وسلامه عليه ، أي : لا يهيدنك ذلك ، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء .

قال البخاري : قال ابن عباس : ( في أمنيته ) إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إذا تمنى [ ألقى الشيطان في أمنيته ) ، يقول : إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه .

وقال مجاهد : ( إذا تمنى ) ] يعني : إذا قال .

ويقال : ( أمنيته ) : قراءته ، ( إلا أماني ) [ البقرة : 78 ] ، يقولون ولا يكتبون .

قال البغوي : وأكثر المفسرين قالوا : معنى قوله : ( تمنى ) أي : تلا وقرأ كتاب الله ، ( ألقى الشيطان في أمنيته ) أي : في تلاوته ، قال الشاعر في عثمان حين قتل :

تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر

وقال الضحاك : ( إذا تمنى ) : إذا تلا .

قال ابن جرير : هذا القول أشبه بتأويل الكلام .

وقوله : ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) ، حقيقة النسخ لغة : الإزالة والرفع .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان .

وقال الضحاك : نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته .

وقوله : ( والله عليم ) ، [ أي : بما يكون من الأمور والحوادث ، لا تخفى عليه خافية ] ، ( حكيم ) أي : في تقديره وخلقه وأمره ، له الحكمة التامة والحجة البالغة;

الآية 53

" ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد " فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم المسلمين واشتدوا عليهم وهذا أيضا مرسل وفي تفسير ابن جرير عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة فلم يجز به موسى بن عقبة ساقه من مغازيه بنحوه قال وقد رواه عن أبي إسحاق هذه القصة " قلت "وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا وكلها مرسلات ومنقطعات والله أعلم وقد ساقها البغوي في تفسره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك ثم سأل ههنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلاة الله وسلامه عليه ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك في نفس الأمر بل.

إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن والله أعلم.

وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء لهذا وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها وقوله " إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أي لا يهيدنك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء قال البخاري قال ابن عباس " في أمنيته " إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان " ثم يحكم الله آياته " قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " يقول إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه وقال مجاهد " إذا تمنى " يعني إذا قال يقال أمنيته قراءته " إلا أماني " يقرءون ولا يكتبون قال البغوي وأكثر المفسرين قالوا معنى قوله " تمنى " أي تلا وقرأ كتاب الله " ألقى الشيطان في أمنيته " أي في تلاوته قال الشاعر في عثمان حين قتل: تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر وقال الضحاك " إذا تمنى " إذا تلا قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام وقوله " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " حقيقة النسخ لغة:الإزالة والرفع قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان وقال الضحاك نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وقوله " والله عليم " أي بما يكون من الأمور والحوادث لا تخفى عليه خافية " حكيم " أي في تقديره وخلقه وأمره له الحكمة التامة والحجة البالغة ولهذا قال " ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض " أي شك وشرك وكفر ونفاق كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند الله وإنما كان من الشيطان قال ابن جريج " الذين في قلوبهم مرض " هم المنافقون " والقاسية قلوبهم " هم المشركون وقال مقاتل بن حيان هم اليهود " وإن الظالمين لفي شقاق بعيد " أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد أي من الحق والصواب.

الآية 54

( وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ) أي : وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل ، المؤمنون بالله ورسوله ، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك ، الذي أنزله بعلمه وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره ، بل هو كتاب حكيم ، ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 42 ] .

وقوله : ( فيؤمنوا به ) أي : يصدقوه وينقادوا له ، ( فتخبت له قلوبهم ) أي : تخضع وتذل ، ( وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ) أي : في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه ، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه ، وفي الآخرة يهديهم [ إلى ] الصراط المستقيم ، الموصل إلى درجات الجنات ، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات .

الآية 55

يقول تعالى مخبرا عن الكفار : أنهم لا يزالون في مرية ، أي : في شك وريب من هذا القرآن ، قاله ابن جريج ، واختاره ابن جرير .

وقال سعيد بن جبير ، وابن زيد : ( منه ) أي : مما ألقى الشيطان .

( حتى تأتيهم الساعة بغتة ) : قال مجاهد : فجأة . وقال قتادة : ( بغتة ) ، بغت [ القوم ] أمر الله ، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم ، فلا تغتروا بالله ، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون .

وقوله : ( أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) : قال مجاهد : قال أبي بن كعب : هو يوم بدر ، وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة وغير واحد . واختاره ابن جرير .

وقال عكرمة ، ومجاهد [ في رواية عنهما ] : هو يوم القيامة لا ليلة له . وكذا قال الضحاك ، والحسن البصري .

وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به ، لكن هذا هو المراد; ولهذا قال

الآية 56

( الملك يومئذ لله يحكم بينهم ) ، كقوله ( مالك يوم الدين ) [ الفاتحة : 4 ] وقوله : ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) [ الفرقان : 26 ] .

( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ، أي : آمنت قلوبهم ، وصدقوا بالله ورسوله ، وعملوا بمقتضى ما علموا ، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم .

( في جنات النعيم ) . أي : لهم النعيم المقيم ، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد .

الآية 57

( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) أي : كفرت قلوبهم بالحق ، وجحدوا به وكذبوا به ، وخالفوا الرسل ، واستكبروا عن اتباعهم ( فأولئك لهم عذاب مهين ) أي : مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق ، كقوله تعالى : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] أي : صاغرين .

الآية 58

يخبر تعالى عمن خرج مهاجرا في سبيل الله ابتغاء مرضاته ، وطلبا لما عنده ، وترك الأوطان والأهلين والخلان ، وفارق بلاده في الله ورسوله ، ونصرة لدين الله ) ثم قتلوا ) أي : في الجهاد ) أو ماتوا ) أي : حتف أنفهم ، أي : من غير قتال على فرشهم ، فقد حصلوا على الأجر الجزيل ، والثناء الجميل ، كما قال تعالى ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) [ النساء : 100 ] .

وقوله : ( ليرزقنهم الله رزقا حسنا ) أي : ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم ، ( وإن الله لهو خير الرازقين)

الآية 59

أي : الجنة . كما قال تعالى : ( فأما إن كان من المقربين . فروح وريحان وجنة نعيم ) [ الواقعة : 88 ، 89 ] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة نعيم ، كما قال هاهنا : ( ليرزقنهم الله رزقا حسنا ) ، ثم قال : ( ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم ) أي : بمن يهاجر ويجاهد في سبيله ، وبمن يستحق ذلك ، ( حليم ) أي : يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه ، وتوكلهم عليه . فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر ، فإنه حي عند ربه يرزق ، كما قال تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] ، والأحاديث في هذا كثيرة ، كما تقدم وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر ، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه ، وعظيم إحسان الله إليه . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا المسيب بن واضح ، حدثنا ابن المبارك ، عن عبد الرحمن بن شريح ، عن ابن الحارث يعني : عبد الكريم عن ابن عقبة يعني : أبا عبيدة بن عقبة قال : حدثنا شرحبيل بن السمط : طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم ، فمر بي سلمان يعني : الفارسي رضي الله عنه ، فقال : إني سمعت رسول الله يقول : " من مات مرابطا ، أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر ، وأجرى عليه الرزق ، وأمن من الفتانين " واقرءوا إن شئتم : ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم )

وقال أيضا : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا زيد بن بشر ، أخبرني همام ، أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان : كنا برودس ، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بجنازتين ، إحداهما قتيل والأخرى متوفى ، فمال الناس على القتيل ، فقال فضالة : ما لي أرى الناس مالوا مع هذا ، وتركوا هذا؟! فقالوا : هذا قتيل في سبيل الله تعالى . فقال : والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ، اسمعوا كتاب الله : ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا [ ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ] )

وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا عبدة بن سليمان ، أنبأنا ابن المبارك ، أنبأنا ابن لهيعة ، حدثنا سلامان بن عامر الشعباني ، أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه : أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين ، أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي ، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى ، فقيل له : تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال : ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ، إن الله يقول : ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا [ ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين . ليدخلنهم مدخلا ] يرضونه ) فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقا حسنا ، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت .

ورواه ابن جرير ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، أخبرني عبد الرحمن بن شريح ، عن سلامان بن عامر قال : كان فضالة برودس أميرا على الأرباع ، فخرج بجنازتي رجلين ، أحدهما قتيل والآخر متوفى . . . فذكر نحو ما تقدم .

الآية 60

وقوله : ( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ) ، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج أنها نزلت في سرية من الصحابة ، لقوا جمعا من المشركين في شهر محرم ، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام ، فأبى المشركون إلا قتالهم وبغوا عليهم ، فقاتلهم المسلمون ، فنصرهم الله عليهم ، [ و ] ) إن الله لعفو غفور )

الآية 61

يقول تعالى منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء ، كما قال : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير . تولج الليل في النهار [ وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ] ) [ آل عمران : 26 ، 27 ] ومعنى إيلاجه الليل في النهار ، والنهار في الليل : إدخاله من هذا في هذا ، ومن هذا في هذا ، فتارة يطول الليل ويقصر النهار ، كما في الشتاء ، وتارة يطول النهار ويقصر الليل ، كما في الصيف .

وقوله : ( وأن الله سميع بصير ) أي : سميع بأقوال عباده ، بصير بهم ، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم .

الآية 62

ولما بين أنه المتصرف في الوجود ، الحاكم الذي لا معقب لحكمه ، قال : ( ذلك بأن الله هو الحق ) أي : الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له; لأنه ذو السلطان العظيم ، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وكل شيء فقير إليه ، ذليل لديه ، ( وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ) أي : من الأصنام والأنداد والأوثان ، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل; لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا .

وقوله : ( وأن الله هو العلي الكبير ) ، كما قال : ( وهو العلي العظيم ) [ البقرة : 255 ] ، وقال : ( الكبير المتعال ) [ الرعد : 9 ] فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه; لأنه العظيم الذي لا أعظم منه ، العلي الذي لا أعلى منه ، الكبير الذي لا أكبر منه ، تعالى وتقدس وتنزه ، وعز وجل عما يقول الظالمون [ المعتدون ] علوا كبيرا .

الآية 63

وهذا أيضا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه ، فإنه يرسل الرياح ، فتثير سحابا ، فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها ، وهي هامدة يابسة سوداء قحلة ، ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) [ الحج : 5 ] .

وقوله : ( فتصبح الأرض مخضرة ) ، الفاء هاهنا للتعقيب ، وتعقيب كل شيء بحسبه ، كما قال : ( خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ) [ المؤمنون : 14 ] ، وقد ثبت في الصحيحين : " أن بين كل شيئين أربعين يوما " ومع هذا هو معقب بالفاء ، وهكذا هاهنا قال : ( فتصبح الأرض مخضرة ) أي : خضراء بعد يبسها ومحولها .

وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز : أنها تصبح عقب المطر خضراء ، فالله أعلم .

وقوله : ( إن الله لطيف خبير ) أي : عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر ، لا يخفى عليه خافية ، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به ، كما قال لقمان : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ) [ لقمان : 16 ] ، وقال : ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ) [ النمل : 25 ] ، وقال تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [ الأنعام : 59 ] ، وقال ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ) الآية [ يونس : 61 ] ; ولهذا قال أمية بن [ أبي ] الصلت أو : زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته :

وقولا له : من ينبت الحب في الثرى فيصبح منه البقل يهتز رابيا؟ ويخرج منه حبه في رءوسه

ففي ذاك آيات لمن كان واعيا

الآية 64

وقوله " له ما في السموات وما في الأرض " أي ملكه جميع الأشياء وهو غني عما سواه وكل شيء فقير إليه عبد لديه.

الآية 65

وقوله : ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ) أي : من حيوان ، وجماد ، وزروع ، وثمار . كما قال : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) [ الجاثية : 13 ] أي : من إحسانه وفضله وامتنانه ، ( والفلك تجري في البحر بأمره ) أي : بتسخيره وتسييره ، أي : في البحر العجاج ، وتلاطم الأمواج ، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة ، ورفق وتؤدة ، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع ، من بلد إلى بلد ، وقطر إلى قطر ، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء ، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك ، مما يحتاجون إليه ، ويطلبونه ويريدونه ، ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) أي : لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض ، فهلك من فيها ، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه; ولهذا قال : ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) أي : مع ظلمهم ، كما قال في الآية الأخرى : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) [ الرعد : 6 ] .

الآية 66

وقوله : ( وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور ) ، كقوله : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ) [ البقرة : 28 ] ، وقوله : ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) [ الجاثية : 26 ] ، وقوله : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) [ غافر : 11 ] ومعنى الكلام : كيف تجعلون [ مع ] الله أندادا وتعبدون معه غيره ، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف ، ( وهو الذي أحياكم ) أي : خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر ، فأوجدكم ( ثم يميتكم ثم يحييكم ) أي : يوم القيامة ، ( إن الإنسان لكفور ) أي : جحود .

الآية 67

يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا .

قال ابن جرير : يعني : لكل أمة نبي منسكا . قال : وأصل المنسك في كلام العرب : هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ، ويتردد إليه ، إما لخير أو شر . قال : ولهذا سميت مناسك الحج بذلك ، لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها .

فإن كان كما قال من أن المراد : ( لكل أمة جعلنا منسكا ) فيكون المراد بقوله : ( فلا ينازعنك في الأمر ) أي : هؤلاء المشركون . وإن كان المراد : " لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا كما قال : ( ولكل وجهة هو موليها ) [ البقرة : 148 ] ولهذا قال هاهنا : ( هم ناسكوه ) أي : فاعلوه فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق ، أي : هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته ، فلا تتأثر بمنازعتهم لك ، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق; ولهذا قال : ( وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ) أي : طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود .

وهذه كقوله : ( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ) [ القصص : 87 ] .

الآية 68

وقوله : ( وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ) ، كقوله : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) [ يونس : 41 ] .

وقوله : ( الله أعلم بما تعملون ) تهديد شديد ، ووعيد أكيد ، كقوله : ( هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم ) [ الأحقاف : 8 ]

الآية 69

ولهذا قال : ( الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون )

وهذه كقوله : ( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ) [ الشورى : 15 ] .

الآية 70

يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه ، وأنه محيط بما في السماوات وما في الأرض ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها ، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ ، كما ثبت في صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء " .

وفي السنن ، من حديث جماعة من الصحابة; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول ما خلق الله القلم ، قال له : اكتب ، قال : وما أكتب؟ قال : اكتب ما هو كائن . فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا ابن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، حدثني سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام ، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش تبارك وتعالى : اكتب . قال القلم : وما أكتب؟ قال : علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة . فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة . فذلك قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض )

وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها ، وقدرها وكتبها أيضا ، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك ، على الوجه الذي يفعلونه ، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره ، وهذا يعصي باختياره ، وكتب ذلك عنده ، وأحاط بكل شيء علما ، وهو سهل عليه ، يسير لديه; ولهذا قال تعالى : ( إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير )

الآية 71

يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا ، وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ، يعني : حجة وبرهانا ، كقوله : ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) [ المؤمنون : 117 ] . ولهذا قال هاهنا : ( ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ) أي : ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه ، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم ، بلا دليل ولا حجة ، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم; ولهذا توعدهم تعالى بقوله : ( وما للظالمين من نصير ) أي : من ناصر ينصرهم من الله ، فيما يحل بهم من العذاب والنكال .

الآية 72

ثم قال : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) أي : وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله ، وأنه لا إله إلا هو ، وأن رسله الكرام حق وصدق ، ( يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ) أي : يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن ، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء! ) قل ) أي : يا محمد لهؤلاء . ( أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا ) أي : النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا ، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم ، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم .

وقوله : ( وبئس المصير ) أي : وبئس النار منزلا ومقيلا ومرجعا وموئلا ومقاما ، ( إنها ساءت مستقرا ومقاما ) [ الفرقان : 66 ] .

الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة