تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير — سورة الحج

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

۞ قراءة النص
سورة الحج · Al-Hajjالسورة 22 · الصفحة 4 · 78 مقطعاً

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

الآية 73

يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها : ( يا أيها الناس ضرب مثل ) أي : لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ، ( فاستمعوا له ) أي : أنصتوا وتفهموا ، ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) أي : لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك . كما قال الإمام أحمد .

حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا شريك ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رفع الحديث قال : " ومن أظلم ممن خلق [ خلقا ] كخلقي؟ فليخلقوا مثل خلقي ذرة ، أو ذبابة ، أو حبة " .

وأخرجه صاحبا الصحيح ، من طريق عمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة ، فليخلقوا شعيرة " .

ثم قال تعالى أيضا : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) أي : هم عاجزون عن خلق ذباب واحد ، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه ، لو سلبها شيئا من الذي عليها من الطيب ، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك . هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ولهذا [ قال : ( ضعف الطالب والمطلوب ) ] .

قال ابن عباس : الطالب : الصنم ، والمطلوب : الذباب . واختاره ابن جرير ، وهو ظاهر السياق . وقال السدي وغيره : الطالب : العابد ، والمطلوب : الصنم .

الآية 74

ثم قال : ( ما قدروا الله حق قدره ) أي : ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره ، من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها ، ( إن الله لقوي عزيز ) أي : هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء ، ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] ، ( إن بطش ربك لشديد . إنه هو يبدئ ويعيد ) [ البروج : 12 ، 13 ] ، ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) [ الذاريات : 58 ] .

وقوله : ( عزيز ) أي : قد عز كل شيء فقهره وغلبه ، فلا يمانع ولا يغالب ، لعظمته وسلطانه ، وهو الواحد القهار .

الآية 75

يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره ، ومن الناس لإبلاغ رسالاته ، ( إن الله سميع بصير ) أي : سميع لأقوال عباده ، بصير بهم ، عليم بمن يستحق ذلك منهم ، كما قال : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] .

الآية 76

وقوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور ) أي : يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به ، فلا يخفى عليه من أمورهم شيء ، كما قال : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا . إلا من ارتضى من رسول [ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا . ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم ] وأحصى كل شيء عددا ) [ الجن : 26 28 ] ، فهو سبحانه رقيب عليهم ، شهيد على ما يقال لهم ، حافظ لهم ، ناصر لجنابهم; ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) الآية [ المائدة : 67 ] .

الآية 77

اختلف الأئمة ، رحمهم الله ، في هذه السجدة الثانية من سورة الحج : هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين . وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فضلت سورة الحج بسجدتين ، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما " .

الآية 78

وقوله : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) أي : بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم ، كما قال تعالى : ( اتقوا الله حق تقاته ) [ آل عمران : 102 ] .

وقوله : ( هو اجتباكم ) أي : يا هذه الأمة ، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم ، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول ، وأكمل شرع .

( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) أي : ما كلفكم ما لا تطيقون ، وما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا ، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ثنتين ، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة ، كما ورد به الحديث ، وتصلى رجالا وركبانا ، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها . وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها ، والقيام فيها يسقط بعذر المرض ، فيصليها المريض جالسا ، فإن لم يستطع فعلى جنبه ، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات ، في سائر الفرائض والواجبات; ولهذا قال ، عليه السلام : " بعثت بالحنيفية السمحة " وقال لمعاذ وأبي موسى ، حين بعثهما أميرين إلى اليمن : " بشرا ولا تنفرا ، ويسرا ولا تعسرا " . والأحاديث في هذا كثيرة; ولهذا قال ابن عباس في قوله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) يعني : من ضيق .

وقوله : ( ملة أبيكم إبراهيم ) : قال ابن جرير : نصب على تقدير : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) أي : من ضيق ، بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم . [ قال : ويحتمل أنه منصوب على تقدير : الزموا ملة أبيكم إبراهيم ] .

قلت : وهذا المعنى في هذه الآية كقوله : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ) الآية [ الأنعام : 161 ] .

وقوله : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) قال الإمام عبد الله بن المبارك ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) قال : الله عز وجل . وكذا قال مجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، والسدي ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) يعني : إبراهيم ، وذلك لقوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) [ البقرة : 128 ] .

قال ابن جرير : وهذا لا وجه له; لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين ، وقد قال الله تعالى : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) قال مجاهد : الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر ، ) وفي هذا ) يعني : القرآن . وكذا قال غيره .

قلت : وهذا هو الصواب; لأنه تعالى قال : ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل ، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان ، في كتب الأنبياء ، يتلى على الأحبار والرهبان ، فقال : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) أي : من قبل هذا القرآن ) وفي هذا ) ، وقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية :

أنبأنا هشام بن عمار ، حدثنا محمد بن شعيب ، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره ، عن أبي سلام أنه أخبره قال : أخبرني الحارث الأشعري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم " . قال رجل : يا رسول الله ، وإن صام وصلى؟ قال : " نعم ، وإن صام وصلى ، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله " .

وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) من سورة البقرة [ الآية : 21 ] ; ولهذا قال : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) أي : إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا ، مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم ، لتكونوا يوم القيامة ( شهداء على الناس ) لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها; فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة ، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم ، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك . وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [ البقرة : 143 ] ، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته .

وقوله : ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أي : قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها ، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض ، وطاعة ما أوجب ، وترك ما حرم . ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وهو الإحسان إلى خلق الله ، بما أوجب ، للفقير على الغني ، من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج ، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة " التوبة " .

وقوله : ( واعتصموا بالله ) أي : اعتضدوا بالله ، واستعينوا به ، وتوكلوا عليه ، وتأيدوا به ، ( هو مولاكم ) أي : حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم ، ( فنعم المولى ونعم النصير ) يعني : [ نعم ] الولي ونعم الناصر من الأعداء .

قال وهيب بن الورد : يقول الله تعالى : ابن آدم ، اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت ، فلا أمحقك فيمن أمحق ، وإذا ظلمت فاصبر ، وارض بنصرتي ، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك . رواه ابن أبي حاتم .

والله تعالى أعلم وله الحمد والمنة ، والثناء الحسن والنعمة ، وأسأله التوفيق والعصمة ، في سائر الأفعال والأقوال .

هذا آخر تفسير سورة " الحج " ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وشرف وكرم ، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة